‫دروس من الثورة السورية‬

نشر في‫:‬الاربعاء, كانون الثاني 11, 2017 - 10:12
شعر: ياسر خنجر | تصميم: الشعب السوري عارف طريقه
الكاتب/ة: غياث نعيسة، سيمون عسّاف.
ترجمه‫/‬ته الى العربية‫:‬ وليد ضو      
المصدر‫:‬      

تحدث الاشتراكي السوري والعضو في تيار اليسار الثوري في سوريا، غياث نعيسة، إلى سيمون عساف عن الفظائع في سوريا وأهداف المتدخلين فيها وتطلعات الاشتراكيين في المنطقة.

سيمون عساف: لنبدأ مع مسألة الامبريالية. ما هي الأهداف التي تأمل القوى المتدخلة في سوريا أن تحققها خاصة روسيا والسعودية والولايات المتحدة وتركيا؟

غياث نعيسة: تشكل سوريا حقلا للدراسة مثيرا للاهتمام خاصة لأن تقريبا كل القوى الامبريالية والإقليمية تحتشد فيها.

لنبدأ الحديث أولا عن تدخل روسيا وحلفائها، الامبريالية الروسية لها مصالح جيو استراتيجية كبيرة في المنطقة. بعد ليبيا، تشكل سوريا اليوم المعقل الأخير حيث لروسيا وجود عسكري منذ عقود. وتقيم قاعدة بحرية عند شاطئ طرطوس، والتي وسعتها في السنوات الأخيرة، بالإضافة إلى قاعدة جوية في حميميم بالقرب من اللاذقية. إذا، على المستوى الجيو استراتيجي، إذا خسرت روسيا سوريا فلن يكون لها أي وجود أو ممر للنفوذ السياسي في حوض البحر المتوسط.

تجتمع هذه المصلحة الخاصة مع أخرى عامة أكثر. منذ صعود فلاديمير بوتين، سعت روسيا لاستعادة مكانتها بين القوى الكبرى- حتى تحصل على اعتراف القوى الامبريالية الأخرى بمكانتها بينهم، وبالقوة إن لزم الأمر. وهذا ما طبع أعمالها خلال تدخلها في أوكرانيا واليوم في سوريا.

لفهم "المعسكر" الامبريالي الآخر، أي الولايات المتحدة وحلفائها، علينا البدء منذ بداية الغزو الأميركي- البريطاني للعراق عام 2003 الذي انتهى بالفشل والهزيمة. وكان لانسحاب القوات الأميركية من العراق عرضا لافتا لفشل الامبريالية الأميركية في المنطقة برمتها وفي العراق بوجه أخص. ما يحصل اليوم مع داعش قد سمح بعودة الولايات المتحدة إلى المنطقة، ليس فقط إلى العراق إنما إلى سوريا أيضا، على الأقل ضمن حدود "تدخل منخفض التكلفة". هذا يعني أنها ليست بحاجة لنشر قواتها البرية إنما تتدخل جوا بكثافة.

لذلك، على افتراض أنه لمواجهة داعش، كان على الولايات المتحدة أن تعود إلى العراق. وفي سوريا، حيث كان للولايات المتحدة في السابق دورا ضئيلا ويقتصر على الحضور الدبلوماسي، باتت اليوم تتدخل بشكل مباشر. فقد نشرت قوات خاصة حول الحدود في الشمال، وبالطبع من خلال الطائرات الحربية. هذا هو المحك بالنسبة للولايات المتحدة- مصلحتها في العودة إلى منطقة أجبرت على الرحيل منها. هذه المنطقة مهمة بالنسبة إلى الولايات المتحدة، حيث أن حلفاءها، أي الكيان الصهيوني ودول الخليج، قد تعرضوا للتهديد بفعل الانتفاضات والثورات التي اجتاحت المنطقة.

جزء من اليسار الجذري ينتقد السياسات الأميركية في المنطقة لـ"عدم فعلها" أي شيء. ولكن هذا الأمر ليس صحيحا. الولايات المتحدة تدخلت؛ وقد قامت بالعديد من الأشياء. سياستها تجاه سوريا كانت تدفع باتجاه اقتتال عدة مجموعات من جهة. ولكن كان هدفها أيضا تدمير القدرات الاقتصادية والعسكرية لسوريا، إلى درجة لا يستطيع فيها النظام- أو أي نظام يأتي بعده- من تشكيل أي تهديد للكيان الصهيوني.

