من المسؤول عن تعطل السيرورة الثورية السورية؟

نشر في‫:‬الأثنين, نيسان 24, 2017 - 18:45
فان غوغ 2017 | Daali | فنون الثورة السورية
الكاتب/ة: هـ. أ. الجندي.

لم يكن شعار "واحد واحد الشعب السوري واحد"، الذي صدحت به حناجر عشرات الألوف من السوريين والسوريات، إلا تعبيراً بالغ الدلالة على وحدة الإرادة الشعبية والتركيز على الهوية الوطنية الجامعة، وأتى الرد من قبل النظام الحاكم، بأن أعلنها حرباً شعواء على هذا الشعب الذي اخترق ولأول مرة الإطار التقليدي للتظاهر.

بالثورات يحاول المجتمع/الشعب، وفق تعبير المفكر اللبناني فواز طرابلسي، تغيير النظام القائم، وبالحروب الأهلية، يحاول النظام تغيير الشعب/المجتمع برده إلى جماعات أهلية متناحرة، أوبإعادة إنتاجه على خطوط قسمة أخرى، ليستطيع إعادة السيطرة عليه. 

أتت الحرب الأهلية السورية، إعلاناً، من الطغمة الحاكمة، عن رفضها القاطع لهذا الواقع السياسي الثوري الشعبي الجديد، واعتمدت الحل الأمني، سبيلاً وحيداً لمواجهة الشعب السوري الثائر؛ وكانت الحرب الشاملة ولم يكن قرار إعلان هذه الحرب صادراً، عن الطغمة الحاكمة، بقدر ما كان صادراً، عن الامبرياليات والرجعيات العربية، التي أصابها الذعر، من انتقال السيرورة الثورية إلى بلادها، سيما وأن القابلية للثورة، موجودة لأن الشعوب العربية، متماثلة في مشاكلها الاقتصادية-الاجتماعية وتعاني من قمع الحريات، وأجمعت الطبقات المسيطرة، والامبرياليات على سحق الانتفاضة الشعبية، حتى لو تناقضت مصالحها.

فما هي الاستراتيجية التي اتبعتها هذه الدول، لضرب الانتفاضة؟ وهل نظام الحكم يتحمل لوحده مسؤولية تخريب الانتفاضة، أم أن هناك دوراً للمعارضة السورية، وبعض المثقفين الذين انزلقوا الى المواقع الطائفية والثقافوية؟

لا ضير من القول، بأن نذر الحرب الأهلية، بدأت مع عسكرة الانتفاضة وتدويلها على يد النظام، والقوى المضادة للثورة، ولم تكن العسكرة، خيار الثورة، بل جاءت نتيجة عنف النظام وقمعه، لكي يضمن مصالحه، ويحافظ على سلطته، وهو يدرك بأنه سيخرج منتصراً، في ظل اختلال موازين القوى، وتفوقه العسكري، سيما وأن السلاح الذي اعتمدته المعارضة المسلحة، كان بسيطاً، ومن صنع محلي ومن معدات جرى انتزاعها من جيش النظام.

وجرى فيما بعد، تضييق الحصار على المعارضة المسلحة، وقيدت حركتها، ومنع تسليحها، في الوقت الذي جرى فيه، تسليح الفصائل السلفية المتشددة بالأسلحة النوعية والتي حاربت بدورها واشتبكت مع المعارضة المسلحة، واغتالت أبرز قياداتها.

وكانت الأسلمة، بداية الحرب الأهلية، وهكذا دخلت الانتفاضة حالة من الاستعصاء الثوري المركب. وما زاد الطين بلة، هو رفع شعار تحرير المدن والبلدات من قبل الفصائل الاسلامية، وهي لا تعدو كونها، استراتيجية خاطئة لا بل مؤامرة على الثورة، وعلى البيئات الشعبية الحاضنة للثورة. وبدل اتباع تكتيك حرب العصابات، أي عمليات سريعة وخاطفة، تستهدف البنية الصلبة للنظام، تغلغلت هذه الفصائل بين المدنيين وعملت على فرض سيطرتها على شؤون حياتهم المدنية. وهذا ما يفسر منع تسليح الجيش الحر، لأنه وحده من سيتصدى لهذه المهمة، أي استهداف بنية النظام الصلبة. فبقيت السلطة متماسكة وقادرة على المناورة في الصراع، ضد الشعب، لأنه لم تستهدف مراكزها الحيوية، فضلاً عن أن تغلغل الإسلاميين بين المدنيين، أعطى الذرائع للنظام ولحلفائه لأن يتبعوا سياسة الأرض المحروقة. وجرى تدمير المدن والبلدات والضواحي أي "البؤر الثورية"، كما تم فرض حصار مرير على مجمل المدن والبلدات المحررة.

