من مكان العمل إلى خارجه: دعوة لإعادة التفكير بأشكال التنظيم العمالي

نشر في‫:‬الأثنين, اذار 6, 2017 - 14:56
العمل لـ lászló moholy-nagy
الكاتب/ة: نبيل عبدو.

شهد العالم في السنوات العشر الماضية، على الأقل، تراجعاً بالتحركات والاحتجاجات النقابية مقارنة بالاحتجاجات الشعبية والحركات الاجتماعية، خاصة في دول الجنوب النامية. أي أننا بتنا نلاحظ تراجعا في النضالات المبنيّة على مكان العمل والتي تتمحور حول قضايا العمال التقليدية كالأجور، في مقابل تصاعد النضالات المتعلقة بغلاء الأسعار، السكن، الفساد وغيرها.

إن هذه التغيّرات لها أسباب عديدة وأبرزها هيمنة النهج النيوليبرالي اقتصاديًا واجتماعيًا التي تمثّلت بشكل أساسي بخصخصة وتسليع الخدمات العامة، وبسطوة المؤسسات المالية على اقتصاديات الدول، وبتحوّل دور الدولة من راعية اجتماعية إلى ميسّرة وراعية لتراكم الأرباح والريوع. وارتكزت هذه السياسات على تغيير بنية العمل، وبالأخص تفكيكها. وتركّز ذلك على نهجين أساسيين: 

- أولاً، تفكيك العلاقات التعاقدية التقليدية القائمة على عقود ثابتة، الأمان الوظيفي والضمان الاجتماعي، واستبدالها بأشكال تعاقدية مبهمة، غالبًا ما تتحايل على أنظمة العمل القائمة وتضع العمال والعاملات في ظروف من الهشاشة والقلق الوظيفيين.

- ثانيًا، تقليص العمل بأجر وإيهام العمال/ات أنهم/ن أصحاب عمل عبر تفشي القروض الصغيرة وبالغة الصغر التي تحفّز العمل للحساب الخاص الذي يتسم بالهشاشة والبقائية (survivalist) ويتم تسويق ذلك على أنه السبيل الوحيد للهروب من البطالة. 

لا يشكّل لبنان استثناءً في هذا المجال. فقد شهد هذا الأخير ما يمكننا تسميته ترييعا لاقتصاد بعد الحرب، أي أن الثروة أصبحت تُنتج خارج دائرة الانتاج، تحديدًا في الاحتكارات، المعاملات المالية، المضاربات العقارية، الفساد واحتلال الحيّز العام. ورافق ذلك تفكيكا للقطاعات الاقتصادية المنتجة كالصناعة، على ضآلتها، واضمحلال المؤسسات الاقتصادية الكبرى وتفشي الخدمات المتدنية الانتاجية التي تعتمد على العمالة الهشة. وتحوّل مفهوم العمل من حق إلى منّة، ومن نشاط انتاجي إلى كلفة وجب تقليصها. وتُرجم ذلك بتفشي العمالة الهشة في القطاعين العام والخاص من أجل تخفيف الأكلاف على أصحاب العمل. فأصبح معظم العاملين/ات في القطاعين العام والخاص في دائرة الهشاشة والقلق. فشرذمة العمال/ات على أماكن عمل صغيرة (أكثر من 90% من المؤسسات تستخدم أقل من خمسة عمال/ات)، كما تعميق هشاشتهم/ن، وكسر الصيغ التعاقدية المعتمدة وزيادة التمييز بين العمال/ات وتخفيض أجورهم/ات الحقيقية، ما هو إلا عملية إضعاف وتدمير ممنهجة لقدرتهم/ن على الفعل الجماعي ومشاركتهم/ن في صياغة السياسات والقوانين. وكما أن إضعاف قوتهم/ن في أماكن العمل وتحويل العمل إلى منّة والعمال/ات إلى مقاولين/ات (contractors) (انتشار الوظائف "الاستشارية") وإيهام بعضهم/ن أنهم/ن أصحاب عمل (القروض الصغيرة)، ووضع العمال/ات بمواجهة بعضهم/ن (العمال/ات المهاجرين/ات والمحليين/ات)، واعتبار العمال/ات اللانظاميين/ات خزانا جاهزا للقضاء على العمل النظامي بشكل كامل، كان لكل ذلك وقعا مدوّيا على قدرة فعل العمال في أماكن العمل.

