النسوية وإعادة الانتاج الاجتماعي: مقابلة مع سيلفيا فديريتشي

نشر في‫:‬الاربعاء, شباط 22, 2017 - 09:42
(László Moholy-Nagy | Am 7 (26
الكاتب/ة: سيلفيا فديريتشي، جورج سوفليس، أنكيتشا كاكارديش.
ترجمه‫/‬ته الى العربية‫:‬ وليد ضو     ريان شبقلو      
المصدر‫:‬      

جورج سوفليس وأنكيتشا كاكارديش: ما التجارب التي كونتك سياسيا وشخصيا؟

سيلفيا فديريتشي: كانت الحرب العالمية الثانية أكثر تجربة تكوينية لي. فقد نشأت في فترة ما بعد الحرب حيث ذاكرة الحرب تستمر لسنوات طويلة، بالإضافة إلى سنوات الفاشية في إيطاليا التي كانت لا تزال طازجة جدا. منذ سن مبكرة كنت على علم بأنني ولدت في عالم منقسم وقاتل، حيث الدولة البعيدة كل البعد عن حمايتنا هي عدوة لنا، وأن الحياة هشة للغاية، أو كما تقول أغنية جوان بايز "إذا لم نكن محظوظين، فإن ذلك سيكون مصيرك أو مصيري". أن تنشأي في فترة ما بعد الحرب وما يفترض بأنه ما بعد إيطاليا الفاشية كان صعبا ألا تكوني غير مسيسة. حتى كفتاة صغيرة لم أستطع إلا أن أكون مناهضة للفاشية خاصة بعد سماعي لكل القصص التي أخبرنا عنها أهلنا، وخطب والدي ضد النظام الفاشي. كما أنني ترعرعت في بلدة شيوعية، حيث يعلق العمال خلال عيد العمال على بذاتهم القرنفل الأحمر وحيث نستيقظ على صوت أغنية وداعا يا جميلتي (Bella Ciao)، وحيث ينفجر الصراع بين الشيوعيين والفاشيين بشكل مستمر حين يحاول الأخيرون تفجير نصب المقاوم ويرد الشيوعيون بالهجوم على المقر الرئيسي للحركة الاشتراكية الإيطالية (MSI) التي يعرف الجميع أنها تشكل استمرارا للحزب الفاشي المحظور حاليا. في ذلك الوقت وعندما بلغت سن الـ 18 وكنت أرى نفسي راديكالية، كان النضال النموذجي ينحصر بين نضال عمال المصانع والنضال ضد الفاشية.

