‫إضراب في دير الأحمر: كل التضامن مع العمال السوريين‬

نشر في‫:‬الخميس, آب 4, 2016 - 12:40
دير الأحمر 2016 - الصورة بعدسة ميزر مطر
الكاتب/ة: مروان الخازن، عمر لَيزا.

قام عمّال سوريون في دير الأحمر بالإضراب عن العمل يوم الثلاثاء ٢٦ تموز/يوليو، احتجاجاً على الممارسات العنصرية والقمعية وعلى الانتهاكات العديدة والمتكررة بحقّهم من قبل البلدية وعناصر من القوى الأمنية والعديد من أهالي البلدة. ازدادت هذه الانتهاكات إثر تفجيرات القاع، رغم تصريح وزير الداخلية والبلديات، نهاد المشنوق، الذي أكّد فيه أن انتحاريي القاع أتوا من سوريا لا من مخيمات اللاجئين. كان أحدث هذه الانتهاكات مداهمة الجيش لمخيمات البلدة صباح الاثنين ٢٥ تموز/يوليو، الأمر الذي دفع بالعمّال المقيمين داخل المخيّم إلى إعلان الإضراب عن العمل.‬

‫تتالت بعد أحداث القاع سلسلة من الاجراءات والقرارات غير القانونية نسبةً للقوانين اللبنانية والدوليّة؛ أتى أوّلاً قرار المحافظ بشير خضر بمنع التجوّل على الدرّاجات الناريّة (٢٩/٠٦)، متذرعاً بتفجيرات القاع لاتخاذ قراره، على الرغم من وجود أدلّة تثبت عدم تورّط أفراد من داخل المخيّمات بتلك الحادثة، وأيضاً بمهرجانات بعلبك، وكأن في تجوّل السوريين خطر على أمن المهرجانات وسلامة روّادها، كما أنه عاد وأضاف أن القرار سيطبّق حتى بعد انتهاء المهرجانات. أتى الانتهاك التالي في بيان معيب لبلدية دير الأحمر (١٦/٠٧)، حيث تم الإعلان عن فرض حظر تجول، ومصادرة للدراجات النارية، وإخضاع السوريين لنظام الكفالة الرجعي، وتهديدهم بالترحيل، ومنعهم من العمل خارج قطاعيّ الزراعة والبناء، ووضع عوائق أمام وصول مساعدات الجمعيات لهم. ادّعت بلدية دير الأحمر أنّ بيانها لم يأتِ سوى امتثالا لقرار المحافظ، هنا تجدر الإشارة إلى أنّ العديد من بلديات القرى المجاورة، مثل بشوات وشليفا وبوداي وغيرها، تجاهلت هذا القرار غير القانوني.‬

‫أمّا الانتهاك الأخير، فقد تمثّل بمداهمة عنيفة من الجيش اللبناني يوم الاثنين (٢٥/٠٧) عند الساعة الخامسة صباحاً. هجم عناصر من الجيش على خيم اللاجئين غير آبهين بخصوصيّة النيام وأجسادهم وأجسادهنّ التي قد تكون عارية. بدأوا بإلقاء الشتائم واللكمات العشوائية، باعثين الرعب في نفوس سكّان المخيّم، ممّا أدّى إلى انتشار حالة من الهلع بين الأطفال الذين لم يتوقّفوا عن البكاء والصراخ. كما تسبّب ذلك بـ"إجهاض امرأتين"، بحسب مصدر من المخيم. لم يقتصر الأمر على ذلك فقط، بل صادروا العديد من السيارات والدراجات، واعتقلوا تعسفياً ٩٥ رجلا، وأبقوهم محتجزين لمدة يوم كامل، حيث تم الاعتداء عليهم  شفهياً وجسدياً. مع انصراف الناس إلى خيمهم وحياتهم، انتبهوا إلى "'فقدان' عدد من الجزادين وأوراق الثبوتية"، دائما بحسب المصدر نفسه.‬