لم تكن الفصائل السلفية الجهادية، ممثلة بجبهة النصرة وأحرار الشام وجيش الاسلام وأشباههم، إلا قوى مضادة للثورة ولأهدافها التحررية التقدمية، لها مشروعها وطموحها السلطوي الإقصائي، البعيد كل البعد عن قيم الانتفاضة الشعبية. فلعبت دوراً أداتياً، تمثل في تخريب الثورة وتطييفها، وهذا بالضبط الهدف من دعمها، ومبرر وجودها، أي تحويل الصراع الى صراع طائفي يربك قوى الثورة التي واجهت السلطة، وأسست لتحويل الصراع من صراع شعب ضد سلطة، إلى صراع بين مكونات الشعب الواحد، يشتبك الناس فيما بينهم ويصبح النظام، فيما بعد، الحكم لهذه الصراعات. وهو يدرك بأن تطييف الحراك، وإلباسه لبوساً طائفياً، وإنهاك القوى الشعبية، سيدفع كافة الأطراف إلى قبول المساومات والتسويات التي يمكن أن تحسن من شروط تفاوضه، وتقوي من عزيمته.

بينما نجاحه سيفرض أي تسوية، تكون بمثابة مخرجاً لأزمته، وبالطائفية تجدد البورجوازية هيمنتها وسيطرتها، وكلما تقدمت الثورة، عمل النظام على تفجير الوضع بإشعال فتيل الحرب الأهلية، تشاركه في هذا المسعى، مشيخات النفط، وهو الذي أطلق سراح الإسلاميين الجهاديين كي يثبت للعالم، الذي رفع شعار "الحرب على الإرهاب"، بأنه يحارب إرهابيين وسلفيين، وبذلك تكون قد تطابقت، الادلوجتان، أدلوجة النظام والقوى الغربية اللتين ما انفكتا، تعلنان وعبر وسائل اعلامهما، بأن ما يحصل في سوريا هو حرب أهلية ونزاع مسلح!.

 ثمة دور سلبي، وبالغ الضرر لعبته المعارضة السورية، التي تواطئت مع هذه الادلوجة، وانزلقت الى مواقع النظام الطائفية، ممثلة بالمجلس الوطني، وهوائتلاف يضم حزب الشعب الديمقراطي والاخوان المسلمين، اللذان هيمنا على التنسيقيات وهيئات الثورة، وحدداومنذ بداية الانتفاضة، الشعارات التي عزفت على وتر الطائفية، والتدخل الخارجي بدل وضع الشعارات، المعبرة عن مطالب الطبقات الشعبية، ومن المهم الإشارة الى ما ذكره المثقف اللبناني جلبيرالأشقر بهذا الخصوص، وكما ورد في كتابه "انتكاسة الانتفاضة الشعبية- أعراض مرضية"، يقول الأشقر:"إن لجان التنسيق المحلية، وهي جزء بارز من التنسيقيات، التي دشنت الانتفاضة الشعبية، ووجهتها وقد تخلت عن هذا الدور، وانضمت الى المجلس الوطني، الذي اتخذ من اسطنبول مقراً له، وترتبط لجان التنسيق، ارتباطاً وثيقاً بحزب الشعب الديمقراطي، ونتيجة لتمويلهما من قبل الملكيات والامارات النفطية، وتعرض المجلس والإئتلاف من بعده، لانحطاط بالغ السرعة في الفساد، على النحو، الذي عرفته منظمة التحرير الفلسطينية، وانتشرت الظاهرة، في الجيش الحر وغيره من الجماعات الممولة خليجياً، مثل جبهة النصرة وداعش، وغدت في حالات كثيرة، موضع ترحاب المجتمعات المحلية، بوصفها نماذج للنزاهة بالمقارنة. وهنا يكمن في واقع الأمر، أحد الأسباب الرئيسية للفشل الكبير للجيش الحر. وكان من الممكن أن تتطور الأمور على نحو مختلف، مثلما بدأت بالفعل في وقت مبكر". ويتابع الأشقر بالقول بإن"التلاقي القطري-السعودي بشأن سورية مكّن المنظمات الأصولية الإسلامية الرئيسية عدا جبهة النصرة وداعش من أن تلتئم تحت عباءة الجبهة الإسلامية سنة 2013". 

