حزب الله والعمال

نشر في‫:‬الأحد, كانون اول 11, 2016 - 18:09
من ملك استأثر | منير الشعراني
الكاتب/ة: جوزف ضاهر.
ترجمه‫/‬ته الى العربية‫:‬ وليد ضو      
المصدر‫:‬      

يظهر سجل حزب الله بأن مصالحه تتوافق مع النخب أكثر من العمال.

على الرغم من سمعته المتراجعة في السنوات الأخيرة، حاز حزب الله منذ فترة طويلة على إشادة الأحزاب اليسارية لمقاومته العسكرية لإسرائيل. وأشار العديد من الأشخاص إلى أن تقديماته الاجتماعية تعطي مسحة تقدمية للحزب.

الادعاء الأخير، لا يعكس واقع الأمر. فلطالما وضع حزب الله نفسه على الجانب الخطأ من النضالات الاجتماعية والاقتصادية في لبنان متخليا عن بعض من جذوره السابقة، متحالفا في الوقت عينه مع البرجوازية الشيعية الناشئة. وبذلك، وإلى جانب الحركات الطائفية الأخرى في البلد، يمنع من ظهور سياسات طبقية واسعة في لبنان.

حزب لـ الله والفقراء؟

يصور حزب الله نفسه كحزب المحرومين، والذي يتحدى الحرمان ويدافع عن حقوق الفلاحين، والفقراء والعمال، والمشردين. في وثيقته السياسية الصادرة عام 2009، أعلن الحزب أن:

"إن تحكم قوى الرأسمالية المتوحشة، [بقيادة الولايات المتحدة والدول الغربية] المتمثلة على نحو رئيس بشبكات الإحتكارات الدولية من شركات عابرة للقوميات بل وللقارات، والمؤسسات الدولية المتنوعة، وخصوصاً المالية منها، والمدعومة بقوة فائقة عسكرياً، أدى الى المزيد من التناقضات والصراعات الجذرية…". 

على الرغم من هذا النص، لم تظهر توجهات حزب الله النظرية والسياسية أي بديل منهجي للنيوليبرالية- وبشكل أقل الرأسمالية- في لبنان. دامجا برعونة بين دعمه لأهداف العدالة الاجتماعية والاجراءات النيوليبرالية.

يمكن أن نجد هذا التناقض في الفكر السياسي عند أهم الشخصيات من الأصولية الاسلامية الشيعية مثل محمد باقر الصدر، رجل دين شيعي والمؤسس الأيديولوجي لحزب الدعوة الاسلامي العراقي وخاصة وروح الله الخميني الذي أصبح الزعيم الديني الأعلى للجمهورية الاسلامية الايراني عام 1979.

الصدر كتب عدة كتب من بينها كتابين- فلسفتنا عام 1959 واقتصادنا عام 1961- بهدف مواجهة الماركسية والأفكار العلمانية. وكانت أطروحته الأساسية تكمن في تقديم الاسلام كبديل تقدمي لمواجهة نظريات اليسار. روج الصدر لـ "نظام اقتصادي اسلامي" كطريق ثالث بين الرأسمالية والاشتراكية. برأيه، المشاكل الاجتماعية والاقتصادية كانت نتيجة لسوء تصرف رجل- إذا، الحل يجب أن يكون دينيا.

في الوقت عينه، استعمل الخميني الخطابات الاقتصادية لكسب التأييد لمشروعه الإسلامي. في فترة 1979- 1982، وفي ذروة الثورة والمظاهرات الشعبية في إيران، قدم الخميني إسلاما من منظور العدالة الاجتماعية، مشيدا بالمحرومين (الذين يساوون القطاعات الأكثر فقرا داخل المجتمع) وأدان الظالمين- أي الأغنياء، سكان القصور الجشعين، ورعاتهم الخارجيين.

كان لهذه الخطابات الشعبوية دورا فعالا في تعبئة العمال في المدن ضد نظام محمد رضا بهلوي الملكي. ولكن بعد العام 1982، وخلال توطيد ركائز النظام الإسلامي الجديد والمترافق مع قمع المعارضة (خاصة تلك اليسارية)، وقد أكد بشكل متزايد على احترام الإسلام للملكية الخاصة ووصف أن البازار (الأسواق التجارية) هو ركيزة أساسية من ركائز المجتمع. وقد رسم تدريجيا ثلاث طبقات أساسية: طبقة عليا تتألف من بقايا العائلات الثرية القديمة، وطبقة وسطى تتشكل من رجال الدين والمثقفين والموظفين الحكوميين والتجار وأصحاب المحال التجارية، والطبقة الدنيا المتكونة من العمال والفلاحين وسكان الأحياء الفقيرة.

