جذور الطائفية في الشرق الأوسط

نشر في‫:‬الاربعاء, نيسان 19, 2017 - 21:28
الرسم للفنان علاء أبو شاهين | الفن والحرية
الكاتب/ة: عمر حسن.
ترجمه‫/‬ته الى العربية‫:‬ ريان شبقلو      
المصدر‫:‬      

يستحيل العثور على تقرير إخباري أعدّته وسيلة إعلامية مهيمنة يتناول موضوع الشرق الأوسط من دون أن يشير الى أديان المعنيين. فالسنّة يكرهون الشيعة، والشيعة يكرهون السنّة، والمسلمون يكرهون المسيحيين، والعرب جميعاً يمقتون اليهود دون أي مبرّر عقلاني. يُقال لنا إن هذا ما يسبب الحروب المستمرة في المنطقة، فهذه النزاعات الهمجية تمتدّ جذورها في الخلافات العقائدية التي تعود الى آلاف السنين. 

إلّا  أن ذلك غير صحيح.

صحيح أنه لطالما وُجدت الآراء الدينية المتنوّعة في الشرق الأوسط، فضلا عن النزاعات العَرَضيّة بين أطراف مختلفة. مع ذلك، من الضروري أن ندرك أن الطابع الممأسس والمسلّح للطائفية في الشرق الأوسط هو ظاهرة حديثة. فالطائفية، في أساسها، هي نتيجة العلاقات الاجتماعية الرأسمالية، وليست إحدى بقايا الإقطاعية.

الاستعمار

خلال القسم الأكبر من العصور الوسطى، كان الشرق الأوسط منطقة مزدهرة ورائدة في مجال العلوم والفنون والثقافة والفلسفة والتجارة. إنها لسخرية تاريخية القول إن الاقطاعية في هذه المنطقة دامت وقتاً أطول لأنها أكثر تعقيداً وتطوّراً من الإقطاعية الأوروبية. فقد تركت بشكلها ذلك مساحة ضيقة جداً لطبقة التجّار لتعارض النظام القديم. 

مع هذا الازدهار، احتلّت الامبراطوريات الاسلامية المتعددة جزءاً كبيراً من الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وامتدّ حكمها حتّى جنوب أوروبا وآسيا الوسطى. اضطرّت هذه الامبراطورية المتعددة الثقافات ألّا  تصر على توحيد الأديان أو الثقافات، وذلك بالرغم من الامتيازات التي غالباً ما كان يحصل عليها المنتسبون الجدد إلى الديانة المهيمنة.

مع نشأة الرأسمالية في أوروبا الغربية في القرنين 17 و18، ركّزت الطبقات الحاكمة الأوروبية اهتمامها على توسيع نطاق نشاطاتها الاستغلالية والمربحة. في هذا الحين، كانت الدولة العثمانية في مرحلة انحطاط مستمر، مشكلةً عقبة أمام أهداف الطبقات الحاكمة الأوروبية.

تمسّكت فرنسا وبريطانيا بالأقليات الدينية في لبنان منذ منتصف القرن 19، وذلك بحثاً عن قاعدة تنطلق منها لتوسيع نفوذهما في الشرق الأوسط.

لكنّ تقسيم المجتمع بهذا الشكل لم يكن أمراً سهلاً. ففي أربعينيات القرن 19، كتب أحد المبشّرين الفرنسيين رسالة عبّر فيها عن يأسه حيال العلاقات الودّية بين مسلمي صيدا ومسيحيّيها:

"نأسف لوجود نوع من العيش المشترك بين مسيحيي ومسلمي صيدا، فهم غالباً ما يزورون بعضهم البعض، الأمر الذي يجعل من علاقاتهم وثيقة، ويخلق تدريجياً مجموعة أفكار وعادات أتت على حساب المسيحيين. يشارك المسيحيون المسلمين في أعيادهم المهمّة، والمسلمون المسيحيين في أعيادهم كذلك. قد تبدو هذه النشاطات وكأنها آداب حسنة، لكنّها في الواقع تضعف مشاعر الانتماء الديني".