والجدير بالذكر أن الولايات المتحدة لم تتخذ في البداية موقفا حازما تجاه الثورة السورية. فقد دعا باراك أوباما زين العابدين بن علي إلى الرحيل بعد أسبوعين على بدء الثورة التونسية، وطلب من حسني مبارك ذلك بعد أسبوع واحد من الثورة المصرية. ولكن أول إعلان له حول بشار الأسد كان في شهر آب/أغسطس عام 2011 أي بعد خمسة أشهر على بدء الثورة.

ومن الدول الإقليمية الأخرى التي تتدخل فهي دول الخليج، بقيادة السعودية. في الشهر الأول من الثورة السورية، قدمت السعودية لنظام الأسد مساعدة بقيمة 3 مليار دولار. فقد رأوا في اتساع وجذرية الانتفاضة الشعبية، أنها بدينامياتها تشكل خطرا على الأنظمة الرجعية والديكتاتورية في المنطقة. عندما تدخلت كان ذلك ضد النظام ولكن لصالح الفصائل الإسلامية المتطرفة، سواء تلك المدعومة مباشرة من السعودية أو عن طريق عدة منظمات تحت إشراف سعودي. وقد تدفق التمويل والمقاتلون باتجاه الفصائل المتطرفة مثل جبهة النصرة وأحرار الشام، وكان الجيش الحر يصارع للحصول على تجهيزات، احتلت هذه المجموعات الواجهة خلال المرحلة العسكرية من المواجهة في سوريا.

النقطة الثانية، هي أن السعودية تنافس إيران. فقد شهدت السعودية على تمدد النفوذ الإيراني في العراق- والفضل يعود بالمناسبة إلى الولايات المتحدة- وكما شهدت على مساعدة حليفي إيران، روسيا وحزب الله، النظام السوري. لذلك انتصار النظام وحزب الله على الثورة السورية يشكل تهديدا للسعودية ومن شأن ذلك الحد من نفوذها في المنطقة. وبالنسبة إلى إيران فإن النظام السوري هو حليفها منذ حرب الخليج الأولى، عند نشوب النزاع الدموي والقاتل بين النظام الإيراني وصدام حسين في العراق. تلك الحرب التي قتلت وأصابت الملايين وسببت دمارا كبيرا للبلدين، بمساعدة من الدول الامبريالية. تملك إيران أيضا مصلحة في الحفاظ على نفوذها في المنطقة الممتدة من العراق مرورا بسوريا وصولا إلى لبنان. فدعمت إيران النظام عسكريا منذ البداية، وانضم إليها حزب الله عام 2012. وعام 2013، صرح حسن نصر الله أن الحزب يتدخل في سوريا حماية للمقامات الشيعية المقدسة في سوريا ضد التكفيريين. إذاً المحور الإيراني كان جزءا من الصراع السوري منذ البداية.

ألهب هذا التنافس الجانب الطائفي من الصراع. من جهة، ساعدت السعودية الإسلاميين المتطرفين، ومن ناحية أخرى، تدخلت إيران تحت شعارات دينية خاصة بها. هذه الأطراف نمت النزاع الطائفي الذي كان غائبا عن الثورة السورية.

بالنسبة إلى تركيا إن رهاناتها مختلفة قليلا. كانت المسألة الكوردية كابوسها منذ تأسيس الدولة التركية. حيث يسكن العدد الأكبر من الكورد داخل حدود تركيا. الثورة السورية سمحت بتحرر الشعب الكوردي في سوريا وطرحت بشدة مسألة التحرر الوطني الكوردي.

سمحت الثورة السورية والجانب العسكري للصراع بسيطرة حزب الاتحاد الديمقراطي الكوردي على منطقة واسعة تدعى روجافا (كوردستان السورية)، والتي تضم ثلاثة كانتونات هي الجزيرة وكوباني وعفرين. مع ذلك، فقد افتقرت إلى بعض المناطق الواقعة بين كوباني وعفرين. وقدرة القوات الكوردية وحلفائها العرب لربط الكانتونين يسمح باتصال المناطق وإقامة منطقة من الحكم الذاتي بشكل فعال في شمال سوريا. لذلك تدخلت تركيا لمنع حصول أي اتصال جغرافي بين الجزيرة وكوباني في الشرق وعفرين في الغرب. كان لتركيا هدفين على الأقل- سحق التطلعات الكوردية لتحقيق الحكم الذاتي في سوريا، والتي سيكون لها عواقب داخل تركيا، والهدف الثاني هو التأكد من أن مستقبل سوريا لن يتقرر ما لم تشارك تركيا بذلك بشكل فعال.

