توحش الحضارة في مواجهة توحش الحرية

نشر في‫:‬الخميس, حزيران 23, 2016 - 15:42
عمل للفنانة ميريام سلامة | فنون الثورة السورية
الكاتب/ة: محمد الأحمد.

"ادعوا أن حربهم على الإرهاب والتطرف... والواقع أن هدفهم السيطرة على السلطة وتكرار العملية المصرية في ليبيا لتعود الدكتاتورية بقيادة سيسي جديد يدعى خليفة حفتر". هذا ما قاله زعيم تنظيم أنصار الشريعة في ليبيا، محمد الزهاوي، في بيان إعلامي سابق موجهاً حديثه للولايات المتحدة والسعودية والإمارات العربية المتحدة.

قتل محمد الزهاوي منذ أيام على الأراض الليبية، إلا أن ما صرح به سابقاً عبر بوضوح عن تخوفه من إمكانية إعادة بناء لدكتاتورية القذافي ولكن بالتحالف مع قوى إقليمية ودولية مختلفة. أنصار الشريعة هو واحد من الحركات الإسلامية المسلحة التي نشأت بعد الثورات العربية، كان منشأ هذه التيارات حركات وأحزاب سياسية في الخمسينات من القرن المنصرم إلا أن الانقلابات العسكرية والأنظمة الديكتاتورية بقمعها الوحشي والممنهج أدت إلى نقلة نوعية في طبيعة هذه التيارات من أحزاب لا تتمتع بالشعبية وغير ممثلة في البرلمان، إلى حركات سرية لاقت التضامن مع الظلم الذي تعرضت له في سياق الظلم المفروض على الشعوب بشكل عام. وبالرغم من العقلية الإقصائية المؤسسة على مفهوم الفرقة الناجية التي تحملها هذه التيارات، إلا أن هياكلها التنظيمية كانت تدار بعملية انتخابية على أسس تداولية فيما كانت الأنظمة الحاكمة تحتكر القرار والعمل السياسي لعشرات السنين.

وعند انتفاض شعوب المنطقة برز طريق السلاح مرة أخرى في سوريا واليمن وليبيا كسبيل لاستئصال أنظمة الحكم، وكانت خبرة السلاح والجهوزية لاستعماله موجودة لدى الفروع الجهادية للتيارات الإسلامية. فمقابل وحشية النظم الحاكمة، نشأت الوحشية المضادة التي كانت عدوة الجميع، عدوة النظم الحاكمة والقوى الدولية، حتى القوى الإقليمية المحتضنة للحركات الجهادية كان لها نصيبها المستتر من العداوة نتيجة لتحكمها في مجريات الأحداث في سبيل تحقيق مصالحها الخاصة. وكالمعتاد فإنه ليس من المسموح لتيارات معادية للقوى الكبرى بأن تصل إلى السلطة.

وقد استعملت تهمة الإرهاب لتشرع الحرب على أي تيار أو تنظيم معاد للمصالح الدولية. فقائمة الإرهاب لا تتطرق إلى نظام الحكم السوري الذي ارتكب جرائم حرب ومارس الإرهاب بكل أشكاله في سوريا فهو ليس تنظيماً مسلحاً بل سلطة "تفرط" في استخدام قوتها "الشرعية". إلا أنها تصنف تنظيم الدولة الإسلامية وجبهة النصرة وحزب الله كتنظيمات إرهابية. والفرق بين الاثنين أن نظام الأسد قابل للتفاوض، أما التيارات الإسلامية فلا تزال تحتفظ بصورة واضحة عما قامت به الولايات المتحدة في العراق وأفغانستان ودعمها لإسرائيل فيما ترتكبه من الجرائم في فلسطين. وفي هذه الصورة وجدت القوى الأوروبية والولايات المتحدة أن مصالحها لا تلتقي مع وصول التيارات الإسلامية إلى السلطة إلا أنها قد تتمكن من التفاوض مع مستنسخات من الأنظمة الديكتاتورية الموجودة حالياً، وكل ما عليها فعله هو دعم تسويات تصب في صالح أنظمة جديدة من صلب الأنظمة القديمة في إطار ثورة مضادة، مع إضعاف التيارات التابعة للقوى الإقليمية والقضاء على أي تنظيم خرج عن سيطرة اللاعبين الأساسيين، وبوجه أخرق وجهت التهم إلى التنظيمات غير المرغوبة كـ"إرهابيين"، وكان الحل إبادتهم، فهم خطر على الأمن والسلم الدولي.

