حرب طبقية على عمال وعاملات دون نقابات

نشر في‫:‬الجمعة, ايار 12, 2017 - 13:31
Kazimir Malevich - Aeroplano en vuelo
الكاتب/ة: المنشور.

كان لموضوع الواقع العمالي والنقابي في لبنان حصة من ندوات مؤتمر أول نوار الذي نظمه المنتدى الأشتراكي في 28 و29 نيسان/أبريل 2017. تحدّثت خلال الندوة الرفيقة فرح قبيسي عن واقع الطبقة العاملة في لبنان وخصائص الحركة العمالية. 

استهلّت قبيسي كلمتها بطرح بعض المقولات والنظريات عن طبيعة النظام القائم في لبنان. حيث بعض الأحزاب لا تعترف بطبيعة النظام الرأسمالية وتشير له على أنه نظام طائفي حصرا بهدف التركيز على الدور الذي تلعبه الطائفة في لبنان في تحديد العلاقات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في البلد. بالمقابل هناك البعض، ضمن الفضاءات اليسارية، الذي يعترف بطبيعة النظام الرأسمالي مع التشكيك بوجود واضح لطبقة عاملة. 

ترفض قبيسي هذه النظريات رفضا قاطعا، فهل من الممكن التحدّث عن طبقة حاكمة برجوازية دون الاعتراف بطبقة عاملة؟ وأشارت مطولا إلى الظروف الاقتصادية التي تعيش فيها الطبقة العاملة في لبنان.

يتمتع لبنان بأعلى نسب تركز الثروات في العالم، حتى أنه يمكن توصيف  الحكم القائم بالأوليغرشية. أما معالم الرأسمالية من عمالة هشة وملاحقة النقابيين وسياسات تهدف الى تراكم الأرباح فهي من سمات النظام القائم. هذا النظام يحرم سكان لبنان من التغطية الصحية الشاملة وكافة التأمينات الإجتماعية حتى بات أكثر من نصف السكان من دون أي تغطية صحية، ومعظمهم من دون معاش تقاعدي، أو تأمين ضد البطالة. وهو يدفع أيضا بالشباب الى الهجرة بحثا عن العمل، اللائق وغير اللائق، أو بالانخراط داخل لبنان في أعمال هامشية لا تؤمن الحد الأدنى من الدخل. كما أن النظام الحالي لا يوفر الا 18% من حاجة السوق اللبناني الى فرص العمل. 

وبظل هذه الظروف، هناك اقصاء شبه كامل للعمال والعاملات والنقابات العمالية من المشاركة في صنع السياسات الاقتصادية، نتيجة سنين من الحرب التي تشنها الطبقة الحاكمة على الطبقة العاملة. لم يأتِ استعمال الرفيقة فرح مصطلح الحرب لتوصيف ممارسات السلطة الرأسمالية بالصدفة. فهي تعتبر أن الطبقة الحاكمة تحاول قتلنا من خلال تلويث مائنا وأرضنا، وحرماننا من التغطية الصحية، وحق العمل للاجئين. نعم هذه حرب تخللتها معارك كثرة على الحركة العمالية كتلك التي شنّت لمواجهة نضال عمال سبينس، وضرب هيئة التنسيق النقابية، وترحيل العمال والعاملات الأجنبيات ومنعهن من انشاء النقابات. وتسأل أيضا الرفيقة المتحدثة، من منا لا يذكر كيف تقاتلت البرجوازية بأحزابها جمعاء لضرب الحراك الشعبي في صيف 2015؟ وما زالت الحكومة، عند مناقشة الموازنة، تطرح خطابا داعما للخصخصة والتقشف والتخويف من "بعبع" القطاع العام، وتقف ضد تمويل سلسلة الرتب والرواتب. فما عسانا نقول بعد لمن يردد مقولة: "لا طبقة عاملة شديدة الوضوح في لبنان"؟

لربما هذه المقولة تأتي نتيجة هزيمة تعرض لها اليسار أدّت به إلى العزلة والتشكيك بالارث النضالي، في ظل نقاش سياسي عام يخلو من أي تحليل لهذه القضايا المعيشية من منطلق نقض للرأسمالية. ومن عوارض هذا الواقع ولادة حركات عمالية في السنين الأخيرة محصورة بالقطاع العام وخارج التنظيمات النقابية كصعود لحركة عمال وعاملات مهاجرات خاصة العاملات المنزليات وحركة العمال المياومين. فهذه الأخيرة حصلت بظل غياب أي فعل تضامني من قبل النقابات الموجودة، وأدى ذلك الى اتكال العمال المياومين على العلاقات الزبائنية مع الأحزاب.

وبالتالي، تحلل فرح قبيسي، إننا أمام حركة عمالية دون أي صلة مع الجسم النقابي، وتعطي الأسباب التالية لاهتراء هذا الجسم النقابي:

أولا، اتبعت السلطة، من خلال وزارة العمل، سياسة تفريغ للنقابات من خلال اعطاء التراخيص بكثرة. أدى ذلك الى زيادة هائلة لعدد النقابات والاتحادات حتى بلغ هذا العدد اليوم 600 نقابة و50 اتحاد يمثلون فقط 3% من العمال والعاملات. وبالتالي باتت النقابات صفراء تحكمها أحزاب السلطة وتفتقر الى التمثيل العمالي وبات الاتحاد العمالي العام مكانا لاعادة انتاج السلطة.

ثانيا، يشكل القطاع غير النظامي في لبنان، أي علاقات العمل غير المسجلة وبالتالي غير الخاضعة لقانون العمل، قسم كبير من سوق العمل. ورغم أن معظم عمال وعاملات هذا القطاع يعملون في ظروف هشّة، من ناحية الدخل والتأمينات الاجتماعية والحماية من الصرف التعسفي، فان موقف النقابات منهم هو موقف عدائي ويقوم على تحميلهم مسؤولية تردّي ظروف العمل في القطاع النظامي؛ على سبيل المثال، رفض موظفي شركة الكهرباء اضراب العمال المياومين. 

ثالثا، إن تاريخ النقابات في لبنان غير داعم لقضايا النساء ونضالهن. ونرى ذلك من خلال غياب تاريخ نضالات النساء عن كتابات القيادات النقابية، كما نراه في خطاب وممارسات هذه القيادات إن كان من خلال تحميل النساء مسؤولية عدم الانضمام الى النقابات في ظل جو غير مرحب لمشاركتهن في العمل النقابي، بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، أو الغياب التام للنساء في القيادة.

وأخيرا، ترفض النقابات تخطي الارث القومي، حيث ما زالت تضع العمالة الوطنية بوجه العمالة الأجنبية وتشارك في تغذية الخطاب العنصري الذي يترافق مع علاقات عمل استغلالية للعمال والعاملات الأجنبيات. وبذلك تكون تدعم الخطاب الذي تستعمله السلطة السياسية لتحميل العمالة الأجنبية فشل جميع السياسات الاقتصادية.

تنهي قبيسي كلمتها بالتأكيد على وجود طبقة عاملة في لبنان التي شنّت عدّة محاولات دفاع عن نفسها في السنوات الماضية، رغم أنها لم تتصرف كطبقة بحد ذاتها بوجه الطبقة البرجوازية والسلطة السياسية. وتطرح التحدّي الذي يواجهه اليسار الجديد في تحويل وتوجيه هذه المحاولات إلى حالة من الهجوم وخلق قوة ضاغطة ضد الطبقة الحاكمة والنظام الرأسمالي الطائفي في لبنان.