مجيئي إلى الولايات المتحدة، كان نقطة التحول التكوينية السياسية الكبرى. فقد وصلت في صيف عام 1967. وكانت جامعة بوفالو حيث تعلمت لمدة 3 سنوات جامعة نشطة للغاية، بسبب موقعها على الحدود مع كندا ومكان عبور العديد من الناشطين المناهضين للحرب محاولين الهروب من التجنيد الإجباري، وقد وصلت وسط العديد من التحركات الداعمة لمجموعة بوفالو التسعة، الذين اعتقلوا خلال محاولتهم عبور الحدود، وضد اعتقال مارتن سوستري، الناشط البورتوريكي الذي حظي بقدر كبير من الاحترام ضمن مجتمع السود، والذي اعتقله مكتب التحقيقات الفيدرالي. بسرعة انضممت إلى الاحتجاجات الطلابية والمناهضة للحرب. بدأت بالعمل مع تيلوس (Telos) ومع مجلة سرية اسمها "منادي المدينة" (Town Crier). في الولايات المتحدة تعلمت عن إرث العبودية والعنصرية والامبريالية. كما تعرفت في الولايات المتحدة على "اليسار الجديد"، مثل Operaismo والمجموعات المعارضة من خارج البرلمان التي تشكلت عقب عام 1968 في فرنسا وبعد الخريف الساخن الإيطالي. وقد ألهمتني على نحو خاص قراءة الفيلسوف الإيطالي ماريو ترونتي لماركس، فقول إن ما يأتي أولا هو الطبقة العاملة يليها رأس المال، يعني أن رأس المال لا يتطور وفق منطقه الذاتي إنما يفعل ذلك كرد على نضال الطبقة العاملة، التي هي المحرك الرئيسي للتغيير الاجتماعي. وقد كان ذلك درسا كبيرا بالنسبة لي، حيث تعلمت أن أنظر مباشرة إلى النضال، والتناقضات الاجتماعية كمفاتيح لفهم الواقع الاجتماعي. قدمت مجموعة Operaismo كذلك نقدا للمادية التاريخية وسياسات الأحزاب الشيوعية. ولكن بالطبع كان مهما التعرف على الفكر السياسي الإيطالي الجديد في الولايات المتحدة، لأنه هنا، لا يمكن أن ننسى تاريخ الاستعمار والاستعباد، وتاريخ العمل دون أجر. هذا التاريخ- وكذلك تجربتي في أبوية إيطاليا ما بعد الحرب، شكلت مقاربتي إزاء النسوية التي كانت مختلفة، وكان ذلك لحظة ثورية حقيقية في حياتي. لا أريد التحدث عن ذلك لأن أعمالي تتحدث عني. إنما سأتكلم بدلا عن ذلك عن ماذا يعني بالنسبة لي في بداية الثمانينات أن أكون قادرة على قضاء بعض الوقت في التدريس في نيجيريا، أو التقاء لي مع جنوب الصحراء في أفريقيا. خلال ذلك الوقت أمضيت وقتا لا بأس به بالقراءة عن الاستعمار، فضلا عن سياسات التنمية والتخلف، ولكن نيجيريا كانت لحظة أخرى من التحول السياسي الذاتي، ليس لأنها غيرت وجهة نظري إزاء العلاقات الاجتماعية إنما كشفت واقعا كاملا كان مختلفا جدا حين عشته نسبة لما قرأت عنه في الكتب. في نيجريا تعلمت عن العلاقات المجتمعية، عن الأهمية المستمرة للأرض، تعلمت عن لعنة النفط في الدول التي جرى اكتشافه فيها، وتعرفت إلى ابداع الشعوب الأفريقية الكبير. مارست التعليم إلى أن حلت "أزمة الديون" والقمع السياسي. وعندما عدت إلى الولايات المتحدة، بدأت بتمضية وقتا أطول في المكسيك، ومؤخرا في دول أخرى بأميركا اللاتينية، وأيضا بسبب نشري لكتاب "كاليبان والساحرة" في المكسيك والأرجنتين والأكوادور والآن في البرازيل. أذكر أميركا اللاتينية على الرغم من المشقة التي واجهت سكانها، وخاصة النساء، بسبب سياسة الطلب المتزايد على الموارد الطبيعية، والعنف الحاضر دوما- من الجيوش، والميليشيات وتجار المخدرات ووكالة مكافحة المخدرات خلال "الحرب على المخدرات"- النضالات التي تخوضها تلك الشعوب للحفاظ على استقلالها، ولإعادة السيطرة على أراضيها ولأشكال إعادة الانتاج الجماعية والحكم الذاتي، لا تمثل نموذجا إنما مصدر إلهام يؤثر إيجابيا في تفكيري وممارساتي السياسية.

هل انضويت في صفوف منظمة النضال النسوي (Lotta Femminista) خلال السبعينيات مع ليوبولدينا فورتوناتي، وماريا روزا ديلا كوستا، وسلمى جايمس وغيرهن؟ وما هي العلاقة بين هذه المنظمة ومجموعة Operaismo؟