‫مع كل ذلك، يقول المعنيون أنهم يتفهمون المداهمات، ولكنهم يرفضون التجاوزات، إن كانت الكلمة تكفي لوصف ما شهدوه ذلك الفجر. يخبرنا أحد سكّان المخيّم أنّهم ما كانوا يتوقّعون تصرّفا كهذا 'حتى من داعش'. فهنيئاً لجيشنا بهذه المقارنة، في حين يبدو أن الاستثناء الوحيد لغياب الدولة في دير الأحمر يأتي عندما تقرر البلدية وبعض أهالي البلدة أن "يفشّوا خلقهم بالسوريين"، أو أن يستغلوهم في أعمال الزراعة والبناء، غير سامحين لهم العمل في مجالات أخرى.‬

‫دفعت هذه الإجراءات بالعمال الى اتخاذ القرار بالإضراب عن العمل، وكما هو متوقع، أتت ردّة فعل البلدية ومخابرات الجيش وأهالي الدير برهانا جديدا على عدم اكتراثهم بقوانين العمل أو حقوق الانسان. صرّح رئيس بلدية الدير، لطيف القزح، أن الاضراب ممنوع، وهدد بترحيل من لا يلتزم، جاعلاً بذلك من اللاجئين عرضة لاستغلال أصحاب الأراضي. جاء هذا التصريح بعد عدة تضييقات من قبل البلدية، حيث لم تسمح لبائعي الخبز والخضار بالمرور إلى المخيمات، فيضطر العامل أو اللاجئ على السير على أقدامه تحت الشمس، فالدراجات ممنوعة والتجول ممنوع ليلاً، مسافة ٢ كم من المخيم الى الضيعة، حيث الأسعار أغلى ثلاث الى أربع مرات من البائعين الذين منعوا من الدخول. كما أنّ البلدية منعت بعض الجمعيات من الدخول إلى المخيمات لتوزيع المساعدات مثل أدوات التنظيف، بحجة أنهم عمالا وليسوا لاجئين، بينما تسمح لأوكسفام بتوزيع المياه (ألف ليتر بالشهر لكل شخص). إن كانوا لاجئين، فحظر المساعدات عنهم جريمة، وإن كانوا عمالا، فالإضراب هو حق لهم.‬

‫عدد السوريين في الدير لا يتجاوز الـ ٥٠٠٠ لاجئ من أصل ٢٠٠٠٠ مقيم في البلدة، على عكس ما يحاول أن يسوّق له البعض بأن عدد اللاجئين يفوق عدد أبناء البلدة. معظم السوريين في البلدة لاجئون، وهم بأمس الحاجة لكل المساعدات المتوفّرة، وما الهدف من الإجراءات المجحفة إلا التضييق على العمال وبالتالي تسهيل عملية استغلالهم، وليس حرصاً على الأمن والاقتصاد كما تدّعي السلطات. لو لم يكن وجود العمال السوريين مفيداً لاقتصاد دير الأحمر، لما كانوا تعرضوا للتهديد بالترحيل إثر إعلانهم الإضراب. يدين مزارعو الدير، دون قصد ربما، الخطاب العنصري الذي اعتدنا عليه والذي يصف السوريين بالعبء على الاقتصاد اللبناني، في حين يقولون أن الإضراب سبب "خسارة" لكل منهم ما يقارب الـ ٢٥٠٠٠٠ ليرة في يوم واحد، ما يعني أن مبلغ ١٢٥ مليون ليرة (٨٣٠٠٠$) يدخل يومياً على الاقتصاد اللبناني بفضل الـ٥٠٠ مزارع.‬

‫ووجود اللاجئ في لبنان ينمي اقتصاده وليس العكس. أين كانت أرباح دير الأحمر في عدوان تموز/يوليو عندما بقي الانتاج في الأرض؟ وكيف يكون العمال مضرين بالاقتصاد عندما يؤدي اضرابهم ليوم واحد في بلدة واحدة إلى "خسارة" الاقتصاد اللبناني ٨٣٠٠٠$؟ فليحاسب الذين يسرقون كهرباء ومياه الدير ويلوثون نهره مثلا وليحاسب الذين يغطونهم، إن كان اقتصاد الدير متدهورا.‬

‫مع ذلك كله، تعمد عدد من الصفحات الالكترونية، أولها صفحة تابعة للقوات اللبنانية، على شيطنة اللاجئين والتسويق لهم على أنهم إرهابيين، رغم عدم وجود أي أدلة تثبت هذه الإدعاءات.‬