توقفت كلمة "المحرومين" عن أن تكون فئة اقتصادية لتصف الجماهير المستغلة، وأصبحت بدلا من ذلك التسمية السياسية لمؤيدي النظام الجديد، بمن فيهم تجار البازار الأثرياء. وتم التراجع عن خطاب النضال الطبقي مع الخميني بحجة أن الاسلام سعى لإقامة علاقات متناغمة بين أصحاب المصانع والعمال وبين ملاك الأراضي والفلاحين.

على نسق الصدر والخميني، أيدت أفكار حزب الله الاقتصادية باستمرار السوق ودافعت عن الملكية الخاصة باعتبارها ركيزة أساسية، على الرغم من تأييده للعدالة الاجتماعية، طوال فترة النيوليبرالية في لبنان، عنى هذا التوجه دعم حزب الله لاتخاذ تدابير مثل الخصخصة وتحرير التجارة والانفتاح على رأس المال الأجنبي وذلك لم يعتبره الحزب متناقضا مع التزامه التصدي للفقر وانعدام المساواة.

توضح مصادر تمويل حزب الله برنامجه الاقتصادي المحافظ. فتستند الموارد المالية للحزب على الدعم، أولا من إيران (تتراوح التقديرات بين 100 مليون دولار و400 مليون دولار سنويا) ومن ثم من الطبقة الوسطى والبرجوازية الشيعية، وأموال الزكاة التي يجمعها الحزب نيابة عن الخميني.

في نهاية المطاف، كما هو الحال مع الخميني، يؤمن حزب الله بوحدة المجتمع وبالتعاون بين الطبقات، حيث على العمال ألا يطلبوا أكثر مما يأخذونه من البرجوازية، وعلى الأخيرة أن تقوم بأعمال خيرية لصالح الفقراء. وينظر إلى الصراع الطبقي كمفتت للمجتمع (الأمة). بذلك تخنق أي دعوة للوحدة الطبقية في المجتمع اللبناني المنقسم.

الخصخصة ونزع الاستثمارات

مظاهر هذه الأيديولوجيا من الصعب أن يتم تفويتها. بعد مؤتمر باريس 2 عام 2003، لم يعلق حزب الله- لم يكن جزءا من الحكومة- ولم يقيم الآثار الاجتماعية المترتبة على خصخصة أصول الدولة. هذا على الرغم من أن الهدف من الخصخصة كانت شركة طيران الشرق الأوسط، التي يعمل فيها المئات من العمال الشيعة الذين تم تسريحهم بعد خصخصة الشركة.

احتمال أن يفقد 1200 إلى 1500 عامل عملهم ينتج اضرابات كبيرة. فقد شارك رئيس اتحاد الوفاء لنقابات العمال والمستخدمين في لبنان التابع لحزب الله، علي طاهر ياسين، في المفاوضات كممثل للعمال. وقد أعلن في مقابلة أن الخصخصة لن تؤذي العمال أو الشعب بشكل عام.

في العام التالي، دعا الاتحاد العمالي العام إلى إضراب عام احتجاجا على ارتفاع الأسعار والتضخم. شلت حركة الإضراب كامل البلاد. وبحسب، رئيس اتحاد نقابات سائقي السيارات العمومية للنقل البري، عبد الأمير نجدة، فإن النخبة السياسية قد ضغطت على الاتحاد العمالي العام لإنهاء الإضراب. العمال، وخاصة أولئك الذين يعملون في قطاع النقل- عارضوا قيادتهم ودعوا إلى استمرار الإضراب.

في الواقع انسحبت قيادة الاتحاد العمالي العام من الإضراب، الأمر الذي سمح بتدخل الجيش اللبناني. وقد أطلقت القوى الأمنية النار على المتظاهرين، الذين تجمعوا في حي السلم، أحد أفقر الأحياء في الضاحية الجنوبية، فسقط 5 شهداء وجرح العشرات.