لم أكن يوما عضوة في منظمة النضال النسوي. لقد كنت في الولايات المتحدة عندما تأسست، والنساء الإيطاليات اللواتي عملت معهن خلال الحملة من أجل الأجر للعمل المنزلي كن قد قطعن العلاقة مع النضال النسوي، خاصة حول مسألة الأجل للعمل المنزلي. إذا لا أستطيع الحديث عن العلاقة بين منظمة النضال النسوي ومجموعة Operaismo. كل من ليوبولدينا فورتوناتي وماريا روزا دالا كوستا تحدثتا عن ذلك وأنا أستشهد بهما. بالنسبة لي، لقد أشرت إلى تأثير مجموعة Operaismo علي وعلى مقاربتي حول الأجر للعمل المنزلي. وأضيف إلى ذلك كتاب ترونتي "العمال ورأس المال"، الذي بالإضافة إلى إعطاء دور مركزي للصراع المركزي للصراع الطبقي في تشكيل حركة رأس المال، قدم كذلك مفهوم "المصنع الاجتماعي". في الواقع، لم يستخدم هذا المصطلح، ولكنه رأى أنه عند نقطة معينة من التطور الرأسمالي يبدأ المصنع في إعادة تشكيل المجتمع على صورته، لتلبية احتياجاته الانتاجية. وقد أخذ بعين الاعتبار، وعلى وجه الخصوص، كيف جرى إعادة هيكلة النظم التعليمية لإعداد الشباب البروليتاري للعمل الصناعي. وهذا ينعكس في تحليلنا للمجتمع، للمنزل، والعائلة كمراكز لانتاج العمل- السلطة، باعتبار ذلك بناء رأسماليا، بدلا من موروثات العلاقات الاجتماعية الما قبل رأسمالية، التي كانت حتى ذلك الوقت الفكرة المهيمنة على الحركة النسوية.

أعمالك تتشابه مع بادي كويك وماريا ميس ووالي سيكومب. كل هؤلاء الكتاب جادلوا بأنه لتحليل اضطهاد المرأة في الرأسمالية يجب أخذ عدة نقاط في عين الاعتبار: التقسيم الجنسي للعمل، إعادة الانتاج الاجتماعي؛ السيطرة على جسد المرأة، وسلطة إعادة الانتاج؛ وديناميات الهيمنة لأشكال الأسرة. وفي ذلك، تتموضع أعمالك ضمن التراث النظري للجدل حول العمل المنزلي، بالاعتماد على حجة دالا كوستا وجايمس أن التقسيم الجنسي للعمل والعمل غير المدفوع يلعبان وظيفة مركزية في عملية التراكم الرأسمالي. هل يمكنك أن تخبرينا عن الفروقات في أعمالك؟ وماذا ترين كتمييز في ذلك بين الرأسمالية والنظم الإقطاعية؟

على الرغم من أن جميع الكتاب المذكورين في سؤالكما قد ارتكزوا على وضع المرأة في المجتمع الرأسمالي في عملية إعادة الانتاج، ولكن هناك اختلافات كبيرة فيما بيننا.

أحد الفروقات (على سبيل المثال بين تحليل أجر العمل المنزلي وتحليل ماريا ميس) هو أنه لطالما حددنا العمل المنزلي كبناء رأسمالي، وخاصة كعمل هدفه الاجتماعي إعادة انتاج قوة العمل. وأنا كثيرا ما ركزت على واقع أن العمل المنزلي/المعاد انتاجه له طابع مزدوج: فهو يعيد انتاج حياتنا وفي الوقت عينه من المتوقع أن يعاد انتاج قوة العمل وبسبب ذلك يخضع لقيود محددة. في عمل ميس لا تجد دائما هذا التمييز. ففي تحليلها هناك استمرارية بين العمل المنزلي وإعادة الانتاج معيشية-موجهة في ما يسمى في الدول "المتخلفة".

وهذا الأمر صحيح بشكل جزئي. ولكن هناك فرق بين العمل المنزلي/المعاد انتاجه في ظل الظروف التي تكون فيها إمكانية وصول المرأة إلى الأرض أو أشكال أخرى من إعادة الانتاج، على سبيل المثال في كثير من مجتمعات السكان الأصليين، وبين العمل المنزلي غير المدفوع والذي يعتمد على أجر (في معظم الأحيان، الذكور). ولكن أتفق إلى حد كبير مع ميس وأقدر كيف أنها وسعت مفهوم إعادة الانتاج ليشمل العمل الزراعي في الكثير مما يسمى دول العالم الثالث.

