‫العنصرية والقمع والمقاومة في فرنسا‬

نشر في‫:‬الاربعاء, نيسان 12, 2017 - 14:20
غلاف مجلة CQFD لشهر نيسان/ابريل 2017
الكاتب/ة: جاد بوهارون.

تظاهر أكثر من 10 آلاف شخص في العاصمة الفرنسية باريس يوم 19 آذار/مارس الماضي في "مسيرة العدالة والكرامة". دعت إلى المظاهرة، المناهضة للقمع والعنصرية، عائلات ضحايا جرائم الشرطة الفرنسية وشاركت فيها نقابات عمالية، ومنظمات حماية العمال الأجانب وأحزاب يسارية. ‬

‫كما جاءت هذه المسيرة بعد أسابيع من المظاهرات والاعتصامات الغاضبة في باريس وضواحيها بعد التعدي على الشاب "تيو لوهاكا" واغتصابه من قبل الشرطة الفرنسية. وقبل أشهر كان حراكٌ آخر يطالب بالحقيقة والعدالة للشاب "أداما تراوري" الذي قتل على يد الشرطة نفسها في تموز/يوليو 2016 في ضواحي باريس. ‬

‫إن التحركات الجماهيرية تدل على أن حالتي الشابين، تيو وأداما، ليستا حالتين منفردتين ومنعزلتين إنما تندرجان ضمن تاريخ طويل من قمع وجرائم الشرطة التي تطال بشكل خاص الشبان من أصول أفريقية وعربية وسكان ضواحي المدن الكبرى. وهذا القمع الخاص من الشرطة ليس إلّا  الجانب العنيف من التمييز البنيوي الذي تمارسه الطبقة الحاكمة الفرنسية ودولتها ضد السكان من الأصول العربية والإفريقية؛ فمعظمهم/هن يسكن في ضواحي باريس والمدن الكبرى حيث نسبة البطالة المرتفعة وسط غياب شبه تام للخدمات العامة وأجهزة الدولة ما عدا الشرطة العنصرية المسعورة. ‬

‫تاريخ من الاستغلال والتهميش

‫من أجل فهم أصول هذا التمييز الاقتصادي والاجتماعي والجغرافي، علينا وضعه في سياقه التاريخي وهو سياق تطور الرأسمالية الفرنسية. في القرن التاسع عشر تم ترميم باريس من خلال أشغال عملاقة بهدف تحديث وسط المدينة وتحويله إلى مركز ملائم للنمو الرأسمالي. من خلال هذه الأشغال تم تدمير الأحياء العمالية ونقلها مع المصانع إلى عشوائيات الضواحي، بهدف "تجميل" وسط المدينة وإبعاد العمال/ات الراديكاليين/ات عنه الذين/اللواتي كانوا/ن قد احتلّوا المدينة في ثورات 1830 و1848 ولاحقاً في "كومونة باريس" سنة 1871. ‬

‫جرى تعميم نموذج التخطيط المُدني هذا إلى باقي المدن الكبرى في بداية القرن العشرين. عند سكوت مَدافع الحرب العالمية الثانية، عاشت فرنسا كما باقي الدول الرأسمالية المتقدمة نموا اقتصاديا غير مسبوق استلزم يد عاملة بأعداد كبيرة، فتم تشجيع الهجرة من المستعمرات الفرنسية (آنذاك) في أفريقيا (الجزائر، المغرب، تونس، مالي، السنغال، الخ...) من أجل تغذية عجلة الإنتاج. فهاجر ملايين العمال والعاملات من هذه البلاد الى فرنسا فأسكنوا في أحياء عمالية هائلة تكاد تكون غير مؤهلة في ضواحي باريس والمدن الكبرى. ‬

‫إلّا  أن فترة النمو الرأسمالي بدأت تتعثر في السبعينات والثمانينات، فأقفلت المصانع ابوابها وسرّح مئات آلاف العمال/ات، وخصوصا العمال/ات غير المؤهلين/ات الذين كانوا يشكلون غالبية المهاجرين/ات من الأصول العربية والافريقية. بعدها بدأت "الإصلاحات" النيوليبرالية وأهمها تقليص الخدمات العامة التي، وكما الركود الإقتصادي، طالت الضواحي العمالية المهاجرة بشكل خاص وأكثر قسوة. ‬