أمضى الفرنسيون السنوات الخمسين التالية يحاولون محو هذا التراث، فشرعوا في فصل مجتمعات متنوعة عن بعضها جغرافياً، وهذه خطوة غير مسبوقة. ففرضوا هذا الفصل خلافاً لرأي القادة المحلّيين والممثلين العثمانيين، وبذلك خلقوا علاقات طائفية من السيطرة والنزاع، التي تجذّرت في بنى لبنان الاجتماعية والسياسية. 

جرت عمليات مماثلة لكن غير مطابقة في سوريا والعراق وفلسطين وغيرها. نتجت من هذه التدخّلات الامبريالية توترات اجتماعية لا مفرّ منها بعد أن اكتسبت الصراعات المُنتظَرة على الموارد والسلطة طابعاً دينياً. 

نتج ذلك بشكل جزئي عن اعتقادات الارساليين والمبعوثين الخاطئة. فبحسب أسامة مقدسي، استخفّ الغربيّون بأهمية الهويات الطائفية والجماعية عند وفودهم الى المنطقة. عندما حصّلوا هذه "المعرفة" الاستعمارية، أسقطوها على المجتمع المحلّي فتدخّلوا فيه بطرق خلقت التوترات الطائفية وضاعفتها. 

أما الجزء الآخر فيدعو للتشاؤم. تعلمت كلّ طبقة حاكمة بالفطرة أنّ إدارة الجمهور الموحّد أصعب من إدارة جمهور مجزّأ. وكان من مصلحة المستعمرين الأوروبيين أن يعملوا على تجزئة الدولة العثمانية بهدف الحصول على مستعمرات جديدة وتوسيع مناطق نفوذهم.

الحرب على العراق

يشكّل غزو العراق عام 2003 مثلاً حديثاً عن هذه العملية التدميرية. فقوّات الولايات المتحدة وبريطانيا وأستراليا وضعت تصوّراً طائفياً للمجتمع العراقي، وأعطت الأولوية للمعارضة الكوردية ضد صدام في البدء، ثمّ قوّت معارضي نظام البعث الطائفيين ومكّنتهم. 

بدأت المقاومة الموحّدة بالتشكل عام 2004 ضدّ الغزو الأميركي، لذا أجّج رئيس الولايات المتحدة جورج بوش وفريقه التوترات الطائفية، وذلك بشكل واعٍ. تضمّن هذا التأجيج منح مناصب السلطة للميليشيات الشيعية الأشدّ طائفيّة في البلاد في مقابل الحصول على مساعدتهم في سحق المتمرّدين السنّة. أقامت الولايات المتحدة كذلك جدراناً بين المناطق التي حُدّدت، بشكلٍ خاطئ، على أنها مناطق للسنة أو الشيعة. 

بشكلٍ عام، وظّفت الولايات المتحدة وحلفاؤها العنف الطائفي الأكثر بربريّةً في المنطقة وأيّدته. في هذا الإطار، قد ننظر إلى طائفية وعنف التنظيمات الميليشياوية السنية والشيعية وكأنها جزء طبيعي من الحياة السياسية. لكنّ الغزو الأميركي، إلى جانب قمع الأسد للثورة السورية، هما من الأسباب الرئيسية وراء صعود داعش والتنظيمات المشابهة الأخرى. 

طائفيّون أصليّون

لا تنتهي الأمثلة عن استراتيجية فرّق تسُد الامبريالية. لكنّه من الخطأ أن نختزل الطائفية بمجرّد تلاعب القوى الخارجية. فقد رأت النخب المحلّية الفوائد المحتملة في حال التزمَتْ بالقواعد الجديدة التي وضعتها القوى الغربية. 

في هذه المنطقة الغنية بالنفط، والتي تسعى فيها كلّ القوى الامبريالية إلى توسيع نفوذها، يسهل على القادة الوصول الى السلطة والثروة إذا نجحوا في تحريك مجتمعاتهم وضبطها. وقد استغلّوا هذا الأمر، حتماً.