وأخيرا، يجب ألا ننسى الكيان الصهيوني. فمنذ بداية العام 2011، أعلن إيهود باراك أنه يجب ألا تسير سوريا على خطى العراق. يجب تحسين النظام، ولكن يجب الحفاظ على الجيش السوري وحزب البعث، ولكن الكيان الصهيوني يريد اضعاف سوريا عسكريا واقتصاديا، ولكن من دون اسقاط النظام الذي سيؤدي إلى حرب أهلية مفتوحة تهدد الكيان الصهيوني وكامل استقرار الامبريالية في المنطقة.

ما هي طبيعة نظام الأسد؟

تاريخيا، كان الجيش هو الذي يستولي على السلطة، مع وصول حزب البعث وما يمكن تسميته بالبرجوازية الصغيرة أو الطبقة الوسطى. فقد وصف توني كليف الحالة التي يكون فيها كل من البروليتاريا والبرجوازية ضعيفين، يمكن للطبقة الوسطى أن تلعب دورا رئيسيا، في نوع من ثورة منحرفة (1).

عندما استولى حزب البعث والجيش السلطة كانا يمثلان الطبقة الوسطى في مواجهة البرجوازية التي أضعفت، خاصة بعد تأميمات نظام عبد الناصر والإصلاح الزراعي خلال الاتحاد بين مصر وسوريا خلال الأعوام 1958- 1961 (2). في الخمسينيات شهدنا نمو قوة الشيوعيين. كان اليسار قويا والتحدي الذي تشكله الطبقات الشعبية قد أصبح خطرا على كل من البرجوازية والنظام، فاختارت البرجوازية الوحدة مع مصر في محاولة منها لقطع الطريق أمام هذا التصعيد الجذري. وكانت فترة طويلة من انعدام الاستقرار السياسي في سوريا، مع انقلاب أو اثنين في السنة تقريبا منذ العام 1949. 

قام النظام البعثي بسلسلة من الإصلاحات- خاصة في ظل الجناح الراديكالي للحزب، الذي تولى السلطة بين عامي 1966 و1970- كانت إيجابية نسبيا والأكثر راديكالية في المنطقة. وهذا ما زاد في ضعف البرجوازية السورية، لدرجة الانهيار.

استولى حافظ الأسد السلطة عقب انقلاب قام به عام 1970 وحكم البلاد طيلة 30 عاما. في البداية لعب دورا بونبارتيا بشكل نسبي. وفي وقت جرى تدمير جميع البنى الاجتماعية القديمة، ساعدت الدولة على إنشاء مؤسسات جديدة. كماركسيين نعترف بأن الدولة يمكن أن تؤثر على تطور الطبقات الاجتماعية. ساعد النظام السوري على تشكيل برجوازية سورية "جديدة- قديمة" ترتبط ارتباطا وثيقا بالدولة. ارتبط كبار البيروقراطيين من خلال الزواج أو العلاقات التجارية مع البرجوازية التقليدية القديمة. ومن خلال الفساد بات هؤلاء البيروقراطيين أغنياء للغاية وسعوا لاستثمار الثروة الجديدة في الاقتصاد. هكذا، وشيئا فشيئا، بدأ النظام بكسر احتكار الدولة للاقتصاد، خاصة مع قانون الاستثمار رقم 10 الصادر عام 1991، والذي فتح الاقتصاد لرأس المال الخاص. تحول البيروقراطيون الفاسدون أنفسهم ومن خلال علاقاتهم مع البرجوازية القديمة، التي لم يعد لها نفس القدرة على الاستثمار. وقد ضخوا ثرواتهم في القطاع الثالث من الاقتصاد وخاصة البناء والمصانع والسياحة، ومن التسعينيات أصبحت البرجوازية الجديدة مرتبطة عضويا بنظام الأسد.