أيدت الأحزاب السياسية الرئيسية، ومن بينها حزب الله، الجيش، قائلة: "إن الجيش خط أحمر". وصورت معظم وسائل الإعلام الإضراب بأنه "محاولة وحشية من الشيعة لمهاجمة الجيش". وبقي الاتحاد العمالي العام صامتا تماما.

بعد عدة أيام، أعلن، أمين عام حزب الله، حسن نصر الله، خلال مؤتمر صحافي له، وجود صلات بين أفراد وسفارة الولايات المتحدة قد حرضوا على العنف بين المتظاهرين والجيش. وقد ادعى أن "بعد اطلاق النار في حي السلم، عمدت مجموعات مرتبطة بالسفارة على نشر الفوضى والعنف في مناطق أخرى من الضاحية الجنوبية". وأضاف أن المحرضين أرادوا تقويض العلاقة الوثيقة بين الحكومة وحزب الله ونفى مزاعم أن لحزبه أي مصلحة في استقالة رفيق الحريري من الحكومة.

وعقب انسحاب جيش الاحتلال السوري، شكل فؤاد السنيورة حكومة ضمت تحالف 8 آذار و14 آذار، وللمرة الأولى حزب الله. وقد عين طراد حمادة، كممثل وحليف للحزب، وزيرا للعمل.

خلال وقت سريع واجه طراد حمادة تحرك هيئة التنسيق النقابية. والأخيرة استطاعت أن تجمع حولها ما لا يقل عن ربع مليون متظاهر يوم 10  أيار عام 2006 خلال تظاهرة مناهضة لمشروع التعاقد الوظيفي، وأجبرت الحكومة على سحب بعض المشاريع، بما فيها "تقليص المعاشات التقاعدية، وزيادة الضريبة على القيمة المضافة من 10 بالمئة إلى 12 بالمئة، ورفع أسعار الوقود بنسبة 30 بالمئة وفرض عقود عمل قصيرة الأجل على موظفي الحكومة والمعلمين".

وقد شارك حزب الله في هذه المظاهرة إلى جانب التيار الوطني الحر والحزب الشيوعي اللبناني. وهاجمت الأحزاب الحاكمة هذا التحالف، قائلة إنه بمعظمه يتألف من الشيعة وبإدارة منهم، وإن العمال السوريين قد جاؤوا من ريف دمشق وشاركوا فيه بأوامر من رستم غزالة. مرة أخرى، بقي الاتحاد العمالي العام خارج كل ذلك، وعلى الرغم من أن رئيسه غسان غصن قد شارك في التظاهرة ولكن خطابه في نهاية التظاهرة قوبل بصيحات الاستهجان والاستنكار.

تواصلت معارضة الحزب المتفاوتة للأحزاب الحاكمة في كانون الثاني عام 2007. وبعد ذلك، دعا الاتحاد العمالي العام إلى مظاهرة ضد باريس 3. حيث تظاهر حوالي 2000 شخص فقط، وذلك بسبب تقاعس حزب الله وبقية قوى 8 آذار. وفي الوقت الذي انتقد فيه بعض جوانب مؤتمر باريس 3 أوضح الحزب أنه لا يريد تعريض نتائجه للخطر. في الواقع، استمر نواب حزب الله بدعم البرنامج الإصلاحي الذي قدمه رئيس الحكومة فؤاد السنيورة على الرغم من استقالة حزب الله من الحكومة في شهر تشرين الثاني عام 2006.

في 23 كانون الثاني، دعا تحالف 8 آذار إلى إضراب عام. الهدف من التحرك لم يكن عماليا إنما مناهضة المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، التي يعتبرها حزب الله وحلفاؤه غير دستورية وخاصة لأنها تستهدف حزب الله.

سرعان ما تحول التحرك إلى اعتصامات شعبية فسدت الطرق الرئيسية في البلاد. وقد شعر المنظمون بأن الوضع قد تفاقم، فقرروا إنهاء الاعتصامات الاحتجاجية، لأنها قد تؤدي إلى "خلق توترات طائفية". وبحسب الناشط اليساري باسم شيت، خشي تحالف 8 آذار من أن الحركة الشعبية قد بدأت تتجاوز خطوط الطائفية من أجل طرح القضايا الاجتماعية والاقتصادية. بإلغاء الاحتجاج قرر الحزب التأكيد على مصالح الشيعة فقط.