إن حمى التمويل، أدت إلى خنق الانتفاضة، وتفريغها من طاقتها الديمقراطية وتحويلها الى مسألة طائفية، فضلاً عن دور الشبكات الدولية المانحة، أو ما سمي "بمنظمات المجتمع المدني" التي ساهمت بغسيل ادمغة وعقول بعض الناشطين لصالح كل من يلوح براية أصولية-إسلامية-طائفية.

غني عن البيان القول، بأن من ساهم بحرف الانتفاضة، عن مسارها الوطني التحرري، هي الامبرياليات والطبقات المسيطرة والمعارضة السورية، التي عزفت على وتر التدخل الخارجي، سبيلاً وحيداً لإسقاط النظام، ولم تكن معنية، بأهداف الانتفاضة، ولا بمصالح الفئات الشعبية، وهاجسها الوحيد، هو الوصول الى السلطة. زد على ذلك، مسؤولية بعض المثقفين، الذين هادنوا الإسلاميين، وتحالفوا معهم، الأمر الذي انعكس سلباً على مسار الانتفاضة، ومكنهم من فرض سلطة قوى الأمر الواقع، لأن الإسلاميين وبعض الليبراليين، كانوا الفاعلين الاساسيين في المناطق، التي خرجت عن سيطرة النظام. فدفع "العلمانيون" ضريبة هذا التقارب، والتعاطي المرن، مع هذه القوى، التي سرعان ما كشرت عن أنيابها السلطوية القمعية، وبدأت بملاحقة القيادات الديمقراطية وباعتقال الناشطين.

ولم يكن خطاب المعارضة، وطنياً وديمقراطياً، بل طائفياً، ولو إنها اعتمدت خطاباً وطنياً جامعاً، لسهلت انضمام المحايدين والصامتين، ولم تعتمد أية استراتيجية ثورية ولم يكن لديها برنامج عمل، ولا رؤية مستقبلية. 

لا نبالغ اذا قلنا بإنها عبارة عن كيان سياسي نقيض للانتفاضة الشعبية، وتمثل قوى الثورة المضادة، بحكم تبعيتها للدول الراعية والداعمة، ومحكومة بمنطق ثأري انتقامي، وذهب البعض منها الى حد التحالف مع الشيطان، من أجل اسقاط النظام، وهذا لعمري لا يمت الى الفهم السياسي الثوري بصلة. فضلاً عن رهاناتهم على الامبرياليات، وهذه الأخيرة، ساهمت بتخريب الثورة والمد بعمر النظام، ولم تكن معنية بالانتفاضة الشعبية، بقدر ما اشتغلت على تأهيل النظام. ومن ينسى انزلاق البعض الى مواقع التحليل الطائفية والثقافوية الأغلبية-الأقلية وخطاب الجماعات والمكونات والشد من عصب الروابط الأهلية والعصبوية، والترويج للتقسيم والتهليل لما سمي "بالإسلام المعتدل" وهذا لا يختلف عن نظيره الجهادي، لا من حيث العقيدة ولا الاهداف، وهي أدلوجة روج لها الاميركي والسعودي، وتلقفها فيما بعد بعض المثقفين الليبراليين. زد على ذلك تهليل البعض لجبهة النصرة، على اعتبار انه "تكتيك" يمكن أن يسرع بإسقاط النظام، ولم يكن تكتيكاً خاطئاً وحسب، بل مضاد للانتفاضة الشعبية، لأن الجبهة تمددت وأصبحت سلطة، وساهمت بحرف الانتفاضة، عن مسارها وقدمت، وكما أسلفت، ذرائعاً للنظام، لكي يوسع عملياته العسكرية، والخاسر الوحيد، هو الشعب الثائر الذي وقع بين كماشة النظام وقوى الثورة المضادة.