التمييز بين النظام الإقطاعي والنظام الرأسمالي يأتي من المصادرة الجذرية التي يتعرض لها العمال في الرأسمالية، وفصلهم عن وسائل إعادة الانتاج. هذا هو محرك التطور الرأسمالي فضلا عن الاستغلال المكثف لليد العاملة. وكما أكدت في كتاب "كاليبان والساحرة"، الرأسمالية هي النظام الاستغلالي الأول الذي يرى في العمل، وبدلا من الأرض، الشكل الأساسي للثروة. لهذا السبب فقد وضعت سياسات جديدة كاملة تتعلق بضبط الجسد، وخاصة جسد المرأة، وتنظيم اعادة الانتاج بدءا من الانجاب. يجب على الرأسمالية أن تسيطر على عمل إعادة الانتاج، كجانب أساسي من عملية التراكم، بحيث أن مهام عمل إعادة الانتاج باعتباره إعادة انتاج قوة العمل، أي القدرة على العمل، بدلا من (على سبيل المثال) إعادة انتاج نضالنا.

في كتابك "كاليبان والساحرة" تستشهدين بمقال روبرت برينر "الجذور الزراعية للرأسمالية الأوروبية". ما هو رأيك بأعمال برينر وغيره من "الماركسيين السياسيين"؟

لا أذكر كل حجج برينر ومدرسة الماركسية السياسية. أنا أتفق مع تشديده على التحول في العلاقات الزراعية في أوروبا كعامل حاسم للتطور الرأسمالي، على الرغم من تشكل سوق أرضي/زراعي الذي كان ممكنا بسبب "نهر الفضة" الذي وصل إلى أوروبا عقب غزو مناطق واسعة من أميركا الجنوبية. ولكن تجاه هذه المدرسة لدي نفس النقد الموجه للمقاربة الماركسية: جهلهم لدور إعادة بناء العمل المعاد انتاجه في هيمنة الرأسمالية. وقد رأوا وبشكل صحيح فصل الفلاحين من الأرض كشرط أساسي لوجود العلاقات الرأسمالية، ولكنهم تجاهلوا فصل الانتاج، من إعادة الانتاج، وانخفاض العمل المعاد انتاجه، وانحصاره ظاهريا في المجال غير الاقتصادي والانخفاض الناتج عن وضع المرأة، التي مع التحول إلى الرأسمالية قد أصبحت أحد الموضوعات الأساسية لهذا العمل. مثل ماركس، برينر والمدرسة الماركسية السياسية يتجاهلون صيد الساحرات خلال القرنين الـ 16 والـ 17 من تحليلهم وتأثير التطور الرأسمالي على العلاقات الزراعية، وأعتقد أن ذلك هو خطأ كبير.

هل كان يمكن للرأسمالية أن تكون من دون الاستيلاء على عمل النساء المنزلي غير المأجور؟ 

أرى أن ذلك غير معقول، لأن عمل النساء غير المأجور، الذي نرى ثماره حتى يومنا هذا، يشكّل شرطاً لتخفيض قيمة قوّة العمل. من دون عملهنّ هذا، لكانت الطبقة الرأسمالية اضطرّت إلى استثمار مبالغ هائلة في البنى التحتية اللازمة لإعادة إنتاج قوّة العمل، ولانخفض معدّل تراكم رأس المال بشدّة. ونجد كذلك بُعداً سياسياً لتدهور قيمة العمل، وبالتالي لإعطاء عمل الإنجاب طابعاً "طبيعياً". إذ شكّل الانجاب القاعدة المادية والملموسة لهرميّة العمل التي تفصل بين النساء والرجال وتمكّن رأس المال من التّحكم باستغلال عمل النساء بفعالية أكبر، وذلك من خلال الزواج والعلاقة الزوجية بما فيها مفهوم الحبّ الرومنسي، كما تمكّنه من تهدئة الرجال عندما تُقدَّم لهم خادمة يمارسون سلطتهم عليها.