من تكتيكات حزب الله تجاه مسألة النضالات العمالية، لا سيما تلك التي ظهرت بعد عام 2008، هي عدم رغبته بدعم أي حركة عمالية مستقلة وواسعة النطاق، مفضلا الاعتماد على ما هو محصور به، وخاصة الاعتداءات المسلحة ضد خصومه السياسيين. بهذا المعنى، يكون الحزب قد عزز الديناميات الطائفية داخل هذه الصراعات، وقوض أي احتمال تطور لحركة طبقية واسعة.

الإضراب الملغى خلال أيار 2008 يفسر ذلك. حيث دعت إليه مجموعة واسعة من النقابات، سائقي التاكسي والمعلمين والمزارعين، وقد طالب المتظاهرون برفع الحد الأدنى للأجور، وزيادة أجور الموظفين في القطاع العام [تعديل سلسلة الرتب والرواتب] والتي جمدت منذ عام 1996، فضلا عن المطالبة بتدابير لمحاربة التضخم.

قبل ذلك بأربعة أشهر، دعي إلى إضراب آخر مع المطالب نفسها. وقد تحولت الضاحية الجنوبية ومناطق مختلفة إلى ساحة معركة حقيقية، مع إقفال الطرق ورفض سيارات الأجرة نقل الركاب.

الإضراب الثاني ألغي بسبب اندلاع معارك في شوارع بين القوى السياسية المتعارضة. حيث هددت الحكومة التي يسيطر عليها تحالف 14 آذار بإزالة شبكة اتصالات حزب الله. ردا على ذلك، رفض حزب الله التعبئة عبر الإضراب العام واستبدل ذلك بشن اعتداءات مسلحة على المناطق الموالية لـ 14 آذار ومراكز أحزابه، وخاصة تيار المستقبل ووسائله الإعلامية.

أنهت هذه المعارك التعبئة الشعبية في الشوارع وتوقف أي احتمال لأي نضال عمالي مشترك عابر للطوائف. وبعد أسابيع قليلة على انتهاء الاعتداءات المسلحة وتشكيل حكومة وحدة وطنية جديدة، التي زادت الحد الأدنى للأجور بنسبة الثلثين من 300 ألف ليرة إلى 500 ألف ليرة. كانت هذه الزيادة أقل بكثير من مطالب العمال، وقد استفاد من هذه الزيادة العمال في القطاع الخاص فقط، وبقي موظفو القطاع العام يتقاضون نفس الأجور التي يتقاضونها منذ 12 سنة، على الرغم من أن الزيادة قد أضيفت في نهاية العام 2006 ولكن كزيادة مقطوعة على رواتبهم. 

وأوضح الباحث النقابي أحمد الديراني أن التدخل العسكري لحزب الله كان "موجها ضد إمكانية تعبئة عمالية ونقابية كبيرة تقود المواجهة مع الحكومة بطريقة ديمقراطية. حزب الله لم يحبذ هذا الخيار". الديراني حاجج أنه لو سمح للإضراب بالمضي قدما، كان يمكن أي يحقق مكاسبا اجتماعية والتصدي للتهديد لشبكة اتصالات حزب الله.

خطة نحاس

في شهر حزيران عام 2011، شكل نجيب ميقاتي حكومة جديدة بقيادة تحالف الثامن من آذار. وتولى حزب الله وزارتين هما: الزراعة (حسين الحاج حسن) ووزارة دولة (محمد فنيش). تجربة حزب الله في هذه الحكومة مفيدة، لأنها تدل على عدم رغبة الحزب بدعم تدابير الإصلاح الهامة التي تهدف إلى مساعدة العمال اللبنانيين.

وقد أخذ المبادرة وزير العمل شربل نحاس الذي بات محور هذه النقاشات. وقد تضمنت خطته عددا من الإصلاحات الاجتماعية الهامة، وخاصة إنشاء الأجر الاجتماعي الذي من شأنه تعديل رواتب موظفي القطاع العام والخاص تماشيا مع معدلات التضخم وزيادة الدعم، من بينها النقل ونظام الرعاية الصحية الشامل. واقترح فرض ضرائب أعلى على النشاطات الريعية لتمويل هذه الزيادات على الأجور. لو نجحت هذه الخطة، فإن مبادرته كانت ستساهم في قلب ضعف العمالة في مواجهة رأس المال كما كان هو الحال خلال السنوات الماضية.