‫لكن تراجع الواجهة الخدماتية للدولة لم يعنِ انسحاب الدولة ككل من الضواحي؛ على العكس، إن فترة الركود وإلى يومنا هذا تخللتها تقوية الأجهزة القمعية في الضواحي، وتطوير وحدات وتقنيات خاصة من أجل "ضبط الأمن" في هذه المناطق، كما جرى تطوير تقنيات خاصة للقمع في المستعمرات الفرنسية، أو الأحياء ذات الغالبية السوداء في الولايات المتحدة وغيرها التي يسميها الحكام "المناطق الحساسة"؛ والهدف المستور كان وما يزال نشر الرعب والذل ومنع الانتفاضات الشعبية ضد الافقار وقمعها عندما تحصل.   ‬

‫إذاً حوصر سكان الضواحي في دوامة من البطالة وسياسات الإفقار وغياب الخدمات العامة –من النقل الى التعليم مرورا بالصحة− والعزل الجغرافي النسبي عن وسط المدينة، كل هذا تحت ضربات وبطش الشرطة. هكذا أصبحت الضواحي الفرنسية، منذ ثمانينات القرن الماضي وإلى وقتنا الحاضر، حقل اختبار عملاق للنمط النيوليبرالي المتشدد الذي نراه ينتشر في كل أرجاء العالم. ‬

‫هذه السياسة المتعمدة تجاه الضواحي كانت وما زالت جزءا لا يتجزأ من سياسات الطبقة الحاكمة الفرنسية، التي لجأت إلى العنصرية لتبريرها وتغطيتها. كل أحزاب السلطة، من اليمين إلى اليسار، وبمساندة وسائل الإعلام وشريحة كبيرة من "المثقفين/ات"، قامت ولعقود بإعادة استنباط عنصرية الاستعمار وتقاليده "الراقية" لتحويلها ضد سكان الضواحي؛ هكذا أصبح سبب البطالة المنتشرة ليس فشل الرأسمالية إنما "كسل العرب والسود"، وسبب الانتفاضات المتتالية ليس بطش الشرطة بل "همجية الزعران غير الحضاريين"، والتهميش الإجتماعي والعنصري صار سببه "الدين الإسلامي الذي يمنع الاندماج في المجتمع الفرنسي".‬

‫إلا ان الضواحي تتباها بتاريخ عريق من مقاومة سياسات السلطة وعنصريتها؛ فالعمال الأجانب والمهاجرون نظموا اضرابات ضد موجة الجرائم العنصرية في السبعينيات، كما انتفضت ضاحية مدينة ليون في مواجهات مع الشرطة سنة 1983، بني على أساسها أول حراك وطني مناهض للعنصرية في تاريخ فرنسا، "المسيرة من أجل المساواة ضد العنصرية". هذه الفترة تخللتها إضرابات عمالية، ولا سيما في مصانع السيارات في ضواحي باريس؛ اتهم رئيس الوزراء ووزيرا العمل والداخلية آنذاك "الأصوليين الإسلاميين" بتحريك الإضرابات، وطالبوا العمال/ات (وكانت غالبيتهم من المهاجرين/ات) بوقف الإضراب لأنهم "كضيوف في فرنسا لا يحق لهم تخريب عجلة الإنتاج". والجدير بالذكر أن هذه الحكومة، الرائدة في استعمال الإسلاموفوبيا من أجل حماية المصالح الرأسمالية، كانت تنتمي إلى "الحزب الإشتراكي"! ‬

‫استمرت المقاومة في الضواحي حتى يومنا هذا، من محاولات تنظيم الصفوف من قبل المناضلين/ات الى الانتفاضات والمواجهات المفتوحة مع الشرطة كما حصل في عام 2005. لكن المناضلين/ات واجهوا صعوبات (غير بطش الشرطة طبعاً): ‬

‫من جهة، لم تيأس الأحزاب اليسارية "المعتدلة" مثل الحزب الإشتراكي في محاولاتها للاستيلاء على التحركات المقاومة وتطهيرها من أي محتوى سياسي أو اجتماعي أو طبقي، بهدف تحويل مناهضة العنصرية ألى مسألة أخلاقية لا يمكنها أن تشكل أي خطر على السلطة. استعانت لذلك بالبيروقراطيات النقابية وما يسمّى بـ"المجتمع المدني"، من منظمات غير حكومية و"مشاهير" سود وعرب لا علاقة لهم بالضواحي كي يلعبوا دور الوسيط في "الحوار" مع الشرطة.  ‬