لا نجد غضاضة في القول، بأن ما أوصلنا الى حالة الاستعصاء الثوري، هو تراكم الأخطاء الثورية الكارثية، واتباع تكتيكات مضادة للانتفاضة، الأمر الذي أعاق تقدم السيرورة الثورية، معطوفاً على قمع النظام، وتدخل الامبرياليات، ومشيخات النفط والميلشيات الأجنبية، التي جرى ادخالها الى الأرض السورية، لقمع الشعب السوري ولدعم النظام، الذي كان آيلاً للسقوط.

لا يمكن اعتبار كل ما سبق ذكره، إلا عواملاً، ساهمت بتفكيك الانتفاضة، وتحولها إلى حرب أهلية، وبذلك يكون الصراع، قد تحول من صراع سياسي-طبقي، الى طائفي هوياتي. وبعد سقوط مدينة حلب، انبرى بعض المثقفين وأجروا مراجعات نقدية، وأصدروا بيانات، تطالب بتجديد النقد، والتأكيد على ثوابت الثورة، ولكن هل يحق، للذي ساهم بإرباك قوى الثورة وتضليل الناس، وكان جزءاً من حالة الاستعصاء، أن يكون جزءاً من الحل؟!وهي لا تعدو كونها حركات التفافية، غايتها تبرئة الذمة، والتكيف مع المرحلة الجديدة، وهذا ما دفع برهان غليون، الذي كان من أوائل المهللين لجبهة النصرة، وانخرط في لعبة دبلوماسية، يقودها الاخوان المسلمين بالاتفاق مع تركيا والولايات المتحدة، أن أكد على ضرورة الخطاب الوطني بعدما خسر كل رهاناته.

غني عن البيان القول، بأن أصالة أية ثورة تأتي من استقلالية إرادتها، ومن وطنية القائمين عليها. والثورة التي لا تعتمد على شعبها، وقرارها الوطني، وتدعو الى التدخل الخارجي، شأنها شأن النظام، لا تدخل في معنى الثورة، والثورات لا تنتصر إلا بفضل قواها الذاتية، وبسواعد أبنائها، وهذا ما اكتشفته المعارضة مؤخراً، وبعد خراب البصرة! كما يقال ولو أن المعارضة، تبنت خطاباً وطنياً، وتوجهت الى بقية الشرائح الاجتماعية والشعبية، لسهلت انضمامها إلى الثورة، وانفكاكها عن النظام وسيما وأن القابلية للثورة، موجودة بسبب الأزمات المعيشية، واعتداء الشبيحة على المواطنين. وكان يمكن للقضية الاجتماعية-الاقتصادية، أن توحد الشعب المنقسم، سيما وأن، وعي ومزاج الناس، لا يبقى على حاله، بل هو عرضة للتبدل والتغير.

ومن هلل منهم للتدخل الروسي في البداية، وسرعان ما غير موقفه، واعتبره تدخل امبريالي يصب في مصلحة الروسي، وفي مصلحة النظام، ولكن غياب المعارضة الوطنية والثورية، التي يمكن أن تستغل، أي معطى وتحول جديد، وتخوف بقية الشرائح من الاسلاميين، ومن تأكيد البعض الدائم على التقسيم الماهوي الجامد معارضة/موالاة من دون رؤية التبدل في وعي الناس، الأمر الذي ساهم من التفافهم حول النظام، في الوقت الذي جرى فيه، تهميش الأصوات النقدية، التي سبق وحذرت، من خطورة الرهان على الخارج، ومن التهليل لقوى الثورة المضادة، والانزلاق الى المواقع الطائفية، الى أن وصلنا الى الحدث الجديد، وهو الضربة الأميركية لمطار الشعيرات.