هل بإمكانك أن تخبرينا المزيد عن الفرق بين تقليد "أجور مقابل العمل المنزلي" والنظرية النسوية "الموحّدة" (التي تتبنّاها ليز فوغل، سو فيرغسون، سينزيا أروزا، وغيرهنّ) في ما يتعلّق بالعلاقة الموجودة بين الرأسمالية والأبويّة؟

لم أقرأ مؤلّفات سو فيرغسون أو سينزيا أروزا. أمّا بالنسبة إلى ليزا فوغل، فقد بنت بعض أفكار نظريتها الرئيسية على مؤلفات دالا كوستا وجايمس اللتين سبق وقدّمتا نظرية موحِّدة حيث فسّرتا إعادة بناء العلاقة الأبوية في الرأسمالية انطلاقاً من تعريفهما لوظيفة النساء الاجتماعية على أنها انتاج القوى العاملة وإعادة انتاجها من دون أجر. أعتقد أنني ودالا كوستا نختلف عن فوغل حول دور الاشتراكية المحرِّر. فماركس والتقليد الماركسي- الاشتراكي ينظران إلى التطور الرأسمالي بإيجابية، ويفترضان أنها ستخلق الأحوال التي يحتاجها المجتمع غير الاستغلالي. 

أكتب وأنا حالياً في المكسيك بعد أن سافرت إلى عددٍ من بلاد أميركا اللاتينية خلال الأشهر الماضية. ورأيت في كلّ منها مجتمعات تعيش دماراً خلّفته المناجم والشركات التجارية الزراعية، وهما القطاعان الأساسيان لتطوّر الرأسمالية اليوم. أما في ما يخصّ عملي ووجهة نظري، فقد تعلّمت الكثير من ماركس ولا أزال ألجأ إلى أعماله واستخدمها، لكنّني لم أعد أهتمّ لبناء "نظرية موحِّدة" بنفس قدر فوغل، إلّا إ ذا تراجع الماركسيّون اليوم عن انحيازهم في موضوع التطوّر الذي شكّل حتّى الآن جزءاً مهماً من نظريتهم وسياساتهم. في عالمنا حيث تستفحل عملية تحوّل الأحياء إلى "فافيلا" (أحياء فقيرة)، التطوّر الرأسمالي هو بمثابة الموت، وذلك بدءا من المناطق الريفية حتّى الفافيلا الحضرية... والتحدّي الذي يطرح نفسه اليوم هو كيفية بناء بديل عن الرأسمالية. 

لقد عملتِ على تحرير كتاب "ديمومة الحضارة الغربية" الذي قلتِ فيه أن تشكّل القانون الغربي لازم إقصاء "الآخر": الآخر الجنسي والجندري والإثني والديني والعرقي. ارتبطت هذه العملية بتشكّل الفئات التحليلية المتغربة التي نرى العالم من خلالها. دافعت بعض الأعمال الجديدة، مثل "النطرية ما بعد الكولولونيالية وشبح رأس المال" لـفيفك تشيبر، عن المقاربات النظرية التي تعتمد على الفئات العالمية، مثل الرأسمالية والطبقة. في عبارة أخرى، قدّم عمله دليلاً حول استمرار أهمية الماركسية اليوم في وجه بعض أشد نقّاده. ما رأيك في أسلوبه المنطقي وفي مسألة استخدام الفئات العالمية من أجل انتقاد الرأسمالية في دراسته؟ هل من طريقة لخلق توازن بين نقد الغرب واستخدام الأدوات التحليلية المستقاة منه؟ أم إنهما مسألتان تنحصران كلّ واحدة في الأخرى؟ 

