دور النقابات في إعلاء مطالب النساء

نشر في‫:‬الأثنين, اذار 6, 2017 - 16:43
الملصق من إعداد المجموعة النسوية: seeredwomensworkshop.wordpress.com
الكاتب/ة: ميرا بوشموني.
ترجمه‫/‬ته الى العربية‫:‬ فرح قبيسي      
المصدر‫:‬      

لا نزال نعتبر كنساء في ظل الرأسمالية كجيش احتياطي للعمال وكمصدر للعمل البخس ونختبر بذلك استغلالا مضاعفا: أولا، كنساء وثانيا، كعاملات. ومهما بلغ عددنا في سوق العمل، لا نزال نعتبر كقوى عاملة احتياطية أي كبديل عن أصيل، يتم استدعاؤنا إلى العمل متى كان هنالك نقص في اليد العاملة ويتم سحبه منا متى انتهت الحاجة الينا. على الأقل، هذا ما يشهد عليه تاريخنا منذ مصانع الحرير الأولى في جبل لبنان. 

وبالرغم من جميع الخطابات الرسمية الرنانة حول "إدماج المرأة" و"المساواة"، نبقى كنساء الأكثر استغلالا ضمن الطبقة العاملة.

ففي سوق العمل يعتبر أجرنا متمم لأجر الزوج، حتى ولو كنا المعيلات الأساسيات لأسرنا. أحد الأمثلة اليومية هو، ببساطة، طلب سلفة على الأجر التي تمنح للرجل عادة دون مشكلة، يكون محط استهجان وتساؤل وسخرية متى طالبت به المرأة. فغالبا ما يُنظر إلينا كملحقات بأسرنا، لا كمستقلات، حتى داخل القطاعات التي نهيمن عليها عدديا، كقطاع التعليم مثلا. ويبقي المجتمع على سلطة القرار المطلقة للرجل داخل الأسرة، على الرغم من كل الانجازات التي حققناها على مدار سنوات من النضال على جبهات مختلفة من الأسرة إلى الاقتصاد والتعليم وصولا إلى المشاركة السياسية المباشرة.

ورغم مكر الدعاية الرسمية التي تحتفي بتقدم أوضاع المرأة، وكأن هذا التقدم هو منحة من الطبقة الحاكمة لا من صنع أيادينا، لا نزال نُعامل بوصفنا امتدادا "لولي أمرنا"، أي الرجل، في مكان العمل، مما ينعكس تمييزا في الأجور والعطل والتعويضات والتوظيف والترقي والضمانات الاجتماعية والصحية وغيرها. وذلك تعبير صريح عن اختلال التوازن في القوة في علاقات العمل بناء على الموقع والجنس، وبأن مكان العمل لا يزال حتى اليوم فضاء خاضعا للهيمنة الذكورية.

يقع على عاتق الغالبية العظمى منا التوفيق بين العمل المأجور والعمل غير المأجور داخل الأسرة. وأعتقد أن العنصرية والتمييز الجنسي يسيران يدا بيد من أجل منع الاعتراف بالعمل المنزلي اليوم كعمل قائم بنفسه، لأن ذلك سيكلف أصحاب العمل مبالغ طائلة، في الوقت الذي نقوم بإنجازه منذ نعومة أظافرنا بالمجان تحت ضغط إيديولوجي مفاده أن هذا واجبنا! 

يقوم العمل المنزلي على ظهورنا بشكل شبه مطلق، حتى متى كنا نعمل خارج المنزل. هو امتداد لأجسادنا، كما لو كان التنظيف والتنفس وظيفتين بيولوجيتين مماثلتين لدينا. 

لكن كأي شكل من أشكال العمل البدني، فإن العمل المنزلي منهك لأجسادنا ومرهق لأرواحنا. وبالنسبة لعاملات المنازل المهاجرات في لبنان فإنهن يؤدين هذا العمل دون انقطاع، دون عطل، دون بدل ساعات عمل إضافية، دون راحة ودون تقدير للعمل المنجز. أصواتهن تسكت واحتياجاتهن ومطالبهن لا تلق آذانا صاغية. 

بدأت العاملات المنزليات المهاجرات في لبنان بتنظيم أنفسهن في نقابة منذ سنتين، إلا أنها ووجهت بكل أشكال التنكيل وصولا إلى اعتقال سوجانا رنا وروزي ليمبو قيادتين في النقابة وترحيل سوجانا من قبل الأمن العام في إشارة صريحة إلى أن العمل النقابي ممنوع هنا للأجانب. كل ذلك حدث ويحدث تحت أعين ودون اعتراض الاتحادات العمالية والنقابات اللبنانية. 