ليس مستغرباً البتة، أن يعاود قطاع من المعارضين والمثقفين والناشطين، تهليلهم للضربة الأميركية. ويمكن تفهم تهليل السوريين البسطاء، والمفقرين "للتهليل" وهم الذين يتعرضون للإبادة الجماعية، سواء بالكيمياوي أو غيره، ولكن أن يرحب المعارضون والمثقفون! هذا لعمري ضرب من الجنون، واللاعقلانية السياسية، في وقت ترتكب فيه قوات التحالف الامبريالي، وبقيادة الأميركي مجازر بحق سكان أهل الرقة ودير الزور، بعدما دمرت جزءاً كبيراً من هذه المناطق الطرفية وأقامت قواعد عسكرية فيها، وهذا احتلال علني وفاجر، للأرض السورية. بيد أن ما أثار الاستغراب، هو تبرئة الأميركي من كل جرائمه، وعمل البعض على تبييض تاريخه الإجرامي، بحق شعوب العالم الفقيرة واعتبر هذه الضربة، تدخلاً يصب في خانة التدخل لأغراض انسانية، وهذا تضليل ما بعده تضليل، والتفاف صارخ على الحقائق والوقائع، والقاصي والداني، بات يعلم بأن الأميركي، وبعد أحداث الحادي عشر من أيلول، رفع شعار "الحرب على الإرهاب" ولم يكن هذا الشعار الثقافوي–الاستعماري، إلا ذريعة لاحتلال البلدان الضعيفة، ولتوسعها العسكري في العالم. وكانت الايديولوجيا المعادية للإسلام، مركزية في حروب الإبادة الجماعية التي شنتها أميركا في الشرق الأوسط، والهدف الذي يكمن خلف هذا التضليل، هو السيطرة على الأسواق والموارد والنفط، وإقامة القواعد العسكرية، وإحكام القبضة على الطرق الاستراتيجية، والقيام بعمليات استخباراتية ضد الخصوم. وتحت شعار التدخل "لأسباب انسانية" وتحرير النساء الافغانيات، والقضاء على طالبان، ارتكبت مجازر بحق سكان هذا البلد. مثلت هذه الحرب، في الأذهان، كواحدة من أكثر الجرائم بشاعة. إنهم لا يعبأون بحياة المدنيين، ولا يهتمون إلا بإقامة القواعد العسكرية، وإرجاع أمراء الحروب الى الواجهة، وفق ما ذكره جيمس بتراس في كتابه "الثورة العربية والثورة المضادة الأميركية الصنع". أضف الى ذلك، القصف الأميركي لليبيا، حيث دمرت أغلب البنى التحتية، فدمروا بذلك الأسس الجوهرية لحياة المدنيين الذين يزعمون أنهم تدخلوا من أجل انقاذهم، سيما وأنها، تنفق ملايين الدولارات، على الحروب، التي تزعزع الأسواق، وتؤجج حروبا أهلية طويلة الأمد.

ولم تكف أميركا عن دفاعها عن أنظمة عميلة مستبدة، تسمح لهم بإقامة قواعد عسكرية، جوية وبحرية، والقيام بأنشطة استخباراتية، وتأتي الضربات كردة فعل، على غالبية الحركات الشعبية، المطالبة بالديمقراطية، ولم تتدخل في البلدان، إلا من أجل تشكيل حكومات عميلة، تدين بالولاء لها. وفيما بعد، يبدأ هجوم مستثمري القطاع الخاص. والأنكى من ذلك، أن الحكام يقدمون دعوات، لاستعمار بلادهم، ويقدمون لهذه الامبرياليات، المطارات والموانئ للقيام بعمليات عسكرية.

ويمكن أن تكون، هذه الإضاءة السريعة لسياسات أميركا، بمثابة مفتاح لفهم استراتيجيتها المقبلة في سوريا. وفي اعتقادي، بأنها لن تختلف، عما اتبعته في بقية البلدان. ولكن الجديد، هو دخول روسيا على خط المنافسة، وهي لا تقل عنها وحشية وهمجية بعدما استفردت في العالم. وفي شتى الأحوال، سواء اتفقت هاتان الدولتان على مصالحهما، في سوريا أو اختلفتا فالخاسر الوحيد، سيكون الشعب السوري، وسيرتفع منسوب القتل والابادة والتدمير وهذا يعكس، عمق الأزمة التي تعيشها الرأسمالية، في طورها المالي العولمي البربري.