‫من جهة ثانية، لم يأخذ اليسار الثوري العنصرية على محمل الجد، وغالباً ما تجاهل نضالات الضواحي. فاليسار الثوري رأى أن مناهضة العنصرية هي مسألة ثانوية في مشروع الصراع الطبقي، متجاهلاً دور العنصرية في تقسيم الطبقة العاملة وترسيخ الإستغلال الرأسمالي والهيمنة الفكرية للطبقة الحاكمة. حتى أنه في عام 2004 ساند معظم أحزاب اليسار الثوري أو سكت عن القانون الإسلاموفوبي الذي منع الفتيات المحجبات من الحضور في المدارس العامة!‬

‫لهذه الأسباب ظلّ النضال المنظّم ضد العنصرية وعلى مدى سنين محصوراً بمجموعات محلّية أو منظمات حقوقية او هبّات جماهيرية محدودة المدة، لم يتمكن اليسار الثوري من لعب دورٍ بارز فيها ناهيك عن قيادتها وإعطائها آفاق سياسية راديكالية؛ هذا بدوره يفسر فشل اليسار الثوري على مدى عقود في بناء أي قاعدة تذكر في الضواحي المهمشة.‬

‫تحولات وبوادر التقارب‬

‫غير أن تطورات المرحلة الاخيرة فتحت مساحة للتقارب والالتقاء حول محاربة قمع الدولة؛ فالأخيرة استفادت من قانون الطوارىء (الذي فرضته حكومة مانويل فالس بعد الهجمات الإرهابية في تشرين الثاني/نوفمبر 2015) لتصعيد القمع الأمني ضد كل من سكان الضواحي الشعبية– وخصوصاً المسلمين/ات– والمناضلين/ات اليساريين/ات والنقابيين/ات. في خطوة مهمة، رفضت آنذاك المنظمات اليسارية الراديكالية حظر التظاهر الذي فرض مع حالة الطوارىء ونظمت اعتصامات ضده، فاتحة المجال أمام حراك مناهضة قانون العمل الجديد في ربيع سنة 2016. ‬

‫الحراك هذا جمع المناضلون/ات اليساريون/ات والنقابيون/ات في مواجهة قمع شرطة يعد الأعنف منذ عقود. فاضطر مناضلو/ات الحراك أن يرتجلوا/ن تكتيكات حرب شوارع لمواجهة الشرطة وفرض توازن قوى، بمساعدة شبان الضواحي. ‬

‫بعد أشهر على ذلك، رد مناضلو/ات اليسار عبر المشاركة في مظاهرات التضامن مع عائلة أداما تراوري –المذكور أعلاه− في صيف 2016 وتيو لوهاكا في الأشهر الأولى من 2017. هذه المظاهرات تخللها المزيد من المواجهات مع الشرطة، في استمرار لدوامة القمع ومواجهته في الشارع.‬

‫التقارب هذا وُلد ويتطور تحت ضربات الشرطة وردا عليها. كما يؤكد الماركسي الفرنسي هوغو باليتا، أصبح من الواضح أن الحكومة الفرنسية استفادت من الهجمات الإرهابية الأخيرة لفرض قانون الطوارئ (الذي تم تمديده عدة مرات منذ تبنيه في تشرين الثاني/نوفمبر 2015) من أجل تغطية تفاقم القمع ضد الأقليات – المسلمين/ات، الروما، اللاجئين/ات الخ− وضد جميع أشكال الاحتجاج، من مناضلي/ات اليسار إلى المناضلين/ات البيئين/ات، من دون أن ننسى المناضلين/ات النقابيين/ات وسكان الضواحي. ‬‬

‫تفاقم القمع، والذي تتوافق عليه الطبقة الحاكمة الفرنسية ككل، ليس مجرد صدفة ظرفية بل يعبر عن نزعة حقيقية تأتي في إطارٍ تاريخي مأزوم؛ فالرأسمالية الفرنسية ما زالت تعاني من خمود طويل الأمد وربحية ضئيلة وكلفة عمل هي من الأعلى في أوروبا. لهذا هناك مصلحة، بل حاجة ماسة لدى الرأسماليين الفرنسيين– والدولة الفرنسية− لتخفيض تكلفة العمل من خلال "الإصلاحات" النيوليبرالية التي تأتي على حساب العمال والطبقات الفقيرة والمتوسطة كما رأينا اعلاه. في العقود الأخيرة، تمكنت الطبقة العاملة الفرنسية من خلال تنظيماتها النقابية وإضراباتها أن تقاوم كبرى الهجمات النيوليبرالية، مجبرة الدولة على التراجع عن بعض الاصلاحات وتحويل البعض الآخر إلى "الحلقة الاضعف" في الطبقات الشعبية، مثل الضواحي المهمشة التي تكبدت تقليص الخدمات الاجتماعية. ‬