وقد عارضت مجموعة من القوى السياسية نحاس. في البداية، وزير الصحة، علي حسن خليل، الذي عارض خطة الرعاية الصحية لأنه اعتبر أنها تتعدى على صلاحيته، على الرغم من أن وزير العمل- وليس الصحة- هو الوصي على الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي. وقد أشار الصحافي محمد زبيب أن معارضة خليل جاءت من حقيقة "أن وزارة الصحة والضمان الاجتماعي هي جزء من حصة نبيه بري من الكعكة، وأنه لا يمكن التنازل عن حصته في حين لا تزال حصص بقية القوى السياسية كما هي". كذلك، أعلن النقابي أديب أبو حبيب في مقابلة معه أن "حركة أمل ووزيرها للصحة لا يريدون هذا المشروع لأنهم أرادوا استخدام التغطية الصحية الشاملة لخدمة مصالحهم السياسية والزبائنية الخاصة بهم".

وبعد ضغوط من حزب الله وحركة أمل وافق شربل نحاس على فصل الرعاية الصحية عن تصحيح الأجور. والأخير بات خط معركة جديدة داخل الحكومة.

مبادرة نحاس الأولى هدفت إلى رفع الأجور إلى 890 ألف ليرة بالإضافة إلى بدل النقل. فاعترض أصحاب المؤسسات في القطاع الخاص بشدة بحجة أن إضافة بدل النقل إلى الراتب الأساسي من شأنه أن يزيد من التكاليف التي لا يمكن تحملها. بدلا من ذلك، وقعوا على اتفاق رضائي على زيادة الأجور مع قيادة الاتحاد العمالي العام ورئيس مجلس الوزراء نجيب ميقاتي. وقد أعطى هذا الاتفاق مبلغا أقل للعمال، ولم يشمل بدل النقل وبذلك بات الحد الأدنى للأجور 675 ألف ليرة.

الحكومة تبنت الاتفاق الرضائي في كانون الأول عام 2011، بمشاركة وزيرا حزب الله، فنيش وحسن، وصوتت دعما له. مشيرا إلى دور الاتحاد العمالي العام في المفاوضات، اعتبر فنيش أن "العمال والموظفين رفضوا خطة تعديل الأجور التي اقترحها وزير العمل شربل نحاس".

بعد انتقادات قوية وواسعة النطاق من موقف وزيريه، عدل حزب الله من موقفه. فأيد الإضراب والتظاهر ضد الاتفاق. وزعم وزيرا الحزب أنهما صوتا لصالح الاتفاق الرضائي لمعاقبة نحاس على عدم التنسيق، وليس لأنهما يعارضان خطته. في الواقع، اعتبرا أن اقتراح زيادة الأجور الذي أقر متدن للغاية.

على الرغم من ذلك، رفض الحزب المشاركة في مظاهرة مؤيدة لخطة نحاس. وشارك في مظاهرة 15 كانون الأول أكثر من 6 آلاف متظاهر. كما رفض الاتحاد العمالي العام المشاركة. ممثل حزب الله في الاتحاد العمالي العام، علي ياسين، أعلن أن الحزب قرر عدم تعبئة قواعده لأن المسيرة تتعارض مع المجلس التنفيذي للاتحاد العمالي العام. خلال المظاهرة، أعلن العديد من المتظاهرين عن معارضتهم للاتحاد العمالي العام من خلال اللافتات والهتافات والمناقشات الجماعية.

في شهر كانون الثاني عام 2012، ناقش البرلمان الاتفاق الرضائي وخطة نحاس. خلال المناقشات، اقترح نحاس تعديلا على الحد الأدنى للأجور والنقل. وعلى الرغم من العديد من الاجتماعات بين نحاس وحزب الله وحركة أمل ورئيس الحكومة، لم يتم التوصل إلى اتفاق. ورفضت خطته في نهاية المطاف لصالح الاتفاق الرضائي، فاستقال من الحكومة في الشهر التالي.

وقد برر النقابي الحزب اللهي علي طاهر ياسين التصويت ورفض الاتحاد العمالي العام لخطة نحاس كالتالي:

"كان وضعا خاصا، يجب عليك أن تزن مدى إمكانية التعبئة وكم تريد أن تزعزع استقرار هذه الحكومة. مع الإضرابات والمظاهرات التي وضعت استقرار وأمن البلاد في خطر".

