بعد الخروج من الاتحاد الأوروبي: يمكننا صد العنصرية والتقشف

نشر في‫:‬الأثنين, تموز 4, 2016 - 13:23
الصورة من هنا | thepeoplesassembly.org.uk
الكاتب/ة: جوزف كونارا.
ترجمه‫/‬ته الى العربية‫:‬ وليد ضو      
المصدر‫:‬      

‫بريطانيا وطبقتها الحاكمة واقتصادها ونظامها السياسي وقعوا في حالة من الفوضى بعد التصويت على الخروج من الاتحاد الأوروبي.‬

‫اختار نحو 52 بالمئة من المصوتين الخروج من الاتحاد الأوروبي، بنسبة مشاركة بلغت 72 بالمئة، وهي أعلى نسبة مشاركة من أي انتخابات عامة منذ عام 1992. وقد فعلوا في مواجهة معارضة من ثلاثة أرباع أعضاء البرلمان، وقيادة أكبر ثلاثة أحزاب برلمانية- حزب المحافظين، وحزب العمال والحزب الوطني الاسكتلندي- والقسم الأكبر من الصناعة البريطانية وتقريبا كل المؤسسات الرأسمالية الكبرى‬، بدءا من بنك انكلترا وصولا إلى صندوق النقد الدولي.

أعلن دايفيد كاميرون، الذي دعا بكل ثقة إلى الاستفتاء لوضع حد للنقاش داخل حزبه حول أوروبا أنه سيستقيل من منصبه كرئيس للوزراء بحلول الخريف. سيترك حزبه ضعيفا ومنقسما مع أغلبية برلمانية ضئيلة.

وانخفض الجنيه الاسترليني إلى أدنى قيمة له مقابل الدولار منذ ثلاثة عقود وغرقت الأسواق على مستوى العالم في حالة من الفوضى. الاتحاد الأوروبي، الذي عمل كشريك صغير متعثر مختل وظيفيا للامبريالية الأميريكية في محاولاتها للهيمنة على النظام العالمي، فقد العضو الثاني الأكبر فيها- حدث بكل أوجهه أكبر حجما من التهديد اليوناني بالخروج من الاتحاد خلال السنوات الأخيرة.

زعماء الاتحاد الأوروبي، المجتمعين في بروكسل عقب التصويت، يخشون من امتداد الدومينو إلى بلدان أخرى، يحتمل أن تكون هولندا والدنمارك، وربما فرنسا، للخروج من الاتحاد.

اليوم هناك طلب لإجراء استفتاء ثان لاستقلال اسكتلندا، حيث صوت أغلبية المقترعين لصالح البقاء في الاتحاد الأوربي. إذا مضى ذلك قدما، فإنه من المحتمل أن نرى تفكك بريطانيا.

كمنظمة نيوليبرالية، عملت مرارا وتكرارا لتأمين مصالح رأس المال الأوروبي، وسحقت الشعب اليوناني تحت جزمة من التقشف، ودعمت هجوم فرنسوا هولاند على العمال الفرنسيين وسعت لتنفيذ اتفاق للشراكة التجارية العابرة للمحيط الأطلسي مع الولايات المتحدة، وتجاهل مزدرٍ لأي معارضة، عانت من أكبر ضربة حتى اليوم.

في هذا الوقت يعبر الكثيرون من اليساريين في بريطانيا عن يأسهم، ويعتبرون الاستفتاء فيضا من القومية والعنصرية الموجهة ضد المهاجرين في الاتحاد الأوروبي.

اختزال التصويت بكونه تصويت عنصري هو تبسيط فادح.

جاءت نتيجة الاستفتاء، قبل كل شيء، لتعبر عن تمرد الطبقة العاملة التي تشعر بأن حياتها قد مزقتها النخبة الحاكمة. صوت ثلثا العمال المصنفين مهرة وشبه مهرة وغير مهرة على الخروج من الاتحاد، مقارنة مع 43 بالمئة من بين الطبقة المتوسطة والعليا في الوظائف الإدارية والمهنية. ثلث الآسيويين وربع السود اختاروا الخروج. وفي المدن الكبيرة والمتنوعة إثنيا في شمال انكلترا صوتت أيضا للخروج- من بينها شيفيلد وبرمنغهام وبرادفورد.

لماذا على هؤلاء، والكثير منهم من مؤيدي حزب العمال، أن يصوتوا للدفاع عن مؤسسة غير ديمقراطية ونيوليبرالية التي لم تفعل شيئا لحمايتهم من تنامي عدم المساواة والتقشف؟

وهذا ليس من شأنه التقليل من العنصرية التي ميزت حملة الاستفتاء.

العنصرية واضحة ضمن حملة الخروج من الاتحاد، حيث لعبت الحجج المعادية للمهاجرين من حزب الاستقلال البريطاني والمحافظين دورا بارزا، وخاصة في الأسابيع الأخيرة من الحملة الانتخابية.