في الوقت عينه أشرف حافظ الأسد على تقاسم غير معلن ولكن ثابت لمناصب في أجهزة الدولة على أسس طائفية أو مناطقية. على سبيل المثال، كانت كل حكومات الأسد تتكون من وزيرين درزيين، ورئيس حكومة سني ووزير الدفاع أيضا. وكان قادرا على دمج كل الزعامات الدينية في الدولة. على الرغم من إلحاده- كان يحرص على المشاركة في الصلاة على الطريقة السنية- وكان يشارك في المناسبات الدينية المسيحية واليهودية. كانت نتيجة سياسة الإدماج واضحة في الثورة السورية حيث وقف كل ممثلي الطوائف مع النظام.

منع القمع تطور أي تنظيم سياسي أو نقابي أو مدني بشكل مستقل عن النظام. واعتقل النظام الآلاف من المعارضين السياسيين والنقابيين لفترات زمنية طويلة جدا. وقد سجن أحد أقربائي لمدة 25 عاما- سجن بعمر 33 سنة وخرج بعمر 58 سنة. ترك الناس تتعفن في السجن لفترات طويلة. كانت قبضة النظام شديدة على المجتمع، وكنا بحاجة إلى جيل شجاع على نحو خاص لتحديه.

عندما ورث بشار الأسد السلطة من والده [الملعونة روحه مليون مرة] عام 2000، كان حوالي 11 بالمئة من السكان يعيشون تحت خط الفقر. بعد 10 سنوات من حكمه أصبحت تلك النسبة 33 بالمئة. وهذا يعني أن بشار الأسد قد طبق في سوريا سياسات نيوليبرالية الأكثر تطرفا ووحشية من كل المنطقة- أسوأ من المغرب ومن مصر وأسوأ حتى من الأردن. اعتقد بأنه لن يلقى أي معارضة، أو مقاومة. اعتقد أنه ورث مجتمعا مسحوقا. فسمح لنفسه بتطبيق سياسات اجتماعية التي، في غضون 10 سنوات، جعلت من 50 بالمئة من السكان يعيشون بدولارين باليوم.

كيف غيرت الثورة من طبيعة النظام؟

الحرب والتدخلات والثورة والتحولات الديمغرافية كلها غيرت من طبيعة النظام. الآن، هو ليس أكثر من ميليشيا عائلة واحدة وحلفائها- تشكل البرجوازية السورية نواتها الصلبة- ميليشيا عشيرة في حالة حرب مع الشعب.

هل من الصواب أن نقول، كما يعتقد البعض، أن الثورة تأخذ اليوم شكل صراع طائفي؟

هذا الأمر صحيح بشكل جزئي. نعم، من جهة لدينا المجموعات الإسلامية التي هي طائفية ورجعية. ومن جهة ثانية، النظام يستعمل أيضا الميليشيات الشيعية الطائفية مثل حزب الله والمليشيات الأفغانية والإيرانية. هذا هو الواقع. ولكنه ربما يشكل نحو 100 ألف أو 200 ألف شخص. هل هذا يمثل مجمل الشعب السوري؟ لكن دعني أخبرك أولا انطلاقا من تجربتي.

لقد ذهبت إلى سوريا عدة مرات خلال هذه السنوات. لم أتعرض لعداء طائفي أو مذهبي. بالإضافة إلى ذلك، لقد خرج عدد قليل من رفاقنا في التيار من سوريا في الأشهر القليلة الماضية. للقيام بذلك فإنهم اضطروا للمرور عبر مناطق يسيطر عليها الإسلاميون وبعض الرفاق من الأقليات الدينية التي لا يوافق الإسلاميون السنة على وجودها. لكنهم لم يعترضوا سبيلهم؛ ولم يعدموهم. السكان قالوا لهم: "أنتم أخوة لنا". واحد من هؤلاء الرفاق أمضى شهرين في تلك المنطقة قبل أن يتمكن من الوصول إلى تركيا.

والحقيقة هي أنه لو كان هذا الصراع طائفيا لرأينا المجازر الطائفية بشكل مستمر. لقد حصلت بعض المجازر الطائفية وارتكبت في البداية على يد النظام ومن ثم على يد بعض الجماعات الإسلامية. لكنها متفرقة ومحدودة النطاق. حتى الآن سقط في سوريا 600 ألف قتيل. أما عدد القتلى في صراعات طائفية ربما بلغ 1100 قتيل. لم نر أي شخص ذبح قرية علوية بأكملها، قاطعا آلاف الرقاب. لقد حصلت حوادث. ولكن بشكل عام الناس ليسوا بطبيعتهم طائفيين. في المناطق الخاضعة لسيطرة النظام، نجد مهجرين من كل سوريا. يسكن في اللاذقية وحدها مليون ونص من السنة وغير السنة، إلى جانب العلويين في وقت يموت الجنود العلويين بالعشرات. ولكن هل سمعت بأن هؤلاء السنة قد جرى ذبحهم انتقاما؟ لا، لأن ذلك لم يحدث. على مستوى الناس العاديين لم يتحولوا بعد إلى وحوش طائفيين.

