سطوة أحزاب السلطة على العمل النقابي في لبنان

نشر في‫:‬الخميس, ايار 11, 2017 - 14:16
László Moholy-Nagy
الكاتب/ة: حسن مظلوم.

الأصدقاء في المنتدى الإشتراكي الاعزاء، الحضور الكريم، أيتها السيدات، أيها السادة.

الأول من ايار.

عيد العمال العالمي يوم للنضال من أجل الطبقة العاملة نحتفل به محطة من محطات النضال الوطني والإنساني لتحقيق العدالة الإجتماعية المنشودة.

العلاقة بين التنظيم السياسي والعمل النقابي علاقة جدلية تكاملية لأن الاحزاب السياسية تجد من النقابات إطاراً هاماً، ومدخلاً أكيداً للوصول إلى الجماهير ومخاطبتها والتأثير عليها لاستقطابها.

وكثيراً ما كانت الاحزاب السرية تنضوي تحت إطار النقابات، وتتستر خلفها للوصول إلى الناس، والإبتعاد عن رقابة السلطات المباشرة.

وللعمل النقابي أهميته عند الاحزاب السياسية لأنها تقوده عبر عدد محدود من الأعضاء والكوادر، والتي باستطاعتها قيادة مجتمع بأسره إذا كان الكادر النقابي مبدعاً وخلاقاً.  

والاحزاب السياسية لها أهداف متعددة وأولويات سياسية تضع لها آليات للوصول إلى النقابات.

ما هي أهداف التنظيمات السياسية من العمل النقابي؟

- طرح القيم والأفكار الخاصة بها على إمتداد المجتمع وتعبئة الجماهير حولها...

- إعتبار النقابات مكاناً خصباً لكسب المحازبين وتنظيمهم في إطار سياسي محدد...

- التاكيد من خلال العمل النقابي على ريادة الاحزاب له(العمل النقابي) وتأييد الجماهير والتفافها حوله.

الآليات السياسية للولوج إلى النقابات

في كل حزب آليات تنظيمية يخصص فيها إطار للنقابات له فريقه وعلى رأسها مسؤول يهتم بهذا الجانب، وهذا الجهاز هو من يرشح النقابيين ويدربهم ويقوم بالدعاية لهم وتسويقهم ورسم الخطط لهم.

كما يقوم بنسج التحالفات من أجل إيصال مرشحيه إلى المواقع القيادية في النقابات، ويضع البرامج والخطط التي تحدد اهدافه السياسية والمفترض أن تكون في خدمة العمال أو المهنيين أو الحرفيين أصحاب المصلحة في ذلك.  

والمطلوب من الحزبي في النقابات أن يستثمر عملة سياسياً إلى أبعد الحدود لخدمة تنظيمه، فالنقابي الناجح هو السياسي الناجح الذي لا ينسى مهمته السياسية التي تمثل تنظيمه في فكره وعمله، وفي المقابل يقوم حزبه بدعمه مادياً ومعنوياً وبشرياً.  

فالعمل النقابي الناجح يؤمن الأبعاد السياسية التي يهدف الحزب إليها...

وكثيراً ما يؤدي الصراع على العمل النقابي داخل الحزب السياسي الواحد إلى شق صفوف الجماهير والأعضاء في النقابات، وذلك بسبب خلاف تنظيمي يدور على المصالح بين أبناء الحزب الواحد.

ويبدأ هذا الصراع من الأعلى بحيث ينتقل إلى الكوادر الذي يشهرون بعضهم ببعض ثم تتهاوى هذه الصراعات إلى القواعد ثم الأصدقاء فالمؤيدين داخل النقابات، فيدخل الحزب بقائمتين إلى معركة السيطرة على النقابة بعدما تعذر الإتفاق بين المسؤولين ومن ثم يترتب على ذلك نتائج وخيمة من ابرزها:

- كشف الكوادر لهويتهم السياسية الحزبية أمام الناس سواء كان التنظيم سرياً أو علنياً.

- فقدان الحزب لهيبته أمام الجماهير.

- احجام الأعضاء الجدد عن الدخول إلى التنظيم السياسي وبالتالي إنعدام الثقة بالنقابيين الحزبين.

احزاب السلطة اللبنانية والسيطرة على العمل النقابي

تجربة الإتحاد العمالي العام وهيئة التنسيق النقابية  

ليس تدخل السلطة اللبنانية جديداً في شؤون الحركة النقابية فهو قديم قدم هذه الحركة في العام 1935 اثر مظاهرات نقابية لسائقي السيارات، تدخلت السلطة قمعياً فسقط شهيدان منهم برصاص قوى الأمن  

ولم تنته الأمور عند حدود القمع الأمني المباشر حيث اقدمت حكومة الرئيس صائب سلام عام 1973 على صرف تعسفي لأكثر من مئتي أستاذ اثر إضرابات مطلبية مفتوحة...

ونالت الحركة النقابية نصيبها الكبير من التدخلات في ظل الوصاية السورية على لبنان، ففي حكومة الرئيس عمر كرامي عام 1992 واثر التضخم الإقتصادي وإنهيار الليرة اللبنانية أمام الدولار الأميركي، تدخل نائب الرئيس السوري انذاك عبد الحليم خدام لقمع الإضرابات التي بدأها الإتحاد العمالي العام وأدت إلى فوضى عارمة في الشارع معتبراً اياها تهديداً للأمن القومي؟!! وبعد التهديد علق الإتحاد إضراباته مرغماً...