لن يسمح صراع الامبرياليات بتطوير أية ديناميكية ثورية نضالية داخلية في الداخل، لأن كل امبريالية، سوف تدعم معسكرها الرجعي، المضاد للثورة ولتطلعات الشعب التحررية الديمقراطية، والذي يمكن أن يساهم بتطوير هذه الديناميكية، هو تفاهم الامبرياليات، ووضع حد للنزاع الأهلي الدموي، أي التفاهم على هيئة حكم تمثل الطبقات المسيطرة. والامبرياليات، وقوامها نخب نيوليبرالية، ستكون وظيفتها إدارة المرحلة الانتقالية أي مرحلة "إعادة الإعمار" وتنفيذ وصايا وإرشادات المؤسسات المالية، سيما وأن الرئيس الأميركي ترامب يمثل فئة رجال الأعمال والنخب المالية، التي تبحث عن أسواق، لتوظيف رساميلها. وهذا يذكرنا بموقف حكومة بوش، عندما اتخذت قراراً برفع الحظر عن العراق، كي تساهم في إعادة إعمار البنى البترولية العراقية، الأمر الذي يتطلب سنوات من الاستثمار، وجني الأرباح الطائلة. وكان من أحد أهم الاسباب، التي دفعت الولايات المتحدة، لاحتلال العراق الغاء الامتيازات، التي أعطاها النظام العراقي، للشركات الفرنسية والروسية وإعطاء حصة الأسد، للشركات الأميركية والبريطانية، وأصبح حينها، اسقاط صدام حسين ضرورة. هذا الأخير، الذي ارتكب مجازر، وقمع انتفاضات شعبية، وبدعم وتغطية كاملة من الأميركي، لأن ما يرعب الأخير هو وجود حكومات منبثقة عن انتفاضات شعبية، وهذا يعني استقلال البلد، ورفض الخضوع والتبعية، وهذا ما تسعى اليه الامبرياليات، الاتفاق على هيئة حكم تسمح لهذه الدول، أن تتقاسم الثروات والأسواق، وبواجهة ديمقراطية، مع الحفاظ على الجوهر الكولونيالي التابع.

وثمة سيناريوهات متعددة لإحكام السيطرة، ومنها أن تعمد هذه الدول، الى تقوية جهاز الدولة مع دمج بديل مدني، منتخب كوسيلة، لامتصاص حماس أي حركة شعبية مقبلة. يعني التضحية بالأشخاص، من أجل إنقاذ جهاز الدولة، والتعهد بالحفاظ عليه، ضمن منظومة القوة الحالية. والمهم، هو وجود بنية طبقية رأسمالية شديدة الاستقطاب، ولن يتم الاستغناء عن بعض مسؤولي النظام القديم، لأنهم يمتلكون الانحطاط الاخلاقي، كي يضعوا أنفسهم، في خدمة المحتلين الجدد وينقذوا أنفسهم ويرووا عطشهم الى السلطة.

ربما ينتظر السوريين، محاصصة طائفية، على الطريقة اللبنانية، سيما وأن الحرب الأهلية السورية شبيهة بمسار وربما مآلات نظيرتها أي الحرب الاهلية اللبنانية، والتي سبقتها أيضاً، انتفاضات شعبية عمالية-فلاحية ضد المجمع المالي-التجاري اللبناني. ويروي المفكر اللبناني فواز طرابلسي في كتابه الهام "تاريخ لبنان الحديث من الإمارة الى اتفاق الطائف" بأنه وعشية الحرب الاهلية، شهد لبنان وعلى خلفية أزمة بنك انترا انتفاضات عمالية –فلاحية، شملت كل المناطق اللبنانية، يقول طرابلسي: "أفضت الأزمة الزراعية، إلى موجة من النضالات، جمعت المطالبة بالأرض لمن يفلحها وبعد تغلغل الرأسمالية المتزايد، داخل العلاقات الزراعية عام 1970 وتدخل الجيش ضد الفلاحين، وكانت انتفاضة فلاحي سهل عكار، هي الأهم، على خلفية شروط الشراكة الجائرة، من هجمة المقاولين الرأسماليين على الاستثمار". 