أكرّر: لا أرتاح بالتعليق على أعمال لم أقرأها أو أراجعها منذ فترة طويلة. لذا سألتزم بالتعليق على مفهوم "الغرب" والحاجة المفترضة إلى الفئات العالمية. كما برهنتُ وبرهن غيري في كتاب "ديمومة الحضارة الغربية"، نتج مفهوم "الغرب" و"الغربيّ" من الحرب الباردة عندما، وعقب عقب الثورة البولشفية، حيث صار يعني الرأسمالية، التطوّر الصناعي والتكنولوجي والابتكار إلخ، بينما صارت الشيوعية تُعتبر مسألة عرقية "آسيوية" متخلّفة لا تستطيع تحقيق أي تطوّر. أتفادى استخدام عبارة "غربي" لهذا السبب، فهي تخفي العلاقات الطبقية، وتحجب بذلك علاقة الاختلاف أو الخصام في أوروبا والولايات المتحدة – أو ما يسمّى بالغرب- والعلاقات الطبقية والخصامية في مناطق أخرى كأفريقيا أو أميركا اللاتينية. "الغرب والغربي" عبارتان سياسيّتان دلالتهما واهية وتهدفان إلى تصوير السياسة العالمية وكأن عالمين متضادّين يشكّلانها من دون أن نجد فيهما انقسامات أو هرميّات ولا مصالح سوى مصلحة مشتركة لكلٍّ منهما.

أمّا بالنسبة إلى الفئات العالمية، فأؤكّد أنّه علينا الإبقاء على حدٍ معينٍ من التجريد في تحليلنا، لكنّنا لن نتمكّن من فهم الرأسمالية وتاريخ الاقتصاد العالمي إلّا  إذا نظرنا إليهما من وجهات مختلفة. لن نفهم الرأسمالية في شموليتها من دون أن نأخذ في عين الاعتبار وجهة نظر المستعبَدين والمستعمَرين والعاملين الصناعييّن والنساء والرجال البروليتاريات والبروليتاريين على حدٍّ سواء، بالإضافة إلى وجهة نظر بيئية ووجهة نظر الأطفال.

شهدت السنوات الأخيرة هجرة متزايدة إلى أوروبا وصعوداً لأحزاب اليمين المتطرّف. كيف يمكن لليسار مواجهة هذه الحالة؟

أعجز عن التعبير عمّا أشعر به من أسى وغضب تجاه الحكومات والكثير من الناس في أوروبا، وتجاه ما يرتكبونه في حقّ اللاجئين الهاربين من الحروب التي موّلتها نفس الحكومات. ترين القوارب التي تنقل اللاجئين قد غرقت كلّ أسبوع، سنة وراء الأخرى، فيقضي المئات ثمّ المئات حتّى أصبح البحر المتوسّط مقبرة عميقة. إنه أمر مرعب يحدث على مرأىً من الجميع وليس في معسكرات اعتقال سرية- ناهيك عن "مراكز الاستضافة" حيث يُحبس اللاجئون غير المسجلين ويُرمون لفترات غير محدّدة في أحوال يرثى لها. 

كانت ردة فعل الكثيرين، من بينهم عمّال، مؤسفة. فبدلاً من التضامن مع اللاجئين، رفضوهم ولاحقوهم واتّخذوا مواقف قوميّة. والمُقلق هو أنه صراعاً بين الفقراء؛ فالأفراد الذين يريدون وضع الحواجز أمام اللاجئين غالباً ما يناضلون من أجل البقاء على قيد الحياة، ويعتقدون أن سياسة الإقصاء ستحميهم، لا التضامن مع اللاجئين. أرغب أن أشير إلى أهمية معرفة المزيد حول النازيين الجدد الذين يهاجمون اللاجئين في ألمانيا على سبيل المثال، فبعض الأدلّة تشير إلى تواطؤ السلطات والشرطة معهم. صار ممكناً أن نعتبر صعود النازية الجديدة أداةً للتحكّم باللاجئين الذين يقدّمون قوّة عملهم بأسعار منخفضة لكنّهم ليسوا مفيدين إلا إذا بقوا في أسفل السلّم الاجتماعي. 