وردد ياسين هذه المشاعر خلال مؤتمر عقد في شهر آذار عام 2012. حيث قال إنه من الصعب على العمال المطالبة بزيادة الأجور بسبب عدم الاستقرار في البلاد والضرر التي يمكن أن تسببها بالاقتصاد اللبناني. وفي حين أعلن عن دعمه لرواتب "إنسانية"، قال إنه يجب التوصل إليها من خلال التفاوض مع أرباب العمل. ودافع عن قيادة الاتحاد العمالي العام تجاه من اعتبرها غير ممثلة لمصالح العمال.

وأكد نقابيان آخران مقربان من الحزب، أكرم زيد وعبد الله حمادة (رئيس اتحاد الوفاء)، على أن الحزب لا يمكن أن يدعم خطة نحاس لأنها يمكن أن تسبب عدم استقرار اقتصادي وسياسي. 

هيئة التنسيق النقابية

اعتمد حزب الله موقفا عدائيا من هيئة التنسيق النقابية، التي تجمع خمس روابط مستقلة لما يتراوح بين 140 ألف و176 ألف شخص، يعملون في الوظيفة العامة أو كمعلمين.

تنامى نضال هيئة التنسيق في ظل توسع النضالات العمالية عامي 2012 و2013. شهد عام 2012 وحده، 14 إضرابا، و60 اعتصاما، وأربع مظاهرات حاشدة. في فصلي الربيع والصيف من ذلك العام، على سبيل المثال، أضرب حوالي 2500 مياوم في مؤسسة كهربا لبنان ضد خطط الخصخصة. وقد قال المياومون إن وزارة الطاقة لم تؤمن لهم وظيفة دائمة وضمانا اجتماعيا وراتبا شهريا لائقا، أو استقرارا وظيفيا.

خلال الإضراب، رفض الوزير المسؤول، جبران باسيل، الاجتماع بالعمال ووصفهم بمثيري الشغب والخارجين عن القانون. وطلب من الأجهزة الأمنية منعهم من الوصول إلى موقع المؤسسة. ومن شأن خطة إعادة الهيكلة أن تجعل من 1800 عامل لا حاجة لهم.

حزب الله تولى وزارة الطاقة بين تموز 2005 وتشرين الثاني 2006 من خلال محمد فنيش، الذي دعم خطة الخصخصة. بدوره دعم الحزب خطة باسيل وصوت لصالح مشروع القانون الذي ينظم امتحان دخول محصور بالمياومين ليصبحوا موظفين دائمين في المؤسسة. خلال تلك الفترة،لم ينتقد حزب الله تصاريح وهجمات باسيل الطائفية ضد حراك العمال، على الرغم من أن الغالبية العظمى من العمال المتضررين هم من الشيعة.

في شهري شباط وآذار دعت هيئة التنسيق لمظاهرات حاشدة وإضراب مفتوح. في السنة السابقة، كان وزير التربية قد وعد بزيادة الرواتب لكنه وعده لم يترجم واقعيا. تظاهر عشرات الآلاف من المعلمين، واستمر الإضراب لمدة 3 أسابيع.

وقد لعبت الهيئة دورا أساسيا في تلك التعبئة، وذلك استمر خلال العام 2014 حيث استمر انتظار المعلمين للحصول على سلسلة الرتب والرواتب. في كل الأوقات، عارضت الهيئة اقتراحات الحكومة لتمويل السلسلة عن طريق نقل عبئها على كاهل الطبقات الفقيرة، من بينها فرض ضرائب جديدة، وخفض مكتسبات المعلمين، وتخفيض أجور المتقاعدين، وفرض التعاقد الوظيفي.

وينبغي في الوقت عينه، ملاحظة النضالات الأخرى التي ظهرت عام 2013، حيث حاولت نقابة موظفي المصارف الدفاع عن آخر عقد عمل جماعي في لبنان؛ ونضال عمال شركة سبينيس من أجل حقهم في التنظيم النقابي؛ فضلا عن حراك المعلمين المتعاقدين المطالبين بالدخول إلى الملاك. وعن طريق حملة وطنية وبتحالف مع منظمات شعبية محلية، وزعت هيئة التنسيق عريضة المليون لدعم حراكها.

لكن نضال المعلمين يظهر بشكل أفضل الميزات المترابطة للحركة العمالية اللبنانية. أولا، أظهر عدم رغبة حزب الله بدعم التعبئة العمالية المستقلة، ولا سيما في ضوء مشاركته في الحكومة. خلال هذه الإضرابات، لم يطالب حزب الله بزيادة الرواتب ولم يحشد أعضاءه للمشاركة في المظاهرات.