وتماما كما يتم إسكات النساء عادة بمطالبتهن العودة إلى المطبخ، يتم اسكات العاملات المنزليات، لأنهن أجنبيات، ولأنهن نساء، ولأنهن يقمن بـ"عمل النساء"، ولأنهن أصحاب بشرة ملونةّ! هذا النظام عاجز عن فهم أنه يمكن للنساء أن يلعبن دور المعيل الرئيسي. كما أن العنصرية العالمية تعني أنه كلما كانت بشرتك أفتح، كلما زاد احترامك كانسانة وكعاملة وهذا يؤثر بشكل واضح على وضع عاملات المنازل المهاجرات هنا.  

لم تلعب النقابات في لبنان، حاليا وتاريخيا، دورا فعالا في النضال من أجل دعم مطالبنا. ومنذ وقت مبكر كان علينا التنظيم الذاتي خارج النقابات بسبب الهيمنة الذكورية داخلها. وهذا لم يكن بالأمر السيء طوال الوقت، بل مدنا بمساحة أوسع للنضال من أجل حقوقنا كنساء عاملات. 

يُنقل مثلا عن أحد القيادات النقابية في لبنان استهزاءه من فكرة أن يقوم بالجلوس على طاولة مفاوضات مع العاملة المنزلية التي يوظفها. كل ما يعني هذا البيروقراطي الوضيع أن يرضى عنه أسياده من أصحاب العمل. وآخر لا يقل عن الأول انحطاطا، يلوم النساء أنفسهن عن عزوفهن عن النشاط النقابي "على الرغم من فتحنا الباب لهن" كما يقول. هذا، يعكس العقلية العنصرية والذكورية المحافظة التي لا تزال تتحكم بالحياة النقابية إلى اليوم والتي لا بد أنها تضاعفت في سنوات ما بعد الحرب الأهلية. فقد هيمنت السياسسات النيوليبيرالية والطائفية التي تقوم على الأبوية والزبائنية على الصراع الطبقي وحوّلت النقابات نفسها إلى أطر طائفية، شديدة البيروقراطية، شبه فارغة من العضوية وشديدة الذكورية حيث تسود مصالح الرجال المقربين من أحزاب السلطة على مصالح الطبقة العاملة من الرجال والنساء معاً. 

كما أن الأجندة القومية والوطنية والذكورية للنقابات وقفت حائلاً دون التنظيم ضمن حركة مشتركة فيها مساحة للنساء للتنظم الذاتي. فيتم التقليل من قيمة مطالب العاملات الخاصة ولا تقوم النقابات بأي جهد إضافي لزيادة العضوية النسائية داخلها. فنادرا مثلا ما تتوجه بخطابها إلى النساء، ونادرا ما تُعقد الاجتماعات في أوقات تناسب النساء ونادرا ما تتبنى قضايا العنف والتمييز كقضايا نقابية وغالبا ما يحتل الرجال مساحات أوسع داخل الهيكيلية النقابية. ومع عمل النساء الثلاثي: دوام العمل الرسمي، العمل المنزلي ورعاية الأطفال داخل الأسرة، نجد أنفسنا أمام عراقيل إضافية تقف حائلا دون مشاركتنا النقابية وهو ما يتطلب من النقابات جهودا إضافية لتبديد هذه العقبات وتسهيل هذه المشاركة وهذا غير ممكن دون أن يكون هنالك نقابات جديدة ديمقراطية، مناضلة وذات تمثيل حقيقي للعمال والعاملات. 

لا شك أن السياسات النيوليبيرالية الحالية تؤدي إلى رفع القيود عن الرأسمال والسوق وبالتالي إلى تعميق استغلال الشرائح الأضعف من العاملين بسبب موقعهم الاجتماعي. هذا يعني أن المطالبة بتحديث القوانين غير كافية لوحدها، ولا بد من أي تغيير أعمق في السياسات والعلاقات الاجتماعية والاقتصادية الناتجة منها، أن يتطلب بادئ ذي بدء، تغييرا في المناخ المسيطر داخل التنظيم السياسي والنقابي.

يجب علينا تفكيك مفهوم الأسرة والنضال من أجل حقوق المرأة كفرد مستقل وكعاملة سواء في القطاع النظامي أو غير النظامي، في العمل المأجور أو غير المأجور، في المنزل أو خارج المنزل، وسواء كن لبنانيات أو غير لبنانيات. لا يمكننا اعتبار النقابات معفاة من هياكل السلطة القمعية، بل هي أسيرة بنية وذهنية، تعيد إنتاجها. أعتقد أنه، في ظل الواقع الراهن، أي  خطاب حول التضامن ضمن الطبقة العاملة، لا يلحظ كل ما تقدم، هو خطاب أجوف ولا يقصد به سوى الدعوة للتضامن بين الرجال، خاصة في حالة لم يع هؤلاء ضرورة مشاركتهم النساء خاصة أعباء المهام المنزلية.