شهدت السنوات الأخيرة صعوداً لبعض المجموعات اليسارية، من كوربين وساندرز إلى بوديموس. هل من أمل لتغيير اجتماعي مؤثّر ينتج عن هذه التطوّرات في رأيك؟ كيف يجب أن تكون العلاقة بين اليسار المعاصر والدولة في نظرك؟

ليس الجواب على هذا السؤال سهلاً، فقد علمنا منذ فترة أن مجموعة الزاباتيستاس طرحت مشاركتها في الانتخابات الرئاسية لعام 2018 مع مرشّحة ليست فقط من السكان الأصليين، إنما امرأة أيضا، وقد فاجأ الأمر الكثيرين. من الواضح أنهم لم يغيّروا سياستهم، لكنّهم محاصرون لدرجة أنهم يحاولون أن يكسروا حصارهم بهذه الطريقة وأن يذكوا وعي شرائح أوسع من المجتمع حول الهجوم العنيف والشديد الذي يتعرّضون له منذ وفاة غاليانو. مع ذلك، تمرّ الحكومات ذات الميول اليسارية، والسياسة التقدّمية عموماً، بأزمة في أوروبا كما في أميركا اللاتينية. لم يتحرّك سوى قلة في البرازيل للمطالبة بإعادة ديلما روسيف إلى منصبها على الرغم من أن الكثيرين نددّوا بمحاكمتها واعتبرو ذلك خداعاً، أو انقلاباً حتى. أفضل ما قدّمته الحكومات التقدّمية هو التخفيف من أشدّ أشكال الفقر، لكّنها لم تغيّر نمط الانتاج، ولم تحقق الإصلاح الذي طالبت فيه الحركات التي أتت بها إلى السلطة، ولم تقف في وجه عنف الجيش والشرطة. أما بالنسبة إلى السياسة التشافيزية فإن خطابها مختلف، لأنها أعطت مكانة أكبر لسلطة الشعب، لكنّها اعتمدت أيضاً على السياسات الاستخراجية التي جعلت البلد خاضعاً لتقلّبات السوق العالمية. وكيف لنا أن نعلّق على بيرني ساندز الذي صار يقول أن لا بديل أفضل من التصويت لكلينتون بعد أن أمضى أشهراً يشرح لمناصريه الأسباب التي تدعو عدم التصويت لها؟ أقول إنها مدعاة للتشاؤم. 

لا أدعو إلى سياسات مشاعية "عفوية"، فهنالك أنظمة طابعها مشاعي يمتدّ تاريخها على مئات من السنين تتصف بالعفوية هذه. كما أن الدفاع عن الموارد المشاعية في وجه عنف الجيوش والجماعات المسلّحة وحرّاس الشركات لا يتّصف دائماً بالعفوية في أنحاء كثيرة من العالم. من الواضح أنه يجب تفادي الدوغمائية لدى الحديث عن أمور مماثلة. إن التأثير على الحكومات معقول إلى حدٍّ ما على المستوى المحلي، لكن مراكز صنع القرارات تزداد ابتعاداً عن الناس، كما أن بنية القوى الدولية التي تتشكّل الآن تحلّ مكان سلطة الدولة القومية (كما الحال مع الاتحاد الأوروبي).

وبخصوص تدخّل صندوق النقد والبنك الدوليين في سياسة الدول، وفي دول العالم الثالث خصوصاً لكن ليس بشكل حصري، نشهد ازديادا في عدد "اتفاقيات التجارة الحرة"، منها الشراكة العابرة للمحيط الهادئ (TPP) والشراكة التجارية والاستثمارية العابرة للأطلسي (TTIP) (التي لم يتمّ التوقيع عليها حتى اليوم لحسن الحظ). تثبّت هذه الاتفاقيات هيمنة رأس المال على الاقتصاد العالمي بشكل لا يسمح باتّخاذ أي قرار من دون موافقة الشركات الكبرى وتقضي على السيادة الوطنية تماماً. في ظلّ هذه الظروف كيف لنا أن نتفاءل بتنصيب الحكومات اليسارية أو الراديكالية؟