ولكن، حملة الخروج من الاتحاد لم تخترع العنصرية. جاء الاستفتاء عقب قصف متواصل- يمتد من عقود مضت حتى اليوم- من كراهية الأجانب وإلقاء التهم جزافا عليهم من قبل السياسيين والصحافة لصرف النظر عن الغضب بسبب التقشف والخصخصة أو لتبرير الحروب الخارجية. وجاءت معظم هذه الهجمات من معسكر حملة البقاء في الاتحاد.

وكان كاميرون قد أطلق حملة إسلاموفوبية ضد المرشح الفائز عن حزب العمال إلى عمدة لندن، صادق خان، في وقت سابق من هذا العام، في محاولة للربط بينه وبين داعش. وحكومة كاميرون هي التي أقرت عن طريق البرلمان مشروع قانون للهجرة شديدة القسوة، الأمر الذي يجعل من حراس حدود المقاطعات عملاء وموظِفين له.

في سياق هذا الهجوم العنصري فإنه ليس من المستغرب أن تتمدد الحركات العنصرية أو أن تعمل الحركات المعادية للمهاجرين باعتبارها تجسد السخط الواسع بين أوساط الطبقة العاملة على ما تعرضوا له في حياتهم.

لا يجب علينا أبدا أن نقدم تنازلات للحجة القائلة أن الهجرة هي المشكلة- كما هو الحال للأسف مع مستشار حكومة الظل جون ماكدونيل عندما اعتبر أن حزب العمال يجب "أن يعيد النظر بحرية حركة العمالة" خلال نشاط لحملة البقاء في الاتحاد الأوروبي. ولكن ليس حلا أن نوصم جميع المصوتين بالخروج من الاتحاد بكونهم عنصريين جاهلين يقفون إلى جانب نايجل فاراج.

الاشتراكيون أكدوا دوما أن العمال يختزنون في عقولهم مجموعة متناقضة من الأفكار، بعضها على أساس التضامن والنضال المشترك، وبعضها الآخر يتلقونها دون نقد من المجتمع وتعكس أيديولوجية السوق الذي يرانا كأفراد معزولين نتنافس على الوظائف والموارد. هذا المزيج غير المستقر يمكن، في الأوقات التي تتعطل فيه الحياة السياسية والأيديولوجية، أن ينفجر إلى اليمين أو إلى اليسار.

التحدي الذي يواجهنا يتمثل في الجمع في النضال ضد العنصرية مع النضالات ضد الهجمات الأوسع على الطبقة العاملة.

هذا الأسلوب ليس جديدا على السياسات البريطانية. في الواقع، لقد جرى اعتماده من قبل أجزاء من اليسار في الطرف الشرقي من لندن خلال الـ 1930ات. بمواجهة صعود الاتحاد البريطاني للفاشيين، الذي استفاد من السخط الاجتماعي وحاول توجيهه ضد الشعب اليهودي، وكان على اليسار، وقتذاك، أن يواجه العنصريين ويتولى مسألة قضية الإسكان التي كانت تغذي حالة الاستياء.

وقد أشار، عضو مجلس المنطقة، الشيوعي فيل باريتان، في مذكراته حالة عائلتين واجهت الطرد. "اكتشفت أنه في الحالتين كان أفراد العائلتين أعضاء في الاتحاد البريطاني للفاشيين والبديهي أن أعضاءه لا يتعاطون معنا. إحدى العائلتين كانت لا تريد التعاطي معنا ذلك المساء. أما العائلة الثانية فكانت على استعداد للاستماع".

وفي وقت لم يفعل الاتحاد البريطاني للفاشيين شيئا لمساعدة الأسرة، تولى اليسار زمام المبادرة، وحارب بنجاح عملية الإخلاء عبر خوض معركة مع الشرطة والمأمورين القضائيين. ويضيف باريتان: "إن الدروس لا تحتاج إلى الكثير من الإقناع. فأعضاء الاتحاد البريطاني للفاشيين مزقوا بطاقات عضويتهم طوعا وللتعبير عن اشمئزازهم… هذا النوع من الناس لم يكونوا يحضرون اجتماعاتنا، وكانوا يحملون أفكارا غريبة عن الشيوعيين واليهود، وقد علموا الوقائع بين ليلة وضحاها وتعلموا المعنى الحقيقي للصراع الطبقي".

اليوم لسنا في الـ 1930ات وحزب استقلال المملكة المتحدة ليس الاتحاد البريطاني للفاشيين، ولكن تبقى الدروس المستقاة صالحة للأخذ بها. علينا إثبات أن الطبقة النخبة ورجال الأعمال هم الذين يتحملون المسؤولية، وليس المهاجرون، وعلينا بناء وحدة نضالية بين العمال المهاجرين وغير المهاجرين، ولكن لا يمكننا القيام بذلك إذا، وخوفا من اليمين العنصري، رمينا بأنفسنا في أحضان السياسيين المهيمنين والمؤسسات النيوليبرالية مثل الاتحاد الأوروبي، والتي، في الواقع، لم تقدم أي حماية ضد تزايد عدم المساواة والعنصرية.

