عندما ينتج ‫العسكر الفوضى‬

نشر في‫:‬السبت, تموز 16, 2016 - 13:03
الصورة من هنا: egyptiantales.wordpress.com
الكاتب/ة: محمد الأحمد.

‫تجاهد المحكمة الإدارية العليا في مصر للطعن بقرار مجلس الدولة المصري بإلغاء القرار الرئاسي الذي منح جزيرتي تيران وصنافير في البحر الأحمر إلى السعودية. وكان السيسي قد تخلى عن الجزيرتين لتتمكن السعودية من بناء جسر يربط القارة الآسيوية بالقارة الأفريقية، وذلك بعد أن قدم الملك سلمان مساعدة مالية بقيمة 27 مليار دولار للحكومة المصرية في محاولة لإخراجها من أزمتها الاقتصادية وسط تخبط للسلطات التي يقودها السيسي.‬

‫إن العقلية العسكرية التي يحملها الرئيس المصري لم تستطع مواجهة هذه الفوضى التي أغرق فيها الشعب المصري. فهي فوضى اقتصادية وسياسية واجتماعية لا تنفع معها القنابل المسيلة للدموع أو الرصاص المطاطي أو الرصاص الحي، إنها فوضى من نوع جديد لم يعتده ضباط الأمن والجيش، ربما "استطاع" انقلاب عسكري رفع سوية الاقتصاد في البداية، فعندما أعاد الاستقرار السياسي للبلاد على بعد مجزرة رابعة العدوية، استطاع اجتذاب المستثمرين والسياحة الى البلد مجددا، إلا أن العسكرتاريا السيساوية بسياسة العقوبات التي تفرضها على السوق السوداء للصرافة لن تعطي نتائجها المرجوة، فضلا عن انتهاك حرية الرأي وزج الصحفيين والناشطين في السجون دليل واضح على مناخ شعبي رافض للسياسات الحكومية، وقد ظهر ذلك بوضوح في الفضيحة الإعلامية للسيسي مؤخراً، حيث تم اعتقال صحفيين بعد أن اطلقوا دعوة للتظاهر على قرار السيسي الأخير، عندما منح السعودية السيادة على جزيرتين دفع المصريون دماءهم في حمايتمها في حرب الـ 67.‬

‫كل ما سبق من شأنه أن يزعزع الاستقرار الآني الذي قد يحققه أي انقلاب عسكري في بدايته. وقد بدأ السيسي بادراك هذه الحقائق، عقب تدخل التحالف العربي في اليمن، ففي حين امتنعت مصر عن المشاركة في التحالف في البداية إلا أن السيسي لم يجد مفراً من الانخراط فيه طمعاً في المساعدة الخليجية في ذلك الوقت والمقدرة بـ 20 مليار دولار أيضاً، إضافة الى صفقة طائرات مع الولايات المتحدة الأميركية التي كانت تناصر حكومة الإخوان التي انقلب عليها عبد الفتاح السيسي.‬

‫السيسي سيجد نفسه سريعا في المأزق مجدداً عندما تفرغ الخزينة من المصروف السنوي الذي قدمته السعودية. فبعد أن تنتهي السعودية من خطة التحول الاقتصادي التي تتبعها- وهي خطة غير مضمونة النتائج حتى الآن- فإنها لن تكون مضطرة لتقديم الهبات لإنقاذ سلطة السيسي. كما أن القطاع السياحي الذي يعتمد عليه الأخير لا يلقى نجاحا عقب تفجير الطائرة الروسية ثم الطائرة المصرية، إضافة إلى الهجمات في شبه جزيرة سيناء، فضلا عن القمع العسكري لطيف واسع من الشعب المصري ومن بينهم حركة الإخوان المسلمين. وكون مصر لا تتمتع بالبنية التحتية القوية أو نظام حوكمة جدي فإن قطاع الاستثمار أيضا مهدد بالفشل.‬

‫إن أمل السيسي الوحيد يكمن بحقول الغاز المكتشفة حديثاً في المياه المصرية والعقود المبرمة مع الشركات الإيطالية لاستغلالها، عندها سينجح السيسي في السير بمصر نحو دولة باقتصاد ريعي تعتمد على تصدير الخام، وسيتجاهل بذلك طريقاً آخر يخلق اقتصادا متماسكا قادرا على منافسة الأسواق العالمية في ظل تحول اقتصاد المنطقة برمته بعيداً عن تصدير الخام ذي السعر المنخفض، وبالنظر إلى المخزون الإيراني من الغاز الذي سيدخل السوق في السنوات القليلة القادمة والمقدر بـ 350 مليار متر مكعب، فإن الغاز المصري لن يشكل حاملاً قوياً للاقتصاد الريعي المستقبلي، بل سيرفع نسبة البطالة المصرية أكثر مما هي عليه الآن، فخطوط إنتاج الغاز تتطلب عدداً قليلاً جداً من القوى العاملة، يضاف إلى ذلك منافسة القوى العاملة الأجنبية القادمة مع الشركات المستثمرة والتي تمتلك الخبرة في المجال على العكس من القوى العاملة المصرية حديثة الخبرة فيه.‬

‫إن عهد السيسي العسكري اليوم، يخلق أعباءً قد تكون منهكة لأي حكم مصري مستقبلي، أما ترشحه لفترة رئاسية ثانية فإنه قد يضع المصريين أمام احتمالات مرعبة تصبح فيها مصر في صفوف الدول الأكثر الأفقر حول العالم، عندها ستكون الخلاصة الوحيدة لتجربة مستقبلية كهذه هي انتهاء صلاحية أي حكم عسكري في المنطقة العربية. فهل سيخوض المصريون التجربة بكاملها أم أن فترة حكم واحدة للسيسي ستكون كافية لظهور حركة سياسية مدنية وديمقراطية قادرة على التعامل مع الوضع بطرق مختلفة عن العقوبات واستجداء الأموال من دول المنطقة. إنه سؤال سيجيب عنه الشعب المصري في السنوات القليلة القادمة وسيحدد مصير مصر المستقبلي ودورها في المنطقة عموماً.‬