المضامين الجذرية لمسيرة 11 آذار النسائية

نشر في‫:‬الجمعة, اذار 10, 2017 - 13:09
الكاتب/ة: فرح قبيسي.

"قضايانا متعددة، نضالنا واحد" هو الشعار الذي اتخذته مسيرة يوم النساء العالمي في بيروت هذا العام. سنسير معاً ولن نقع في فخ الأولويات. فلا قضية أَولى من أخرى في معركة تحررنا كنساء. فخطاب الأولويات هذا الذي ساد طويلاً، هدف إلى إسكاتنا وأدى الى تهميش قضايانا جميعها أو أغلبها. في ظل تراكم المظالم الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وتكاثفها، ستكون كل قضايانا غدا أولوية الأولويات. 

سنسير معاً لكي لا نقع في فخ المساومة مع الدولة بأن تمنّ علينا بحق من هنا وبحق من هنالك. ولن نطالبها بتمثيل سياسي أصدق. فقد تعلّمنا ولا نزال يوميا نتعلم من خيباتنا المتراكمة من تجاربنا مع النفاق الرسمي الممأسس. فلا القانون وحده سيغيّر من واقع حالنا ولا إدخال بعضنا في مؤسسات الدولة السلطوية البطريركية سيكون العصا السحرية لإنهاء قهرنا التاريخي كنساء، ما لم نعمل على تغيير هذه المؤسسات، لا مجرد تغيير الوجوه فيها، أي بنيتها، طرق انتظامها، ثقافتها وآليات عملها.  

بشكل شديد الرمزية، تعطي المسيرة ظهرها لمؤسسات الدولة وتذهب بالإتجاه المعاكس الذي يودي عادة الى ثكنة ساحة النجمة والسرايا الحكومية. سنمر أوّلا بأحياء مأهولة، لنسمع صوتنا ونخاطب النساء في المنازل، لبنانيات وغير لبنانيات، اللواتي لألف سبب وسبب قد لا يردن أو لا يستطعن المسير معنا؛ لنقصد مكاناً عاماً متنازعاً عليه، لتأكيد حق الناس في المدينة في وجه الرأسمال الزاحف الذي لن يترك حفنة رمل أو نسمة هواء تدر عليه بعض الأرباح ليسطو عليها ويخنقنا. ولنؤكد حقنا خاصة بحيّز عام آمن من التعقّب والتضييق والملاحقة والتحرّش والاغتصاب. 

هذه كلها دلالات عن مضامين رمزية لطابع مختلف لهذه المسيرة. فهي كما أراها، تعبير عن تصاعد لنضال نسوي، آخذ في التبلور منذ سنوات، يناضل من أجل أجندة سياسة تمثل مصالح الغالبية العظمى من النساء الأكثر تهميشاً من النظام الطبقي والأبوي القائم؛ نضال نسوي، قد يتعثّر، إلاّ إنني أرى فيه الصدق على الأقل في محاولة تظهير الروابط بين اشكال الإضطهاد المختلفة من استغلال اقتصادي وتمييز عنصري وجندري وجنسي. نسويّة تراها في شتى المعارك الاجتماعية ذات البعد التحرري والتقدمي في هذه البلاد. نسويّة تتحدى القومية، وتحاول تظهير التشابك بين مصالح النساء من كل الجنسيات، من لبنانيات وفلسطينيات وسوريات ومهاجرات في لبنان، ولا تستثني النساء أصحاب الحاجات الخاصة، وتسعى لبناء وتمتين أواصل تضامن حقيقي بينهن. 

نسوية معنيّة بتناول قضية تحرر النساء في سياق تغييب العدالة الاجتماعية، وتصاعد العنصرية والطائفية، واستمرار الاحتلال وانتصار الثورة المضادة وعودة العسكرة. أرى أن الاطار التقاطعي هذا، لا ينفك يغني أجندة هذه الحركة السياسية الصاعدة ويعمّق من نقاشاتها؛ فلم يعد خافياً على العيان أن هناك جيلاً جديداً من النساء اللواتي ممن يقمن بلعب دور متزايد الأهمية في تنشيط النضال التحرري في لبنان. 

غدا سنكون كثيرات لنسير معا، نساء وحلفاء، ولنملأ الدنيا حماساً وأملاً، ونخطو خطوة أخرى في مسار بلورة حركة رافضة للثنائيات البليدة الثقيلة، بل تحتفي صراحة بالتعبيرات الجنسانية والجندرية المتنوعة ولا تهادن أو تساير ما فرض علينا منها. 

مسيرتنا في الغد تستنهض روابطا تم نسجها عبر السنوات عن طريق منظمات وحملات ومعارك على الكثير من الجبهات، ترسي شبكات جديدة مع نساء جدد. وهي علاقات لا بد أن تساهم في القادم من الأيام والسنوات في بناء حركة نسوية واسعة متضامنة وقوية وممثلة لمصالح الأغلبية من النساء خاصة لمن هن أكثرنا تهميشا. 

سنسير معاً ونتوجّه أوّلا للنساء ونخاطبهن بضرورة بناء حركة قوية لإنتزاع تحررنا عنوة إن تطلّب الأمر، لتغيير منظومة أبوية كاملة مضطهِدة ومستغلّة راسخة ومترسّخة. سنسير معاً بالغد، ونحن نعلم بأن هذه المسيرة وإن كانت استكمالاً لمسارٍ تاريخي طويل من النضال، إلا أنها تحمل دلالات حول تحوّلات ذات مضامين أكثر جذرية للسياسة النسوية في لبنان.