أربعة أشهر من النضال ضد قانون العمل الجديد في فرنسا

نشر في‫:‬الأحد, اذار 5, 2017 - 17:28
مظاهرة ضد قانون العمل، 15 أيلول 2016 (Photothèque Rouge/JMB)
الكاتب/ة: علي مصطفى.

حرك مشروع قانون العمل الجديد جزءا كبيرا من العمال/ات في فرنسا. فقد بيّنت ردة الفعل مدى الاستياء المتراكم بسبب العديد من التدابير المناهضة للعمال/ات التي اتخذتها الحكومة "الاشتراكية". وقد تم ذلك بتواطؤ من القيادات النقابية التي لم تحاول، منذ وصول فرنسوا هولاند إلى السلطة، بتحريك العمال/ات، بل على العكس، فقد ظلت تروج للأوهام عن إمكانية أن يحسن هولاند سياسته تلقائيا.

وعند الإعلان عن مشروع قانون العمل الجديد، لم تطالب أي من الاتحادات النقابية بسحبه كليا. وكانت الجمعيات والأوساط الطلابية هي المبادرة بتنظيم الحراك المطالب بسحب مشروع القانون. وعندما تبلور الحراك بشكله المحدود نسبيا، قررت بعض النقابات، وعلى رأسها الكونفدرالية العامة للشغل (الـ CGT) تولي قيادته، والقيام بما يوجب لتنظيمه.

كانت السمة الرئيسية للحراك مدته التي سمحت لفئات مختلفة من الطبقة العاملة بالمشاركة فيه. كما أنه، وإن لم يجذب إلا أقلية من العمال/ات، فقد لاقى تأييدا من قبل 65 بالمئة من الشعب بحسب استطلاعات الرأي. 

سمح الحراك لمئات الآلاف من العمال/ات بطرح تساؤلات لم يكونوا/ن يطرحونها/ن من قبل، ويحاولون/ن إيجاد الحلول للمشاكل التي تواجههم/ن. وتمكنوا/ن من خلال الحراك الحكم على السياسات المطروحة من هذا أو ذاك، وتحديد من يقف في صفهم/ ومن هو ضدهم/ن.

فقد رأى القائمون/ات بالحراك، وكذلك المتضامنون/ات معهم/ن، ماهية الديمقراطية البرجوازية حيث قامت الحكومة بتمرير القانون المكتوب تحت إملاء كبار أرباب العمل دون إخضاعه للتصويت وذلك بالرغم من معارضة أغلبية الشعب والبرلمان له.

وشهدوا/ن الكراهية التي تكنها الحكومة، المدعية الاشتراكية، للعمال/ات، والتي استخدمت الأكاذيب بهدف إيقاف الحراك وذلك بمساعدة القنوات التلفزيونية الكبيرة والصحافة: من الدعوة إلى التضامن مع ضحايا الفيضانات، إلى الإشارة إلى تشويه صورة البلاد خلال بطولة كأس أمم أوروبا، وصولا إلى الافتراءات على النقابات التي شاركت في الحراك واستخدام الأضرار التي سببها مثيرو الشغب للتعتيم عن مشاركة مئات الآلاف من العمال/ات في المظاهرات. كما شهدوا/ن تهديد رئيس الوزراء بحظر المظاهرات النقابية، وهو أمر لم تسبقه عليه أية حكومة، حتى تلك اليمينية، منذ حرب الجزائر.

في المقابل، كان على الشيوعيين/ات الثوريين/ات الاعتماد على وعي العمال/ات المشاركين/ات في الحراك بهدف دفع الحراك إلى أقصى حد ممكن. ذلك دون تحديد أي هدف آخر للحراك سوى سحب قانون العمل، وهو المطلب الذي يتفق مع إرادة العمال/ات المناضلين/ات والذي تبنته قيادات الاتحادات النقابية. وكانت مهمتهم/ن فعل ما أمكن لتكون مشاركة العمال/ات في الحراك فاعلة وواعية بأكثر قدر ممكن.

فكان هناك عشرات الآلاف من العمال/ات المناضلين/ات في أوساط الطبقة العاملة الذين استعادوا/ن، بفضل الحراك، الإرادة بمعاودة النضال، وذلك بعد أن أحبطتهم/ن سياسة الحكومة الاشتراكية.

وكان هناك أيضا الآلاف من العمال/ات الشبان/ات الذين/اللواتي لم يعرفوا/ن طوال حياتهم/ن غير الاستغلال وعدم الاستقرار. وكانت صورة العالم لديهم/ن، والعلاقات الطبقية على وجه الخصوص، هي الصورة التي تمليها عليهم/ن وسائل الإعلام بالشكل الذي يناسب مصالح البرجوازية، أي بأن القرار يعود إلى الأقوياء الذين هم أفراد الطبقة الرأسمالية، أما العمال/ات، فعليهم/ن فقط الانصياع وتحمل المعاناة.

فبمجرد قيامهم/ن بالحراك بشكل جماعي، برهن العمال/ات عن قدرتهم/ن على اتخاذ قرارات. وانطلاقا من هذا الوعي، يصبح كل شيء ممكنا.

كان من الضروري، في كل خطوة من الحراك، فهم ديناميكيته، تقدير مرحلته، وتقدير ما هي الخيارات المتاحة أمامه ومشاركة العمال/ات بكل ذلك. فلنأخذ على سبيل المثال عمليات قطع الطرق ومنع الانتاج عبر إقفال مداخل المصانع التي اتبعها بعض العمال/ات كوسيلة للتعويض عن عدم مشاركة غالبية العمال/ات في الحراك. وكان هذا النوع من الممارسة يلاقي دعم الناشطين الستالينيين والإصلاحيين المقتنعين بالشكل الهرمي من أعلى إلى أسفل في اتخاذ القرارات في الحراكات، وذلك بدلا عن محاولة جذب المترددين/ات للمشاركة في النضال.

لكن لهذه العمليات حدودها مقارنة بالاضرابات، فقوى الأمن يمكنها طرد بضع مئات المتظاهرين/ات الذين/اللواتي يقفلون/ن مدخل مصفاة أو مسار السكك الحديدية، ولكنها لا يمكنها أن تحل مكان المضربين/ات عن العمل في هذه المصافي أو مكان سائقي القطارات ولا مكان العمال/ات على خطوط تجميع السيارات في المصانع والموظفين/ات والفنيين/ات والمهندسين/ات.

لقد شكلت عمليات منع الانتاج هذه جزءا من الحراك الحاصل. والأمر لا يكون برفضها، إذ أنه ليس من الممكن دائما فعل ما هو صواب وضروري. ولكن يجب أن نكون على بينة من حدودها ويمكننا دائما القيام بالشرح والإقناع للمساعدة في رفع وعي العمال/ات.

ومهما كانت قلة تزايد وعي العمال/ات بعد هذا الحراك، إلا أن ذلك هو أكثر أهمية بكثير من مسألة إقرار قانون العمل أو عدم إقراره. 

فهناك العديد من المعارك بانتظار المستغلين/ات، وستكون أكبر وأكثر أهمية. وتجارب معركة ما، والوعي الناتج عنها، سينفع في المعارك المستقبلية.

* مجلة النضال الطبقي- الاتحاد الشيوعي الأممي تموز/يوليو 2016