في الواقع، وفي عدة محطات عارض نقابيو حزب الله هذه الإضرابات. ففي اجتماع لفرع الجنوب في رابطة أساتذة التعليم الثانوي الرسمي في لبنان، عارض نقابيو حزب الله وأمل الإضراب في وقت كانت غالبية المشاركين في الاجتماع مع الإضراب. ولم يشارك معلمو حزب الله في الإضرابات المفتوحة التي قادتها هيئة التنسيق ورفضوا الدعوات التي أطلقها النقابي البارز حنا غريب، والأمين العام الحالي للحزب الشيوعي، لتصعيد الاحتجاجات.

كذلك، وخلال مقاطعة تصحيح الامتحانات الرسمية في صيف العام 2014، دعا نقابيو حزب الله لوقف المقاطعة، ودعوا إلى قوننة قرار وزير التربية القاضي بإعطاء إفادات لكل طلاب الشهادات الرسمية وذلك بهدف كسر الإضراب. ومع ذلك قررت هيئة التنسيق مواصلة المقاطعة والمشاركة في المزيد من الإضرابات التي دعت إليها في مختلف قطاعات الإدارة العامة للمطالبة لتصحيح سلسلة الرتب والرواتب.

توضح هذه النضالات توجهات حزب الله تجاه الحركة العمالية اللبنانية. فقد شهدت تلك الفترة ارتفاعا ملحوظا في النضالية العمالية، وبشكل خاص خلال الدعوة لإضرابات عامة عامي 2004 و2008 والنقاش الحاد حول خطة نحاس عام 2011. هذه النضالات تكشف تذبذب حزب الله بين ادعاءاته بكونه يمثل الفقراء والمهمشين من الشيعة واندماجه مع النخبة السياسية المرتبطة مع البرجوازية الناشئة.

في كل المحطات الرئيسية، أعرب حزب الله، كلاميا، عن قلقه من الخصخصة ومؤتمرات باريس، وانخفاض قيمة الأجور الحقيقية. وفي الوقت عينه، قاوم بشدة المحاولات لحشد بطريقة من شأنها أن تدعم المبادرات المستقلة العابرة للطوائف. بشكل عام، هذا التذبذب جرى حله بتبني الإصلاحات النيوليبرالية، لا سيما خلال تولي حزب الله المناصب الوزارية.

التركيبة المتغيرة لحزب الله

سجل حزب الله تجاه الاحتجاجات العمالية يعكس مصالح الحزب الطبقية المتغيرة. تشكل الحزب من الشيعة الفقراء، ولاحقا ازداد عدد أعضائه وكوادره المنتمين إلى جزء من البرجوازية الشيعية، وخاصة في بيروت. ففي الضاحية الجنوبية، اندمج العديد من العائلات الثرية ومعظم التجار في حزب الله، وتستقطب نشاطات حزب الله الطبقة الوسطى من الشيعة، خاصة أولئك العاملين في مجال العقارات والسياحة والترفيه.

ينعكس هذا التحول بين الكوادر الأساسية في الحزب، الذي لم يعد يتكون حصراً من رجال الدين الآتين من الطبقة الوسطى الدنيا، حيث بات جزء واسع منهم من حملة الشهادات المدنية (غير الدينية) العالية.

ويزداد حجم الحزب ضمن النقابات المهنية، وبعض الشركات، وخاصة تلك العقارية والسياحية والتجارية، واكتسب الحزب تأثيرا مباشرا على مجتمع رجال الأعمال في لبنان. ونشأت أجزاء جديدة من البرجوازية المرتبطة بالحزب من خلال رؤوس الأموال والاستثمارات الإيرانية، في حين أن بقية الأجزاء من البرجوازية الشيعية، سواء في لبنان أو في دول المهجر، تنضم بشكل متزايد إلى دائرة تأثير حزب الله- أو على الأقل قريبة منه بسبب قوته السياسية والمالية. وتشير خصائص التمثيل السياسي والقاعدة الاجتماعية للحزب أنه لا يزال يلقى دعما من جميع مستويات المجتمع، ولكن أولوياته تتجه على نحو متزايد إلى أعلى الطبقات.