‫يتم استغلال هؤلاء العمال من قبل أصحاب الأراضي، الذين يدفعون لهم مبلغا يوميا لا يتعدى الـ١٥/٢٠$ مقابل ١٠ ساعات عمل يومياً. يتعرض العمّال واللاجئون لإذلال يومي من قبل العناصر الأمنية وأبناء البلدة، يستمعون إلى الشتائم والتهديدات والتوعد بالقتل والإغتصاب. والملحوظ هو الغياب التام للجمعيات، حيث حاول البعض التواصل مع كل من أوكسفام وجمعية الإنقاذ الدولي والمجلس النروجي للاجئين إثر ما تعرضوا له من انتهاكات، فلم يستجب أحد ما عدا جمعية عدل ورحمة. بعد إيقاف العامل ليوم كامل وإذلاله وإرغامه على تعليق إضرابه، عاد مرغماً يوم الأربعاء إلى العمل دون أن يسأله صاحب العمل عن حاله وما حصل معه 'بعد عِشرة العمر'.‬

‫عمد جزء كبير من اللبنانيين إلى تناسي أنّ آلافا من اللبنانيين قد نزحوا إلى سوريا خلال عدوان تموز/يوليو ٢٠٠٦، حيث تم استقبالهم بالكثير من التضامن، فلِمَ تراهم يقابلونه بهذا الكم من الحقد والعنصرية؟ يخالون أنفسهم بهذه الأفعال ينتقمون من النظام الأسدي، متناسين أنّ الذين لجأوا إلى مخيمات الذل في لبنان هربوا من النظام إياه. كما ويصرّ جزء كبير من اللبنانيين على إنكار واقع أنّ عددا كبيرا من الشباب اللبناني يقاتل في سوريا إلى جانب النظام نفسه. وينكرون أيضاً استفادة أعداد هائلة منهم ومن مسؤوليهم وسياسييهم من المساعدات التي تدخل إلى البلد للاجئين، فإما يصل جزء منها أو لا يصل.‬

‎‫المستفيدون من هذا الوضع كثر، أولهم أصحاب الأراضي الذين يختارون اليد العاملة الرخيصة والخاضعة لسهولة استغلالها. وكذلك أصحاب المحلات والدكاكين الذين يتلقون بطاقات الأمم عندما تجبر البلدية جميع اللاجئين شراء مورداتهم من تجار القرية، الذين تفوق أسعارهم أسعار بائعين آخرين ممنوعين من دخول المخيمات. وأيضاً الأطباء الذين 'يفوترون' مبالغ مالية مستحيلة ولو على حساب سلامة وصحة وجيبة اللاجئ، فهم يعرفون حق المعرفة أن الأمم تتكفل أحيانا بمعظم المبلغ، ولا يأبهون ان أغلبية اللاجئين لا يستطيعون الحصول على هذه الخدمات الأساسية، ولو بسعر مقبول. الرقابة غائبة تماماً، والمستشفيات تتلاعب بالأسعار، فـ'تفوتر' مثلاً فحوصات الدم بـ١٠٠$. كذلك، لا رقابة على الجمعيات التي تهدر وتسرق ولا تأتي عند الحاجة، بينما معظم الأولاد يكبرون من دون تعليم جدي ومعظم المحتاجين للخدمات الصحية يهملون.‬

‎‫يقول أحد العمال: "الشعب السوري يستغيث، فهل من مغيث؟" يبدو للأسف أنه ما من مغيث، فقط الكثير من الانتهازيين من سكان المنطقة والقوى الأمنية، مروراً بالاعلام المحرّض القائم على شيطنة اللاجئ وصولاً إلى السياسيين وخطاباتهم العنصرية والأحزاب وتحريضهم على اللاجئين ونفاقهم في تصريحاتهم (التيار الوطني الحر مثلا) وعلى صفحاتهم (مثل القوات اللبنانية) حول وجود خلايا ارهابية في المخيمات. أين الخلايا الارهابية في دير الأحمر؟ تلك الأحزاب وغيرها تحرض على اللاجئ ولا تخجل من الاغتناء على حساب المنكوبين. ‬

‫وفي ظل هذه الحالة المعيبة، في دير الأحمر وأغلب بلدات سهل البقاع ولبنان:‬

‫- نطالب البلديات والمؤسسات الحكومية المعنية ومحافظ بعلبك بالرجوع عن القرارات والاجراءات غير القانونية.‬