وزد على ذلك انتفاضة عمال معمل غندور، حينها أعلن العمال عن إضرابهم، مطالبين بزيادة الأجور، فما كان من الجيش، إلا أن أطلق النار، على العمال، وسقط عدداً من الشهداء. إضافة إلى التظاهرات الطلابية، التي أصبحت جزءاً من المشهد اليومي فلم تتحمل الطغمة المالية الحاكمة، هذا الواقع الثوري الشعبي الكفاحي، فكانت الحرب الأهلية كما الانتفاضة الشعبية السورية، والتي لولا انضمام فقراء المدن، وفلاحي الأرياف لما تحولت تظاهرة، بعض مثقفي وشباب الفئات الوسطى، إلى انتفاضة عمت كل أرجاء الأرض السورية. وكان من أحد أهم الأسباب، التي دفعت الفئات الشعبية للتظاهر سوء أحوالها المعاشية بسبب سياسات اللبرلة الاقتصادية ومصادرة أراضي الفلاحين، من قبل البورجوازية الجديدة، وسرعان ما تحولت الانتفاضة الى حرب أهلية، وللأسباب التي سبق وذكرتها في بداية هذا المقال، فجرتها الطبقات المسيطرة والامبرياليات، وصولاً الى الترحيل الطائفي "التهجير".

بالعودة إلى ما أورده الرفيق فواز، في كتابه، والمقارنة مفيدة على هذا الصعيد، بأن "الحرب اللبنانية أنشأت نظامها الخاص، الذي هو مسخ للنظام الاقتصادي-الاجتماعي السائد، قبل الحرب وتحولت، الاستقلالية الذاتية للطوائف، الى سيطرة مسلحة "تطهير طائفي" فيما الاقتصاد الحر، المنفلت من عقاله، تحول إلى نهب مافيوي متوحش، ودشن هذا النظام، حرباً من نمط جديد، تخوضها الميليشيات، مجتمعة على الدولة وعلى مواطنيها وأمست القوة العسكرية، هي القوة الرئيسية للاستحواذ على الفائض الاقتصادي.وتكوين المصالح الاقتصادية". وباتت الدولة، يضيف طرابلسي، "تتعايش، بما هي الشريك الأضعف، مع الميليشيات، والتي أصبحت الحاكم الفعلي بعدما أنجزت تطهير مناطقها، وأصبح كل فرد، يعرف نفسه على أساس هوية اجتماعية وثقافية وهي الهوية الطائفية". ألا يتشابه هذا التوصيف مع الوضع السوري، حيث انهارت السلطة المركزية، بفعل الحرب الأهلية، والسيطرة المتنامية للميليشيات الاصولية، ومن شأن هذه السيطرة، أن تجلب عواقب وخيمة، بما في ذلك تفكك البلد!

والأنكى من ذلك، أن كل من الحرب الاهلية اللبنانية والسورية، غذت ما سمي"بالاقتصاد الميليشياوي" أي التهريب وتجارة السلاح والنهب والخوات على الحواجز .

يقول طرابلسي:"أمسكت الميليشيات، بالقسط الأوفر من التجارة الخارجية، وإذ بالمرافئ غير الشرعية، تتحول الى شركات رسمية، يملكها زعماء الميليشيات، ولم تكتف الميليشيات، بتبادل الخدمات مع شرائح من البورجوازية، بل صارت وسريعاً مؤسسات تجارية كبيرة قائمة بذاتها ودخلت في شراكة مع عدد من عائلاتها العريقة، أو المستجدة". كما العلاقة التجارية التي أقامها النظام السوري مع داعش وشملت صفقات النفط والغاز والكهرباء! 

ومن الضروري رصد التحولات الاجتماعية- الطبقية للحروب الأهلية، إذ وبعد القصف الذي طال الأطراف والضواحي السورية، تحول أصحاب الملكيات الزراعية الكبيرة والصغيرة والحرفيين وأصحاب الورش إلى مفقَرين جدد، وباتوا يمتهنون أعمالاً هامشية، أو ما يمكن أن نطلق عليه اسم"العمل الرخيص". ومن خرجوا من قاع المدن تحولوا إلى أغنياء جدد من جراء "التعفيش" ومصادرة الأملاك والخوات على الحواجز. وكما داعش التي صادرت أيضاً الاملاك الزراعية، وسطت على آبار النفط والغاز، هؤلاء سيبيضون الأموال المنهوبة، وسيتحولون الى شريحة مافياوية ريعية أي "رجال أعمال جدد" ويمكن أن يكونوا جزءاً من هيئة الحكم المقبلة! من يعلم؟!.