تطور الحركات على أساس طبقي يشكل تهديدا محتملا لجميع أطراف الطبقة الطائفية الحاكمة في لبنان، والتي بات حزب الله جزءا منها. حزب الله لم يتحرك يوما لتحقيق مطالب اجتماعية واقتصادية من منظور عابر للطوائف. دعمه للاتحاد العمالي العام وبقية الحركات الاجتماعية كان كلاميا فقط.

في الواقع، عمل حزب الله، إلى جانب القوى السياسية الأخرى في لبنان، بكل قوة لإضعاف الحركة النقابية. شكل الحزب اتحادات ونقابات للشيعة في عدد من القطاعات، من ضمنها، الزراعة والنقل والبناء والطباعة والصحافة والمرافق العامة. يسمح هذا التوسع في عدد الاتحادات والنقابات العمالية بالاستحواذ على ثقل كبير داخل الاتحاد العمالي العام. اليوم، يسيطر حزب الله وحركة أمل على غالبية مقاعد قيادة الاتحاد. ونتيجة لذلك، يرفض الاتحاد العمالي العام تعبئة العمال على الرغم من تكثيف تنفيذ السياسات النيوليبرالية.

ويبدو أن رابطة أساتذة التعليم الثانوي الرسمي، التي لعبت دورا قياديا داخل هيئة التنسيق النقابية، بات مصيرها مماثلا. خلال انتخابات كانون الثاني عام 2015، اتحدت الأحزاب السياسية الطائفية- من بينها حزب الله و8 و14 آذار- ضد حنا غريب، الذي حاز على دعم المستقلين والحزب الشيوعي اللبناني. عكست هذه الانتخابات طريقة تقويض القوى السياسية الطائفية للاتحاد العمالي العام. في الواقع، لقد تراجعت أنشطة هيئة التنسيق النقابية بعد هذه الانتخابات.

كل هذه العناصر تؤكد لنا أن حزب الله لا يبني مشروعاً لهيمنة مضادة، إنما يحاول إلى هذا الحد أو ذاك أسلمة الجزء الأكبر من الطائفة الشيعية، من دون أن يشكل تهديداً للنظام السياسي السائد داخل المجتمع. لا يشكل مشروع حزب الله بديلاً جذرياً من النظام الرأسمالي والطائفي السائد في لبنان، أو في المنطقة. بل على العكس من ذلك، إنه يدعم بقوة هذا النظام.

بالإضافة إلى ذلك، لا يختلف الحزب في شبكة خدماته التي يقدمها عن بقية الأحزاب الطائفية في لبنان، إلا من ناحية حجمها وكفاءتها، من خلال إدارة المخاطر الاجتماعية، ومن خلال تعزيز الدعم الخاص والمذهبي.

إن أي مشروع مناهض للهيمنة يتطلب قطيعة مع النظام السياسي الطائفي والبرجوازي في لبنان، وكذلك مع النظام الامبريالي الإقليمي والدولي. بهذا المعنى، يمكن الاستشهاد بما كتبه الراحل مهدي عامل عن سلوك البرجوازية الاسلامية، خلال الثمانينيات، الذي قد يفسر تطور موقف حزب الله، لاحقاً، حيال النظام السياسي اللبناني:

"تتطلع أجزاء من البرجوازية الاسلامية لتعزيز مواقعها في بنية السلطة، أو بالأحرى تعديل المراكز التي تشغلها في النظام السياسي الطائفي، من أجل تقاسم أفضل للهيمنة وليس لتغيير النظام… من خلال مشاركتها، سيؤدي ذلك إلى تعزيز وترسيخ النظام السياسي الطائفي وعدم تغييره. وهذا الأمر ليس بحل، إنما لن يؤدي إلا إلى تفاقم أزمة النظام".

يؤكد سجل حزب الله أن مصالحه تتوافق مع النخب أكثر من توافقها مع العمال. ويبقى الحزب راسخا في خط واحد مع الأحزاب السياسية المهيمنة الأخرى في لبنان مشكلا بذلك عائقا ضد ظهور حركة شعبية يمكن أن تثير الأسئلة الاجتماعية والاقتصادية الأساسية.

هذا ما لا ينبغي أن يفاجئنا: هذا النوع من الديناميات الطبقية يمكن أن يزلزل الأرض تحت أقدام حزب الله [والطبقة الحاكمة] التي يقف عليها.

--

* نشر النص باللغة الانكليزية بتاريخ 1 كانون الأول 2016 في موقع jacobinmag