تجربة تحالف "الشعب يريد"... وآفاق التقدّم

نشر في‫:‬الخميس, آب 25, 2016 - 07:54
تصوير بات سي
الكاتب/ة: هاني عضاضة.

بالرغم من تواضع تجربتنا، في تحالف "الشعب يريد"، خلال صيف 2015، مقارنةً بتجارب حملات وتحالفات أخرى، مكوّنة من أحزاب وتيارات سياسية تملك قواعد حزبية وإمكانات مادية معقولة، مثل حملة "بدنا نحاسب"، أو مجموعات من الناشطين البارزين في المنظمات غير الحكومية، والذين استطاعوا جذب العدد الأكبر من الداعمين، مثل حملة "طلعت ريحتكم"، ولكنني أستطيع القول بأننا قمنا ببذل جهودٍ استثنائية، خلال الأشهر الأولى من الاحتجاجات، على صعيد الخطاب السياسي، سواء عبر النشرات السياسية الدورية، والبيانات السياسية، والندوات السياسية والنقاشات الأسبوعية التي كانت تجذب أعداداً كبيرة من الطلاب، أو على الصعيد النظري والمعرفي منتجين وثيقةً سياسيةً تناولت أبرز المسائل السياسية والتنظيمية.

ولكن عامل الإرادة الجماعية، في ظلِّ حراكٍ شديد التقلّب يفتقد إلى زخم التنظيمات الاجتماعية القاعدية، كان يشكّل عائقاً أمام تقدّم هذا النموذج التحالفي الشاب، لعدّة أسبابٍ ذاتية، من أهمها ديناميات التنظيمات المنضوية تحته*، الحديثة نسبياً، والتي تفتقر إلى الكادر البشري الكافي والخبرات الكافية لمواجهة أوضاعٍ مماثلة، بالإضافة إلى البطء الشديد لعملية اتخاذ القرار بسبب وجود ثنائية الفرد-التنظيم ضمن التحالف، وإنفاق الكثير من الوقت خلال الأسابيع الأولى من الاحتجاجات، وهي الأسابيع الأولى من بدء تشكّل التحالف أيضاً، خلف إيقاع الحملات المسيطرة إعلامياً ومواجهة التداعيات المباشرة لتحركاتها الارتجالية، وعلى وجه الخصوص حملة "طلعت ريحتكم".

هكذا ترنَّح التحالف منذ اللحظة الأولى بين الطابع التجريبي الحملاتي والعفوي كغيره من المجموعات، وبين الطابع السياسي المنظَّم محاولاً التمايز وخلق مساحةٍ سياسية وإيديولوجية تفاعلية. قبل أن يفقد فرص انتزاع زمام المبادرة أمام تسارع الأحداث وردود الأفعال وانتشار موجة إحباطٍ وتشكيكٍ في الشارع ولّدتها أساساً التوقعات المضخَّمة، وتعود مكوّناته تدريجياً إلى تركيز إمكاناتها وطاقاتها في ميادين أخرى، متشاركةً عدة نشاطات سياسية وثقافية لاحقاً ولكن خارج إطاره المعلن.

الميزة الأساسية لتحالف "الشعب يريد" كانت في قدرته على نسج التوجّه السياسي والإيديولوجي بشفافية ووضوح في وسط جو عام من غياب المصداقية السياسية، واضعاً في وثيقته اللبنة الأولى لبناء جبهةٍ سياسيةٍ يسارية نسوية، ربما تكون عنصراً تكوينياً مضافاً ينبني على أساسه تجربة جبهوية أكثر جديةً وتماسكاً في المستقبل المنظور. بينما كانت نقطة ضعفه الأساسية، بالإضافة إلى العوامل الذاتية المذكورة آنفاً، وبسببها وكنتيجةٍ لها في الكثير من الأحوال، هي تعطّل الفعل السياسي اليومي المتجانس.

أما عن الجهوزية الذاتية لإحداث التغيير المادي، لدى الحملات والمجموعات الفاعلة ضمن حراك صيف 2015، فإنها هي الأخرى، لم تكن كافية ولم تستطع الارتقاء بالشكل المطلوب. ولم تتمكّن الحملات من التوسّع وخلق حالةٍ سياسية شعبية، حتى مع تضافر كل الجهود، فقد كان تشكّلها بدائياً وعفوياً، فيما أصرّ بعضها، خاصةً حملة "بدنا نحاسب"، على "تحييد" بعض الأطراف الأساسية في الحكومة ورفض شعار "كلّن يعني كلّن"، بما يعنيه من توجّه مستقلّ لتشكيل قوى سياسية واجتماعية مستقلّة ومتمايزة عن قوى السلطة، في لحظات شديدة الحساسية من عمر التحركات. لقد كانت نضالات الحملات والمجموعات، وأشكالها التنظيمية الجنينية، منفصلة بالكامل عن بعضها البعض، وكان التنسيق فاشلاً فيما بينها، حتى في إعلان مطالب برنامج "الحد الأدنى". وقد كان السبب الرئيسي لهذا الفشل، قبل أي شيءٍ آخر، غياب الوضوح السياسي والإيديولوجي، الذي حاول تحالف "الشعب يريد" تأمينه، ولكنه كان شديد البطء، قليل الفعالية، ويفتقد إلى الأدوات العملية التي تطلّبتها مرحلة الاحتجاجات الشعبية.