‫- نرفض منع تجول الدراجات ونرفض مصادرتها بالمئات (سعر الدراجة مليون ليرة)، وتدميرها من قبل كل الجهات الأمنية من دون التعويض ولو عن سعرها، ونرفض التحجج بالأمن لصرف الانتباه عن تقصير الدولة قبل وخلال وبعد النزوح.‬

‫- نرفض الخطاب المحرض الذي يجرّم الضحية و يصور الإرهاب على أنه يقتصر على فئة معينة. ‬

‫- نطالب الجهات المختصة تسهيل تسجيل آلات التنقل وتنظيم العملية قدر الامكان، فهذه المسؤولية تقع على الدولة وليس على الناس.‬

‫- نرفض التضييق على المخيمات بكل أشكاله، أكان من قبل الجيش أو الدرك أو عناصر البلدية أو أهالي البلدة، ونطالب بمحاسبة وتجريم كل من يتعدى بأي شكل على السوريين، فهذه العنصرية تهدد السلم الأهلي وهي إهانة للشعبين وتاريخهما.‬

‫- نرفض الترحيل ونرفض التهديد به، مهما كانت الصفقات والاتفاقيات المحلية والخطابات الفارغة في القمة العربية أو البنك الدولي وقرارات الخلية، فإن ترحيل لاجئ قسراً هو خرق للقانون الدولي وخرق لحقوق الانسان ونحن نرفض الضغط على اللاجئ واجباره على المغادرة، ونطالب عوضا عن ذلك بالضغط على الجهات المسؤولة عن لجوئه.‬

‫- نرفض نظام الكفالة المشين، ونطالب بإزالته عن كل العمال الأجانب، فهو لا يكفل إلا العار. ‬

‫- نطالب الجهات المختصة بالعمل على تسهيل تثبيت أوراق اللاجئين واقرار قرارات غير تعجيزية بعيدا عن قانون كفالة العار المخزي. ‬

‫- نرفض التعجيز المقصود عبر رفع أسعار المعاملات وإجبار اللاجئين على مغادرة البلد لتغيير أو تجديد الأوراق الثبوتية، ونرفض محاسبة اللاجئين لعدم امتلاكهم أوراق مجددة خلال المداهمات، في حين تعزز البيروقراطية المبالغ فيها هذه الحلقة المفرغة. ‬

‫- نطالب بإزالة حظر التجول المخالف للقوانين المحلية والدولية. فهو لا يفرض إلا في حالات الطوارئ، وهناك أصول لإعلان حالة طوارئ، ولا يطبق الحظر على فئة معينة من السكان دون غيرها.‬

‫- نرفض إرغام السوريين على اختيار العمل إما بالزراعة او بالبناء حصراً.‬

‫- نرفض منع الجمعيات من تأمين المساعدات ونطالب بمحاسبة مخالفات كل البلديات التي ساهمت بهذه التجاوزات.‬

‫- نطالب كل من وزارة الداخلية والخارجية والعمل بتحمل مسؤولياتها والكف عن الإهمال والبدء بالعمل الجدي لتيسير أمور اللاجئين والحفاظ على حقوقهم، بدل إهمالهم وقمعهم والمساهمة في مأساتهم وسرقة ما تيسر من مساعدات القمة العربية والبنك الدولي والجمعيات.‬

‫- نطالب بمحاسبة كل الجمعيات والمجموعات والأفراد والمؤسسات التجارية والتربوية والطبية والصحية المستفيدة مباشرة أو غير مباشرة من أموال ومساعدات اللاجئين، حيث يسرقونها ويقدمون خدمات غير كافية وغير جدية.‬

‫- نطالب المؤسسات الحكومية والدينية وغير الحكومية والوسائل الإعلامية برصد ومحاسبة وتجريم العنصرية الشفهية والالكترونية والاعتداءات الجسدية، فردية كانت أو مؤسساتية.‬

‫وأخيراً، نرفض منع الإضراب، فهو حق مقدس من حقوق العمال، كل العمال.‬

‫كل السلطة والثروة للطبقة العاملة

--

اعداد وبحث: مروان الخازن - عمر لَيزا

‫كتابة: مروان الخازن‬

‫تحرير: مروة الحاراتي‬

‫الصورة: لميزر مطر‬