أمام هذا الواقع، لم تستطع القوى النقابية، الحيّة منها، ولا العمالية أن تؤقلم أدوات عملها وتحرّكاتها من أجل ملاءمة التغيّرات من أجل أن تكون ذات أثر. فلم تحقق أي من التحركات العمالية والنقابية التي شهدها لبنان في السنوات الأخيرة أي نتيجة. وعلى سبيل المثال، حتى لو حققت هيئة التنسيق النقابية هدفها بتصحيح أجور القطاع العام، فسيتم فقدان زيادة الأجر عبر ارتفاع الأسعار نتيجة الاحتكارات، أو بارتفاع الإيجارات نتيجة المضاربات العقارية. بالإضافة إلى ذلك، يخسر العمال/ات بشكل مطرد قوتهم/ن التفاوضية وإمكانية التحرك في أماكن العمل، نتيجة الأسباب أعلاه التي أتاحت أيضًا سهولة الصرف وإمكانية صاحب العمل في اتخاذ تدابير عقابية بحق العمال/ات المعترضين/ات. 

بالتالي، تتضاءل قوة العمال/ات البنيوية أي قدرتهم/ن على تعطيل عملية تراكم الأرباح، التي أصبح جزء كبير منها خارج أماكن العمل. كما أن دائرة الاستغلال توسعت بشكل كبير لتتخطى أماكن العمل حيث أنها تتظهّر بشكل كبير في أماكن السكن أو الاستهلاك وتتجسد بالإيجارات المرتفعة، كلفة المعيشة، الكلفة الصحية، كلفة التعليم وغيرها. لذلك وجب على العمال/ات والحركات السياسية اليسارية تغييّر طرق عملها، وتعديل فهمها للبيئة التي نعيش فيها لكي تنعكس تنظيميًا وخطابيًا.

ففي أساليب التنظيم، يجب الخروج من مكان العمل كموقع للاستقطاب والنشاط النقابي. يجب انتقال التنظيم إلى أماكن السكن، وتشكيل التنظيمات على هذا الأساس. تالياً، هنالك ضرورة لتخطي فكرة التنظيم على أساس المهنة أو مكان العمل الواحد. وهذا ما يساعد في تجاوز مشكلة التهديد الدائم للوظيفة في مكان العمل، كما يساهم أيضًا في بناء التضامن بين فئات العمال/ات المختلفة التي غالبًا ما تكون في مواقع متناقضة في أمكنة العمل، كالموظفين/ات في القطاع العام وأقرانهم/ن المياومين/ات الذين/اللواتي لا يتلاقون/ن بالضرورة في المطالب والنضالات المحصورة في أماكن العمل كما شهدنا في حراك هيئة التنسيق النقابية. 

هناك تجارب كثيرة يمكن التعلّم منها على المستويين النقابي والشعبي. فعلى سبيل المثال، نتيجة الإقصاء والتهميش الذي تعرضت له العاملات في كوريا الجنوبية من قبل الاتحادات العمالية (1)، قررت الأخيرات أن يؤسسن اتحادا نقابيا نسائيا عابرا للمهن، ونجحن في انتزاع مكاسب عديدة، بالأخص للعاملات الأكثر هشاشة. لكن ما هو مطلوب لدينا، هو بلورة برنامج واضح يطال جميع الفئات المستغلّة ويتخطى تناقضاتها، كما يتطلب استهداف تراكم الأرباح، تحديدًا الريوع التي تتخطى أماكن العمل كما ذكرنا أعلاه. وبالفعل هناك العديد من القضايا التي، عبر تناولها، يمكننا تخطي التناقضات بين العديد من الفئات المستغلّة كالتغطية الصحية الشاملة، الحماية الاجتماعية، الخدمات الاجتماعية الأساسية (كالتعليم، الكهرباء، المياه والخ) وغيرها.

بالفعل، باستثناء حراك صيف 2015 على خلفية أزمة النفايات، وتحركات المستأجرين/ات القدامى لم نشهد تحركات تتخطى أماكن العمل. إن هذه الأخيرة تتطلب حيوية وديناميكية في العمل وفق أماكن السكن المختلفة وكذلك تحالفات عابرة للقطاعات، على عكس أشكال التنظيم الحالية التي تتسم بالمركزية والجمود. ولكن هذه المهام، لا يمكن أن تلقى على عاتق التنظيمات العمالية وحدها، بل تتطلب رافعة سياسية، تحديدًا أحزاباً يسارية قادرة على صنع الأدوات النظرية التي تحاكي الواقع وتستطيع أن تشجع قيام هذه النضالات وتنخرط فيها وترفدها.

الهوامش:

1) Jennifer Jihye Chun, “Organizing at the margins: the symbolic politics of labor in North Korea and the United States”. 2011 ILR Press