‫غير أن الازمة الاقتصادية العالمية المستمرة من العام 2008 تعني أن الاصلاحات أصبحت مسألة طارئة بالنسبة للرأسماليين الفرنسيين، الذين يمارسون شتى الضغوطات على المرشحين/ات على الانتخابات الرئاسية. ‬

‫نحو أزمة سياسية عميقة‬

‫تعي الطبقة الحاكمة الفرنسية تماما أنها ستحتاج إلى المزيد من القمع واستنباط العنصرية من أجل كسر أي مقاومة عمالية وشعبية للإصلاحات التي تنوي فرضها؛ غير أن الاحتجاجات بدأت تنتشر بين شباب الطبقة الوسطى، كما شهدنا في حراك "نوي ديبو" (Nuit Debout) الذي احتل الساحات في ربيع عام 2016، باعتصامات ونقاشاته المفتوحة والتي أظهرت أن شرائح واسعة من شباب الطبقات المتوسطة تنتقد الرأسمالية والعنصرية ودور الدولة، متجاهلة نداءات القادة السياسيين اليمينيين واليساريين الذين دعوا الى "رص الصف الوطني"، أي دعم قمع الدولة. من جهة أخرى، يتفاقم دعم حزب "الجبهة الوطنية" الفاشي الذي يستعين بوصفات اليمين الشعبوي المتطرف لتحويل مخاوف الناس من الافقار والبطالة نحو كراهية عنصرية ضد الأجانب والفرنسيين/ات من أصل أجنبي، وخصوصاً المسلمين/ات. ‬

‫وتدل عوارض أزمة في هيمنة الطبقة الحاكمة الفرنسية، على أن المرحلة الآتية ستكون مأزومة، ومليئة بالمخاطر ولكنها ستتيح الفرص لليسار الثوري، عليه أن يستفيد منها. ويبقى السؤال اذا، كيف يمكن لليسار أن يرسخ التقارب الذي حصل بينه وبين سكان الضواحي خلال السنتين الأخيرتين؟ كيف يمكن لهذا اليسار ان يتدخل بفعالية في الانتفاضات العديدة، حاملاً مشروعه الثوري المناهض للرأسمالية؟ ‬

البعض في اليسار الثوري لا يزال يجادل بأن على اليسار أن يناهض "الميول الدينية" (اي الإيمان الإسلامي) التي تشكل حاجزاً أمام "الإنضمام الى الصراع الطبقي". هذا الموقف المخزي يساوي ما بين اسلاموفوبيا الدولة العنصرية والميول الدينية لبعض ضحايا هذه العنصرية، وكأنه يقول لسكان الضواحي "لو لم تكونوا/ن مسلمين/ات، لما كان هناك عنصرية!".  ‬

‫من حسن الحظ ان قيادة الحزب الجديد المناهض للرأسمالية تعترف بوجود الإسلاموفوبيا وبضرورة محاربتها. إلّا  أنها قررت وفي المرحلة الأخيرة تركيز مواردها الضئيلة على الحملة الإنتخابية بدلا من بناء وتنظيم تدخلها السياسي في التنظيمات المناهضة للعنصرية التي تنشأ في كل أرجاء البلاد. طبعا يشارك عدد من مناضلي/ات الحزب الجديد المناهض للرأسمالية في هذه التنظيمات المحلية، لكن بغياب شبه كامل للتنسيق السياسي على صعيد البلاد ككل. ‬

‫كما يُظهر المثال الفرنسي، وعلى عكس ما يدعيه الفكر الليبرالي/التنويري، العنصرية ليست مجرد تعبير عن جهلٍ فردي يُصحَح من خلال التثقيف، وليس كما يدعي الكثير على اليسار مجرّد أمر ثانوي يهدف الى تحويل الأنظار عن "الصراع الحقيقي" أي الصراع الطبقي. ‬

‫العنصرية أكثر من ذلك بكثير: إنها تلعب دورا أساسيا في تغطية الواقع الاجتماعي، وترسخ الاستغلال الرأسمالي وتقسم الطبقة العاملة والفقراء عموماً. بمعنى آخر، إن العنصرية هي من ركائز الهيمنة الفكرية والسياسية للطبقة الحاكمة الرأسمالية؛ هذا يجعل من العنصرية إحدى جبهات الصراع الطبقي، على اليسار الثوري النضال عليها، ومن دون تفاخر أو استبدالية، وأن ينشر الوعي الثوري فيها.‬