القول بأن ما يحصل هو صراع طائفي وأنه لا يمكن فعل شيء هو أسهل طريقة لرفض واجب التضامن مع نضال الشعب السوري. من دون شك هناك جانب طائفي، ولكن هناك بقية الجوانب وهي في صلب ما يحصل، في قاعدتها، هناك ثورة شعبية، تخبو وتصعد، وتتحول، وتشهد تحولا وتدخلا امبرياليا وسياسة الأرض المحروقة، وتراجعا في الحركة الشعبية ولكن لا يعني أبدا أننا نستطيع القول لقد خسرنا كل شيء!

ما هو واقع قوى الثورة والمجموعات المسلحة المختلفة؟

أولا، دعنا نتحدث عن الجيش السوري الحر الذي نسمع كثيرا حوله. يخطئ العديد من المراقبين عندما يتحدثون عن الجيش الحر كما لو أنه جيشا واحدا له نظامه وبنيته. في الواقع هي تسمية تشمل عدة ظواهر. لفهم ما هو هذا الجيش علينا العودة إلى الوراء لفهم كيف بدأ. مع عسكرة الانتفاضة، بدءا من النصف الثاني لعام 2011، بدأنا نلاحظ حصول ظاهرتين.

من جهة، كان هناك بعض الناس الذين كانوا يتظاهرون ويطلق عليهم جنود النظام النار ويقتلون كالعصافير، قرروا حمل السلاح وحماية أنفسهم. هؤلاء الأفراد أحضروا السلاح لحماية المظاهرات. في الوقت عينه تزايد عدد الفارين والمنشقين من الجيش. في نهاية العام 2011 وخاصة عام 2012 بلغ عدد المنشقين 20 إلى 30 ألف جندي مع أسلحتهم. من هذه الظواهر أنشىء الجيش الحر.

كان يشبه إلى حد كبير ما نسميه التنسيقيات. في كل حي، وفي كل قرية، نظم الناس أنفسهم، وأنشأوا التنسيقيات التي كانت تدعو للمظاهرات، وتقرر مسارها وتتوافق على شعاراتها، والتخطيط لطرق الهروب عند وصول قوات النظام وتنظيم معالجة وإجلاء الجرحى. كان ذلك ظاهرة محلية، وكانت لها نقطة ضعف وقوة. كانت ضعيفة لأنها افتقرت لشبكة تنسيق على مستوى كامل البلاد. ولكن ذلك ساعدها على الاستمرار أطول، لأنه من الصعب جدا على النظام القضاء على ما هو متعدد وشديد المحلية. 

بالمثل، الجيش الحر كان حقا مجموعة من الهاربين والناس العاديين الذين حملوا السلاح في مناطقهم المحلية. كان هناك القليل من التنسيق فيما بينهم. ساعدت القوى الإقليمية على خلقه أيضا، لكنه كان ظاهرة شعبية حقيقية. من جديد، كان لمحليته نقطة ضعفه وقوته. حتى اليوم هناك في سوريا حوالي 3000 "مجموعة مسلحة" إلى جانب المجموعات الإسلامية الكبيرة، والأخيرة هي الأفضل تنظيما، ولكن هذه الظاهرة عند ذروتها كانت أوسع منها بكثير.

من الذي أجلي من الزبداني؟ هل سمعت بهم؟ كانوا من الناس العاديين أبناء ضواحي دمشق؛ كانوا من الجيش الحر؛ كانوا عبارة عن مجموعات محلية صغيرة من هنا وهناك الذين دافعوا عن أنفسهم ووجدوا أنفسهم عالقين بين أيدي جبهة النصرة. لعب النظام لعبة ذكية حين رماهم بأيدي تنظيم القاعدة- وقد سمح ذلك له بالقول أنه لا يوجد سوى القاعدة وداعش من يحاربنا، ويجب تدمير القاعدة.