هذه المشكلة ليست محصورة ببريطانيا. تراجع الهيمنة في الحياة السياسية هو حالة عامة. الدولة الاسبانية التي كان يتنافس حزبان على قيادتها، اليوم انخفض تمثيلهما إلى أقل من 50 بالمئة. في اليونان، تراجع النظام الحزبي التقليدي المهيمن منذ فترة طويلة إلى حالة من الفوضى. في إيرلندا، تراجع دعم الأحزاب الثلاث الرئيسية بنسبة 25 بالمئة منذ عام 2007.

لا ينبغي لنا أن نسلم نقد المؤسسات مثل الاتحاد الأوروبي لمثل حزب استقلال المملكة المتحدة، والجبهة الوطنية الفرنسية وحزب البديل لألمانيا. يجب على التصويت البريطاني أن يؤدي إلى تجديد أوروبي واسع لحجة اليسار الراديكالي الداعية لوضع حد للاتحاد الأوروبي.

ما هي الخطوات المقبلة التي علينا القيام بها في بريطانيا؟

هنا دور زعيم حزب العمال جيرمي كوربين سيكون حاسما. للأسف، ضمن حملة الاستفتاء لم يلتزم كوربين بموقفه التاريخي المعارض للاتحاد الأوروبي، وهذا حد من اتساع وانتشار الحملة اليسارية الداعية إلى الخروج من الاتحاد. بدلا من ذلك عقد كوربين صفقة مع نوابه لدعم حملة البقاء.

ولكن على العكس من البعض داخل حزبه، أوقف دعمه للاتحاد الأوروبي في شكله الحالي، ورفض العمل مع كاميرون على قاعدة مشتركة. كما كتبت مجلتنا، سعى الجناح اليميني لحزبه للاطاحة به من القيادة، وإطلاق محاولة للانقلاب عليه، وقد جرى التخطيط لها منذ فترة طويلة.

حماقة الجناح اليميني في حزب العمال لا مثيل لها. عندما قال كاميرون إنه سيُستَبدل برئيس وزراء من حزب المحافظين لم يخض الانتخابات ولا تفويض شعبي له لفرض المزيد من الاجراءات التقشفية. في هذه اللحظة كان على اليسار أن يتوحد للمطالبة بإجراء انتخابات عامة جديدة- وتجديد الصراع ضد التقشف والعنصرية.

الجمهور المحتمل لا يقتصر على أولئك الذين دعموا حملة الخروج. الكثير من المصوتين الذين يتعاطفون مع اليسار صوتوا لصالح البقاء ولم يفعلوا ذلك لأسباب مبدئية مناهضة للعنصرية. هم حلفاؤنا في النضالات المقبلة.

علينا أن نقف بحزم إلى جانب المدافعين عن كوربين بوجه الجناح اليميني داخل حزبه، وأن ندعو لنضالات خارج البرلمان لكسب الإصلاحات التي ينادي بها، سيساعد ذلك في إعادة توجيه اليسار الاشتراكي المنقسم. ولكن بالإضافة إلى العمل مع المصوتين لصالح البقاء في الاتحاد، هذه الاستراتيجيا ينبغي أيضا أن تتصل مع الملايين من المصوتين لصالح الخروج من الاتحاد الذين شعروا بأنهم مسحوقين بواسطة التقشف والنيوليبرالية.

ركيزتا مقاربتنا هما بالفعل قيد التنفيذ. حملة الوقوف ضد العنصرية شكلت جزءا أساسيا من المظاهرات الداعمة للاجئين والمناهضة للعنصرية، لا سيما ضمن مسيرة الـ 50 ألف مواطن في شهر أيلول/سبتمبر من العام الماضي. ودعا التجمع الشعبي المناهض للتقشف لعدة مظاهرات، من بينها مظاهرة ضمت 150 ألف شخص في شهر نيسان/ابريل. ينبغي بناء هاتين المنظمتين في كل مكان.

ستنفذ العديد من الإضرابات في الأسابيع المقبلة، من ضمنها إضراب دعا إليه الاتحاد النقابي الوطني للمدرسين في 5 تموز/يوليو. والإجراءات النقابية في ظل المناخ الحالي ستكون مسيسة إلى حد كبير.

قبل كل شيء على اليسار أن يتجنب السلبية واليأس.

عملية انفصال بريطانيا عن الاتحاد الأوروبي ستكون طويلة ومعقدة، وستكون بقيادة طبقة رأسمالية ومجموعة سياسيين يعانون من ضربات شديدة لأنهم خسروا الاستفتاء. سيكون ذلك فرصة أمام اليسار لإعادة صياغة الأحداث إذا كان يمكن أن نتحد للتغلب عليهم.

--

* نشر النص باللغة الانكليزية في مجلة socialist review العدد 415 تموز/يوليو، آب/أغسطس عام 2016