ولم تقف المسألة عند حكومة أو إثنتين ففي حكومة رشيد الصلح وضعت الحركة النقابية تحت الرقابة المشددة بهدف تدجينها من خلال تعيين وزراء للعمل مواليين بشكل مباشر للنظام السوري، فجيء بالأمين القطري لحزب البعث في لبنان عبدالله الأمين وزيراً للعمل الذي أخذ على عاتقه عملية ترويض وشرذمة الإتحاد العمالي العام، وطرح هيكلية نقابية جديدة من 96 مادة بينها 36 مادة تعطيه حاء التدخل في شؤون النقابات، رفضها العمال ففرغ وزير العمل 625 نقابة عشية إنتخابات الإتحاد العمالي العام، وادخلها المعركة الإنتخابية للإمساك بالاتحاد وخلافاً للقانون، مما أدى إلى شق الإتحاد إلى اتحادين الأول برئاسة أنطوان بشارة المدعوم من احزاب اليسار اللبناني والثاني برئاسة غنيم الزغبي المدعوم من الاحزاب الموالية للنظام السوري.  

واثر ترشح النقابي إلياس أبو رزق إلى الإنتخابات النيابية عام 1996 في وجه لائحة رئيس حركة أمل نبيه بري في محافظة الجنوب وحصوله على نسبة مرتفعة من الأصوات عاقبه بري واسقطه من رئاسة الإتحاد العمالي العام وجئ بغسان غصن ذو الميول الموالية لاحزاب السلطة وبقي حتى هذا العام حيث انتخب رئيساً جديداً.  

وبذلك طويت مرحلة من التدخلات لتطويع النقابات تطويعاً تاماً لتصبح رهينة بيد السلطة والهيئات الإقتصادية والمصارف متخلية عن دورها الطبيعي في الدفاع عن مصالح العمال والاجراء.  

ومع إرتفاع نسبة التضخم التي وصلت إلى 150% من العام 1996 وحتى اليوم وزيادة الأوضاع الإقتصادية سوءًا. ولدت هيئة التنسيق النقابية بمبادرة من النقابي الشيوعي حنا غريب رئيس رابطة اساتذة التعليم الثانوي الرسمي في لبنان والتي كان يطمح لتحويلها إلى أداة نقابية فاعلة بديلة من حيث الدور والأهداف للإتحاد العمالي العام، والتي انضوى تحت لوائها مجموعة من الروابط والنقابات هي:

التعليم الثانوي- رابطة التعليم المهني- التعليم الأساسي- نقابة المعلمين في القطاع الخاص- رابطة الإدارة العامة- رابطة المتقاعدين  

قادت هذه الهيئة الاحتجاجات والإضرابات على مدى ثلاث سنوات متواصلة من العام 2012 وصل عدد المتظاهرين فيها إلى أكثر من مئة ألف متظاهر يطالبون بسلسلة الرتب والرواتب، وتصحيح الأجور ومحاربة الفساد والهدر وسرقة المال العام والسياسات الضريبية التي تطال دائماً الفقراء، وتسليط الضوء على نهب الأملاك البحرية والنهرية وفضح الصفقات في المرفأ والمطار والتي يرعاها باكملها المتنفذون في السلطة. الامر الذي أزعج زعماء الطوائف والمذاهب ببروز حركة نقابية جديدة مستقلة عابرة لمذاهبهم وطوائفهم، وأتت من خارج الاصطفافات التي يريدونها أو يتحكمون بها، وبذلك بدء فصل جديد من فصول المواجهة من تدخل السلطة في شؤون الحركة النقابية. فتحالفت احزابها واسقطت هذه الحركة النقابية الناشئة اثر مشاورات اطلقها رئيس حركة أمل نبيه بري مع حزب الله والتيار الوطني الحر والمستقبل والاشتراكي والقوات اللبنانية والمردة والقومي والبعثي، فشكلو لائحة واحدة من تحالف هجين عجيب غريب، أسقط هيئة التنسيق النقابية الدور والأهداف، بقرار سياسي اثبتت هذه الأحزاب بأنها تنتمي إلى فريق واحد على عكس الإنقسام الموحى به على الأقل في الملف المالي والإقتصادي وافقار الناس.   

واعيدت الكرة هذا العام حيث خاض التيار النقابي المستقل الذي أسسه النقابي حنا غريب مع مجموعة من النقابيين قبل أن يصبح أميناً عاماً للحزب الشيوعي اللبناني، المعركة في وجه كل احزاب السلطة حيث حصد ما يقرب 40% منفرداً من مجموع الأصوات في مكونات هيئة التنسيق السابقة.

بينما تمكنا نحن منفردين في محافظة البقاع في شباط الماضي من هزيمة كل احزاب السلطة مجتمعة بفوز التيار النقابي المستقل بكامل لائحته التي ترأسها النقابي حسن مظلوم ما عدا خرق واحد من أصل 9 كان من نصيب تيار المستقبل...

في حين فازت احزاب السلطة في بقية المحافظات بيروت-جبل لبنان- الجنوب-الشمال...  

وتجدد الامر في نقابة المهندسين حيث تكرر المشهد وسقط تحالف السلطة وفاز النقيب المستقل المهندس جاد تابت في اشارتين منفصلتين على بداية تحولات سياسية ونقابية قد بدأت ويجب التوقف عندها وتطويرها.

أخيراً، وبذلك طوي فصل جديد من فصول تدخل احزاب السلطة في شؤون الحركة النقابية والإمساك بها كي تفلت من العقاب على ما ارتكبت من سياسات إقتصادية ومالية بالتحالف مع المصارف والهيئات الإقتصادية...

شكراً لحسن استماعكم

* مقرر محافظة البقاع في رابطة التعليم الثانوي 

--

نص كلمة الأستاذ حسن مظلوم (التيار النقابي المستقل) خلال ندوة العلاقة بين التنظيم السياسي والنقابات التي عقدت خلال مؤتمر أول نوار يوم السبت 29 نيسان/ابريل، والتي ضمته إلى جانب الرفيق هاني عضاضة.