في الواقع، ظاهرة المقاومة الشعبية لم تحظ بتضامن من القوى الإقليمية، لأن واقع أن يكون الشعب مسلحا هو أمر خطير عليهم. فهي لا تقدمه إلا لبعض المجموعات المختارة بعناية.

إلى جانب ذلك، لدينا القوات الكوردية- حزب الاتحاد الديمقراطي ووحدات حماية الشعب، التي تتمتع بخبرة عقود من حرب العصابات في تركيا والجبال. وكان الحزب الكوردي الوحيد مع قوة عسكرية خاصة به. مع انسحاب النظام من بعض المناطق في شمالي سوريا عام 2012، سيطرت هذه القوى- المرتبطة بحزب العمال الكردستاني- على تلك المناطق وعززت من وجودها العسكري. حصل ذلك بدءا من تموز/يوليو عام 2012، وتبعه إقامة نوع من الإدارة الذاتية، وأنشئت وطورت وحدات حماية المرأة. في العام الماضي تحالفوا مع بعض الكتائب من الجيش الحر وشكلوا قوات سوريا الديمقراطية، قوة عربية-كوردية أو كوردية-عربية في شمال سوريا. نحن نخوض حوارا رفاقيا وثيقا مع جزء من هذا التحالف، على وجه الخصوص تحالف يضم مجموعة من السريان والتركمان والعرب له حضور في شمال وغرب حلب.

وبعد كل ذلك لديك المجموعات الاسلامية التي هي الأقوى. إذا وضعنا جانبا داعش- لأنها بالنسبة لي ظاهرة منفصلة- يوجد قوتان رئيسيتان. الأولى هي أحرار الشام، وهي ميليشيا اسلامية تريد الوصول إلى نظام سلفي وجهادي، ولكن مع هذا الفرق: لا تريد فرض الدولة الإسلامية فورا إنما في المستقبل، وفي الوقت عينه تدعو الناس في هذه الأثناء إلى الدين. والقوة الثانية متمثلة بجبهة فتح الشام، جبهة النصرة سابقا، التي تمتلك قوة عسكرية كبيرة في شمال حلب، وفي حلب عينها وحول إدلب. داخل وحول دمشق ينتشر أيضا جيش الإسلام، وهي ميليشيا بشكل إقطاعية لعائلة زهران علوش، الذي اغتيل على يد الروس عام 2015.

ماذا يحدث حول درعا في الجنوب؟

منطقة درعا لها هذه الخاصية- جغرافيتها تعتبر فخا للفئران. المجموعات هناك أمام حلين. إذا فتح النظام الأردني الحدود، يمكن لها أن تتنفس؛ وإذا أغلقها فإنها تختنق بين النظام السوري والأردن. هذه الجغرافيا تجعل هذه المجموعات حساسة جدا تجاه سياسات النظام الأردني، تجاه فتحه وإغلاقه للحدود.

وقد اضطر العديد من كتائب الجيش الحر إلى البحث عن التضامن والذخائر والأسلحة والعلاج للجرحى وأجبروا على الاعتماد اعتمادا كبيرا على الأردن. حتى الآن لا يريد الأردن حربا، والآن أغلق الحنفية. إذا، لا يستطيع هؤلاء فعل الكثير أو سيتم سحقهم.

هل المجالس المحلية التي تشكلت خلال الثورة لا تزال موجودة؟ وماذا تفعل؟

أهم شيء ميز الثورة السورية هو أنها تمكنت من إنشاء- أو أن الجماهير الشعبية كانت قادرة على إنشاء- أجهزة التنظيم الذاتي. كانت تسمى التنسيقيات المحلية التي تحدثنا عنها أعلاه، واعتبارا من العام 2012، بات اسمها المجالس المحلية أو المدنية، وهي أجهزة إدارة ذاتية لإدارة الحياة اليومية. عام 2011 و2012 وحتى في جزء من العام 2013، مثلت المجالس ظاهرة هائلة. أينما كان النظام غير موجود- وحتى في بعض الأماكن التي يسيطر عليها- أنشىء جهازان للتنظيم الذاتي والإدارة الذاتية.