لم يشعر القادة الموارنة في لبنان بالخزي لتعاونهم مع الفرنسيين في القرنين التاسع عشر والعشرين من أجل وضع بنىً طائفية ومناهضة للديمقراطية حافظت على حكمهم حتّى اتفاق الطائف، وقد تمّ ذلك رغماً عن الأكثرية غير المارونية. 

سُرّت النخب السنية الخاضعة لصدام حسين لتلقّيها الدعم الغربي فيما كانت تقمع الأكراد والأكثرية الشيعية في البلد. قام نظام حافظ الأسد العلويّ بالأمر عينه ضدّ الأكثرية السنية الفقيرة بسوريا، وذلك بدعمٍ من السوفيات. 

لقد تطوّرت الأوضاع مجدداً، بحيث أن قوىً "ما دون امبريالية" (مثل تركيا وإيران والسعودية) تطوّر شبكات النفوذ الخاصة بها، جاعلةً من المدارس والمؤسسات الدينية الطائفية نقطة انطلاق لبناها التنظيمية ولتبريراتها الأيديولوجية. 

الحدود 

بالرغم من أن هذه الشبكات الدينية تلعب دوراً مهماً في بعض أوجه السياسة الاقليمية، لا يلعب الإيمان ذاته سوى دوراً ثانوياً محفّزاً للأمور الحاصلة، فالتحالفات تنشأ وتتقوّض بحسب تغيّرات السياسة والسلطة.

فالمملكة العربية السعودية، مثلاً- وتفسيرها للإسلام الأكثر طائفية في الشرق الأوسط- هي أقرب متعاون مع اسرائيل في المنطقة. لا يبدو أن طبيعة إسرائيل "اليهودية" تشكّل أية مشكلة. إضافة الى ذلك، لطالما كانت علاقة العائلة الملكية السعودية بالنظام المصري "العلماني" بشكل عام وثيقة جداً.

أما على الجانب الآخر من الانقسام الاقليمي، فكانت إيران الشيعية تؤيد حماس، وهو حزب فلسطيني سنّي، ثمّ كفّت عن ذلك مؤخراً. اصطدم الطرفان ليس بسبب الاعتقادات الدينية، بل جرّاء موقف كلٍّ منهما حيال الثورة السورية.

عندما ننظر إلى المذهب العلوي تظهر قلّة الجدية التي يتم بها تناول المعتقدات الدينية: فلم يتمّ إعلانها جزءاً من المذهب الشيعي حتّى 1974. لم يحصل ذلك على أسس دينية، بل من أجل إفساح الطريق أمام تحالف بين حركة أمل الشيعية في لبنان والنظام السوري في الفترة التي مهّدت للحرب الأهلية اللبنانية. صبّ هذا التفسير الجديد في مصلحة قادة الجمهورية الاسلامية الإيرانية الذين استفادوا من التحالف مع سوريا حافظ الأسد. 

الدعاية

إن تفسيرات السياسة في الشرق الأوسط التي تستند الى ادعاءات بنزاعات وطائفية قديمة ليست قائمة على أية أسس مبرهنة، بل على افتراضات جوهرية واستشراقية. تعتبر هذه الافتراضات أن الشرق الأوسط مختلف عن غيره من المناطق، وأنه بطبيعته عرضة للعنف الديني والقبليّ. لهذه النظرة عواقب شديدة، ويستفيد منها الامبرياليوّن في تبرير تدخّلهم في المنطقة. إذا لم يستطِع السكان المحلّيون أن يتعايشوا بسلام، قد تصلح بضعة دبابات أجنبية الأمور.

على اليسار أن يرفض هذه التبريرات العنصرية والامبريالية التي لا تفيد سوى النخبة.  

--

نشر المقال باللغة الانكليزية على موقع الراية الحمراء الالكتروني بتاريخ 27 كانون الثاني/يناير عام 2017