تعارَض الجانب التنظيمي، وإلى حدٍ ما السياسي، للقوى والمجموعات التي برزت خلال الحراك، مع موجة المقاومة الاجتماعية المتصاعدة لفترة أشهر منذ تموز 2015 حتى نوفمبر 2015، قبل أن تنحسر، وتنحصر في نقاط محدّدة، بعدما كانت شاملةً كل المحافظات والأقضية وبشتى أساليب الاحتجاج والتحرّك. وهذا التعارض بين الظرفين الذاتي والموضوعي، في هذه الحالة، ساهم بشكلٍ أساسي، في فقدان إمكانية تهيئة ظروفٍ سياسيةٍ جديدة تنقلُ الكرة من ملعب الشارع إلى ملعب السلطة، وتُحدثُ تصدّعات هامّة في النظام السياسي، وتخلقُ قيادةً ثوريةً في وضعٍ ثوريٍ متجدّد.

المقاومة الاجتماعية للقوى المتضرّرة من سياسات الطبقة الحاكمة لا يمكنها أن تكون سياسيةً إذا ظلّت على عفويتها، أي أنها لا يمكنها أن تحقّق تقدماً ملموساً إلا إذا صارت سياسية، ولا يمكنها أن تتحوّل إلى مقاومةٍ سياسية ما لم تكن تُطَوِّر، ذاتياً، طبيعة تنظيماتها باستمرار وبكل الأشكال المتاحة. من المتوقّع تجدُّد موجة الاحتجاجات، مع تراكم القضايا الاجتماعية والبيئية والصحية... الخ، ولكن بأساليب مختلفة وأكثر تعقيداً من أسلوب "الحملات"، بعد فشل الأخير.

منطق التاريخ أن تستمرّ مقاومة النظام الطائفي البرجوازي، الذي لا يُنتج سوى الأزمات القاتلة، أما تقدّمُ التاريخِ وتخطّي هذا النظام فيتعلّق بشكلٍ مركزيٍ بقدرة القوى الاجتماعية المتضرّرة على تنظيم نفسها والانتقال من الأشكال البدائية إلى المقاومة السياسية، ولكي تكون كذلك عليها أن تتمايز، وتخلقَ أرضيةً سياسيةً وإيديولوجيةً مستقلّة، تجابه النظام بغية التخلّص منه، عوضاً عن محاربته في قضية ومساومته في أخرى، وتعيد إلى الطلاب والعمال والنساء وكافة الطبقات والفئات المضطهدة قوّتهم.

--

* تشكّل نادي "راديكال" في الجامعة اللبنانية – الحدت، خلال هذه الأحداث وفي أكثر مراحلها حرجاً، بينما كان وضع الطلاب في الجامعة، لا يقلُّ حرجاً عن وضع الحراك ومجموعاته، وهذا ما عبّرت عنه معركة التأسيسٍ وإثبات الوجود التي تمكنوا من التقدّم فيها بالرغم من الصعوبات التي تفرضها "قوى الأمر الواقع". بينما كان نادي "السنديانة الحمراء" في الجامعة الأميركية في بيروت وتنظيم المنتدى الاشتراكي يسخّران كل الطاقات المتواضعة على أكثر من صعيد. وكان حضور مجموعة "عدالة اجتماعية نسوية" فاعلا بحسب امكاناتها وكان تأثيرها مهما على صعيد خطاب التحالف السياسي. أما حضور ومتابعة الأفراد غير المنظَّمين فكان يضفي نوعاً خاصاً من الإيجابية، ويوفّر مستويات مختلفة من التفكير النقدي وروح المبادرة، وسعوا خلال مشاركتهم في هذا التحالف لترجمة اندفاعهم إلى فعلٍ سياسي جماعي.

ملاحظة: تم تعديل هذه المادة بتاريخ 26 آب/أغسطس 2016، وعلى وجه التحديد الفقرة الأخيرة منها، التي أساءت هيئة تحرير المنشور تقدير، عن سهو وعن خطأ غير مقصودين تعترف بحصولهما، أبعادها ومآلاتها، وقول هذا الكلام لا يعني أن الكاتب يتحمل مسؤولية نصه لوحده إنما هي مسؤولية تقع بالدرجة الأولى على الهيئة، ولا نجد أي حرج في الاعتذار عن هذا الخطأ. والتعديل الحاصل لا يتقصد المزايدة على جهود الأعضاء المستقلين في تحالف الشعب يريد، او المزايدة على الرفيق هاني، إنما كان التعديل ليعبر عن صدق التزامهم في هذا التحالف والذين رأوا فيه امكانيات واعدة ولذلك شاركوا فيه بكل فعالية. بكل الأحوال ترحب هيئة تحرير المنشور بأي مشاركة أو رد عليه.

- الفقرة الأخيرة كانت، قبل التعديل المشار إليه أعلاه، على الشكل التالي: "تشكّل نادي "راديكال" في الجامعة اللبنانية – الحدت، خلال هذه الأحداث وفي أكثر مراحلها حرجاً، بينما كان وضع الطلاب في الجامعة، لا يقلُّ حرجاً عن وضع الحراك ومجموعاته، وهذا ما عبّرت عنه معركة التأسيسٍ وإثبات الوجود التي تمكنوا من التقدّم فيها بالرغم من الصعوبات التي تفرضها "قوى الأمر الواقع". بينما كان نادي "السنديانة الحمراء" في الجامعة الأميركية في بيروت وتنظيم المنتدى الاشتراكي يسخّران كل الطاقات المتواضعة على أكثر من صعيد. أما مجموعة "عدالة اجتماعية نسوية" فكان حضورها رمزيا. أما حضور ومتابعة الأفراد غير المنظَّمين، فقد كان متقلّباً جداً، ولكنه كان يضفي نوعاً خاصاً من الإيجابية، ويوفّر مستويات مختلفة من التفكير النقدي وروح المبادرة، بالرغم من مساهمته في تعطيل القدرة على  اتخاذ القرارات الجماعية بشكلٍ عملي وفعّال، ما كان يتعارض بدوره مع إمكانية تطوير روح المبادرة وترجمتها إلى فعلٍ سياسي جماعي".