لكننا شهدنا عام 2013، من جهة، داعش وانتشار المجموعات الإسلامية الرجعية والطائفية، ومن جهة أخرى، تضاعف عنف النظام. وكانت تلك النقطة التي بدأ عندها تطبيق سياسة الأرض المحروقة بوحشية، مع تدمير البنى التحتية والبيوت… وفي تلك السنة ازدادت موجات اللاجئين السوريين. وأيضا أضعفت تلك المجالس والتنسيقيات، مع موت من كان يديرها أو نزوحه أو تهجره. لهذا السبب نتحدث عن تقدم الثورة المضادة بدءا من العام 2013 وتراجع الحركة الشعبية.

التراجع لا يعني الاضمحلال.

اليوم، قبل ساعة من هذه المقابلة [نشرت المقابلة يوم 18 كانون الأول] خرجت مظاهرة في مدينة زاكية بالقرب من دمشق. اليوم، لا يزال هناك بعض التنسيقيات، وإن بحالة ضعيفة. الحركة الشعبية لم تمت. كل مرة تتوقف المدافع تعود الجماهير الشعبية للتظاهر؛ وتولد من جديد. ونحن نرى ذلك على الرغم من الدمار، على الرغم من الحرب، على الرغم من المجزرة، وعلى الرغم من النزوح والهجرة.

لا تزال موجودة ولكنها ضعيفة. نشارك في بعض لجان التنسيق في ظل ظروف صعبة للغاية، وهناك بعض المجالس المحلية التي لا تزال ناشطة. هناك تراجع في تنظيم الحركة، والحركة الشعبية قد ضعفت، لكنها على قيد الحياة.

السؤال الكبير: ما العمل؟ ما استراتيجية اليسار الثوري في سوريا؟

وجهة نظر منظمتنا الاشتراكية الثورية في سوريا على المدى القصير، تيار اليسار الثوري، تتضمن العديد من المهام. بالطبع، نحن بحاجة إلى البقاء على قيد الحياة- من أجل الحفاظ على بأسنا واستقطاب مناضلين جدد. ثانيا، نحن بحاجة إلى المشاركة في جميع النضالات التي تحصل والإبقاء على التنسيقيات والمجالس المحلية على قيد الحياة. أينما يوجد نضال، ومهما كانت ظروفه، علينا أن نكون جزءا منه. مهما كانت صعوبة الظروف مهمتنا هي المشاركة في النضال وفي الوقت عينه بناء الحزب. نحن ننتج مجلتنا داخل سوريا. وعندما تنظر إليها تجد بعض الأغلاط الطباعية والأخطاء الإملائية والنحوية- لا يهم. ما يهم هو أن الناشطين هم هناك، وليس من هو في المنفى كحالتي، وهم من ينتجون المجلة ويوزعونها في الداخل. هي تجربة تعلمية، في ظروف صعبة حيث نادرا ما يأتي التيار الكهربائي.

تلك هي نصف المهام. أما الجزء الثاني فيتمثل بحاجتنا إلى إنشاء جبهة موحدة، تجمع كل قوى اليسار وكل القوى الديمقراطية والثورية في سوريا. جبهة يمكن أن تشكل قطبا مختلفا عن المعارضة البرجوازية والنظام وحلفائه أو المجموعات الإسلامية المتطرفة. لقد قمنا ببعض الخطوات بهذا الاتجاه، على الرغم من الصعوبات. لقد أعلنا عن اتفاق تعاون مع التحالف الديمقراطي، الذي يضم عددا من الأحزاب من بينهم قدامى الشيوعيين. نحن بحاجة اليوم إلى مثل هذه الجبهة لما يمكن أن تمثله من ثقل في الحاضر والمستقبل. نحن لا نتحضر من أجل الحاضر إنما أيضا من أجل الفترة المقبلة. الوضع الحالي لا يمكن أن يستمر إلى الأبد. سيأتي وقت وتتوقف فيه الحرب والقصف، ويجب أن نكون مستعدين لذلك. علينا أن نكون أقوياء لتأسيس أنفسنا بين السكان، والطبقات الشعبية. سنحتاج لأن نكون معهم والتأكد من أن مصير سوريا لا تقرره القوى الامبريالية أو الإقليمية أو البرجوازية السورية.

نحن بحاجة إلى خلق ميزان القوى هذا من اليوم. هذا ما نسميه ركائزنا الثلاثة التي نعمل على أساسها: نضالات الجماهير، بناء الحزب، وتشكيل جبهة موحدة للقوى الديمقراطية. بالطبع، لدينا أيضا شعاراتنا: "لا واشنطن، ولا موسكون لا الرياض ولا أنقرة ولا طهران". علينا تثقيف الجماهير، والتأكيد على أن الحل لن يأتي من الحكومات، إنما الشعب السوري نفسه من يجب أن يقرر مصيره بنفسه. وكذلك بهدف الضغط على المعارضة البرجوازية في مفاوضاتها مع النظام، وليس القبول بإعادة انتاج النظام نفسه مع بعض التعديلات ونيل بعض الحصص لصالحهم فيه.