عمت موجة من التغيير أميركا اللاتينية في بداية القرن الواحد والعشرين، مطيحة بالحكومات النيوليبرالية، ولعبت الحركات الاجتماعية الجديدة الصاعدة دوراً حاسماً في ذلك عبر مطالبتها بالحقوق السياسية-الاجتماعية والاقتصادية، لكنّ ذلك خلّف توتّراً بين الأحزاب الحاكمة وهذه الحركات. هل تعتقدين أن لهذه التوترات حلّاً يعمل نحو تحقيق مصالح الطبقات العاملة في أميركا اللاتينية؟

قمت بزيارة إلى الأكوادور في نيسان والتقيت بعددٍ من المجموعات البيئية والنسائية. وكان جميعها يتساءل لماذا يعتبر اليسار في أوروبا أو الولايات المتحدة الرئيس كوريا راديكالياً في حين أن سياسته تتماشى مع النيوليبرالية، خصوصاً لأنه يهاجم أراضي السكان الأصليين أكثر من أي حكومة سابقة ويُبدي ازدراءً حيال النساء في سياسته؟ إنّ كوريا (الذي أتت به حركة من السكان الأصليين إلى الحكم) أدخل إلى دستور البلد حقوقاً متعلّقةً بالبيئة والطبيعة، وبدا مصرّاً على عدم استغلال الموارد النفطية. لكنّ آراءه قد تغيّرت، وهو الآن يشجّع الاستثمارات الأجنبية والتنقيب عن النفط في منتزه ياسوني. ليس مفاجئا أنه اصطدم والشعوب الأصلية التي ساندته سابقاً في أكثر من مناسبة، أو أن حكومته استبدادية وتزدري بالتحركات الآتية من الأسفل وتشجّع نفوذ الشركات. أمّا إيفو موراليس، فهو يتكلّم عن الباتشاماما كلّما سافر خارج بلاده، لكنّه مع ذلك يتّبع سياسة استخراج موارد لا تدمّر الأراضي والأنهار والغابات فحسب، بل تخلق نوعاً من الاستعمار الداخلي. وقد تساند جماعات عمالية سياساته تلك لأنها تخلق فرص عمل للبعض، ولو تمّ ذلك على حساب معيشة الكثيرين، الأمر الذي يذكّرنا بمساندة بعض العمّال الشباب في الولايات المتحدة للتكسير الهيدروليكي.

لا بدّ من الإشارة إلى الهوّة الكبيرة بين آراء المنظّرين/ات الراديكاليين/ات في أميركا اللاتينية حول هذه الحكومات (مثل لويس تابيا وراؤول زيبيتشي وراكيل غوتيريز وسيلفيا ريفييرا كوسيكانكي وغيرهم/ن)، وآراء يساريين/ات كثيرين/ات في الولايات المتحدة وأوروبا.

ما تعليقك على الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة؟

إنّه أمر حزين، وعواقبه الخطرة واضحة منذ الآن، خاصةً إذا كان صحيحاً أن العديد من المجموعات المؤمنة بتفوق العرق الأبيض قد خرجت إلى العلن لأنها تشعر أن ترامب يشرّع وجودها. 

من المحبط أن تري شرائحا من الطبقة العاملة في الولايات المتحدة معجبةً بترامب. لكنّ كلينتون ليست بديلاً عنه بكلّ علاقاتها الوثيقة بمؤسسات وال ستريت والمخابرات وماكينة الحرب، كما أنها ستستخدم النسوّية لصالحها لأن نسوية السبعينات قد اكتسبت طابعاً مؤسسياً، بحيث يمكن للنساء الاندماج في الاقتصاد العالمي المستفيد من عملهن البخس. 

--

أجريت المقابلة في 19 تشرين الأول/أكتوبر 2016

ونشرت باللغة الانكليزية على موقع salvage الالكتروني بتاريخ 19 كانون الثاني/يناير 2017