وفي نهاية المطاف، انتهت الحرب الاهلية اللبنانية، ووضع حداً للنزاع الدموي، وكان اتفاق الطائف، الذي رعته المملكة السعودية والنظام السوري، فهل ينتظر سوريا طائفاً لبنانياً؟!

لن تكون التسوية الطائفية، وبعد عمليات "الترحيل الطائفي" وفي أسوأ الحالات إلا استمراراً للحرب الأهلية، وتأبيداً لهذا الواقع الجديد. والسؤال الذي يطرح نفسه: هل سيكون لكل طائفة، كانتوناً ضمن الدولة الواحدة؟! يوفق بين دولة مركزية وتعدد الكانتونات؟!

وأما تهجير شعب الثورة أو"البؤر الثورية"، لا يعني، وفي هذا السياق إلا تفتيتاً للحركة الشعبية وزيادة في تشرذمها ليسهل السيطرة عليها فيما بعد، وبذلك تنغلق السيرورة الثورية على أولى مراحلها وحلقاتها.

نحن إذاً أمام خيارين، إما تأبيد هذا الواقع أو تغييره، وشرط التغيير، أن تتشكل قيادة ثورية وطنية تقدمية للسيرورة الثورية المتعثرة، سيما وأن الطاقة الكامنة للاحتجاج الشعبي التي أطلقتها الانتفاضة ضد النظام، لا تزال موجودة على الرغم من التدخل الامبريالي في النزاع. وهنا يكمن التحدي، تحدي بناء أحزاب ثورية، تضع في سلم أولوياتها مهام التحرر الوطني ومهام تحقيق أهداف الانتفاضة الشعبية؛ إذ لا فصل بين الوطني والاجتماعي، لأن بقاء الاحتلالات سيزيد من نفوذ وتمدد الحركات الأصولية. ويمكن في المقابل التعويل على القضية الاقتصادية- الاجتماعية وهي شروط موضوعية، من شأنها أن تقلب موازين القوى لصالح الفئات المهمشة، وحتى لو التفت حول الحركات الأصولية لأن هذه الأخيرة ليس لديها ما تقدمه على هذا الصعيد للفئات الشعبية. خاصة وأن حنة أرندت تقول بإنه يمكن أن يكون هناك فترات ثورية في أوقات الانهيار الاجتماعية.

التحدي الحقيقي، كما أسلفت، أن تبرز قيادات شبابية-شعبية تجسد التطلعات التقدمية للشعب، تتمكن من الانتصار. بهذه الشروط، يمكن أن تشق السيرورة الثورية طريقها، على مسافة متساوية من النظام والقوى الرجعية وستكون بداية لتأسيس تنظيمات يسارية ثورية قاعدية وجذرية، مطابقة للواقع ولشروطه الموضوعية معبرة عن مصالح الفئات الشعبية المسحوقة. أي تغيير لا يمس النمط الاقتصادي الريعي للنظام، كفيل بأن يبقي شرارة الثورة مستمرة لأنها ثورة اجتماعية وإن ظهرت بمظهر سياسي. لا بديل عن التنظيم، بعدما طغت العفوية والتجريبية على العمل السياسي. تجريبية كانت من أكثر الأمراض فتكاً بالعمل النضالي، وهي كناية، عن إقامة العمل السياسي عبر التحرر من أي قيد نظري أو فكري. ولا بد من التفكير بوضع استراتيجية جديدة ورؤى جديدة ضمن الامكانات المتاحة.

بناء يسار ثوري-كفاحي-مستقل ينتصر لقيم الحرية والعدالة الاجتماعية والتحرر الوطني والعلمانية، بات أكثر من ضروري من أجل المرحلة المقبلة. يسار ينبثق من قلب النضالات العمالية-الشعبية. يسار كهذا لا يمكن أن يدخل في تحالفات، مع قوى رجعية. وهو على الضد من الأنظمة القديمة ومن الأصوليات. وهو على الضد من اليسار الذي هادن قوى الأمر الواقع، وأسقط من قاموسه مفاهيم الطبقات والصراع الطبقي واستبدلها بمفاهيم المواطنة والدولة الحديثة والمجتمع المدني فأصبحت الطبقة الوسطى، الحامل الاجتماعي للمشروع الوطني بدلاً من الطبقات الشعبية وطاقتها الثورية الكامنة.