نحن بحاجة إلى تعميق نضالات الجماهير السورية للحصول على أكبر قدر من التغيير الديمقراطي الاجتماعي والسياسي. المعركة طويلة جدا، لذلك نحن بحاجة لبناء ذاتنا لمواصلة النضال لفترة طويلة مقبلة.

هل أنت متفائل أم متشائم؟

أنا متفائل جدا، على عكس المزاج العام. هي معركة صعبة. ولكن أنظر، ثورتنا مستمرة منذ ست سنوات: ما هي الدروس التي نستخلصها من هذه السنوات الست؟

أولا أنه يمكننا أن نثور، وأن النظام لا يمكنه سحق إرادة الشعب، مهما فعل، أيا كانوا حلفاءه. شيء ما انكسر في النظام. شيء ما وصل إلى نهايته. حتى لو كان الروس والأميركيون، وبقية القوى، يريدون فرض وضع يبقى فيه بشار الأسد وعصابته في السلطة، لكنه لن يستطيع أن يحكم كما في الماضي.

هناك البيئة "الموالية" التي تسمح ببقاء النظام: أكثر من 10 مليون نسمة، حوالي نصف عدد السكان، والذين ما زالوا تحت سيطرة النظام. وهؤلاء يكرهون النظام. يعيشون الشهادة كل يوم. هناك تخرج مظاهرات ضخمة ضد النظام وضد عائلة الأسد. وستحصل انفجارات اجتماعية في المستقبل، في الأمكنة التي يعتقد النظام أنها الأكثر استقرارا، التي هي بالفعل الأقل استقرارا. ولت الأيام التي كان يمكن خلالها لأحدهم أن يحكم الشعب السوري بالقول: "أغلق فمك، سأفعل ما يحلو لي".

وبعد ذلك علينا استخلاص الدروس من هذه التجربة. منذ زمن طويل، إذا كنت واحدا من "قدامى" الاشتراكيين الثوريين وتريد التحدث عن الاشتراكية، كان يمكنك أن تقول أن الهدف هو دولة عمالية قائمة على أساس المجالس العمالية والفلاحية… وكان الناس يسألون أسئلة، وكنت تجيب: "لقد أقيم كل ذلك على الأقل لفترة من الزمن في هنغاريا وألمانيا وخاصة في روسيا". ولكن ذلك كان بعيدا عن تجربة الناس. اليوم المسألة باتت أسهل. التنظيم الذاتي بات أسهل فهمه بفضل التنسيقيات والمجالس المحلية. الشعب السوري، ومن دون قراءة لينين وتروتسكي، قد حقق ذلك بالفعل من خلال نضالاته. عندما نتحدث عن المجالس العمالية والفلاحية، سيفهمونها لأنهم حققوا ذلك؛ من خلال تجربتهم الشخصية.

الدرس الثالث يتعلق بالقوى الإسلامية، الذين قالوا دائما أن الإسلام هو الحل. لقد تم استنفاد هذه الفرضية اليوم في سوريا. لقد عاش الناس ماذا يعني ذلك عندما فرضت القوى الدينية الإسلامية نموذجها للحكم. لقد اختُبِرت هذه النظرية وفشلت.

بالنسبة إلى الاشتراكية، إن ذلك يعتمد علينا. نحن نعتقد إن ذلك هو الحل الوحيد، الحل الأكثر إنسانية وتحقيقا للمساواة للجماهير في سوريا وفي كل الأماكن. لكن النضال سيستمر.

--

* نشرت المقابلة باللغة الانكليزية في العدد 153 شتاء 2017 من مجلة الاشتراكية الأممية، كما نشرت ترجمة المقابلة إلى اللغة الفرنسية في موقع contretemps الالكتروني بتاريخ 10 كانون الثاني/يناير 2017

الهوامش: 

(1) www.marxists.org/archive/cliff/works/1963/xx/permrev.htm

(2) http://isj.org.uk/suez-and-the-high-tide-of-arab-nationalism