إن هذا التحديد ينطلق من تحديد مقابل بأن القوى المناهضة لما سمي بـ"إرهابيين" تحمي الأمن والسلم الدولي، إلا أننا وبعودة إلى تاريخ السياسات الدولية في المنطقة والحروب والتدخلات التي قادتها، وتنافسها في السيطرة على الدول النامية ومد نفوذها الجيوسياسي، فإن القوى الدولية لم تبخل على المنطقة بكل أنواع الأسلحة وبتشكيلة من الجرائم استهدفت المدنيين والأنظمة الحاكمة على حد سواء، وتلا ذلك فضائح لممارسات التعذيب والاعتقالات التعسفية في السجون كسجن أبو غريب.

إن منجزات القوى الدولية تمثلت بقتل نصف مليون ضحية من العراقيين على يد الاحتلال البريطاني الأميركي، وآلاف الضحايا الفلسطينيين منذ أكثر من نصف قرن وحتى الآن وآلاف الضحايا اللبنانيين، إضافة إلى ضحايا الغزو السوفياتي لأفغانستان، الذي أكملته الولايات المتحدة في بداية القرن الواحد والعشرين.

وبالمقارنة فإن الجرائم التي ارتكبتها القوى الدولية لم تستطع التنظيمات الإسلامية بلوغها بعد، إلا أن ذلك لا يعتبر مهدداً للسلم والأمن الدوليين لأن المعني بالسلم والأمن الدولي هو الأمن الغربي أمن القوى الكبرى ومراكز تجمع الثروة، فيما عدا ذلك فإن كل شيء قابل للتفاوض ومن الممكن التغاضي عنه. وقد تم ذلك عندما سلم نظام الحكم في سوريا ترسانته الكيماوية في مقابل تفادي قصف الولايات المتحدة لقواعده، تم اعتبار ذلك كاعتذار من النظام السوري عما فعله. وهو الاعتذار المبتذل نفسه الذي رفض أوباما تقديمه لليابان في زيارته الأخيرة عن ضحايا القصف النووي في الحرب العالمية الثانية. وفي وقت سبب فيه القصف الكيماوي لوحده مقتل أكثر من ١٧٠٠ ضحية في الغوطة الشرقية، فإن قيام تنظيم الدولة الإسلامية بقتل صحفيين غربيين، والقيام بعمليات تفجير للمسارح والأماكن العامة في أوروبا استلزم تدخلاً فورياً.

هذه الانتقائية في حماية حقوق المدنيين والدفاع عن الضحايا، هي ما تشير بوضوح إلى مفهوم السلم والأمن الدولي، وتمتد هذه الانتقائية إلى الكثير من مراكز الدراسات السياسية ومراكز الدراسات المتخصصة بالإرهاب، حيث أشار الباحث في مركز واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، جيمس جيفري، في سياق اقتراحه لأسلوب أكثر فعالية في القضاء على تنظيم الدولة الإسلامية أنه يجب القبول بمخاطر أعلى بقليل من الضحايا المدنيين.

وفي مفارقة واضحة فإن مدينة الفلوجة العراقية التي دمرها جنود البحرية الأميركية عام ٢٠٠٤، يدمرها اليوم تنظيم الدولة الإسلامية، وستدمرها القوات الجوية العراقية وقوات التحالف الدولي في سبيل إخراج التنظيم منها. ويأتي الحشد الشعبي الذي دخلها من ثلاثة محاور ليضفي على الصراع بعداً طائفياً أعمق.

إن الفرق الوحيد بين الأشلاء التي تقطعها التنظيمات الإسلامية والأشلاء التي قطعتها القوى الدولية في المنطقة هو في الأدوات المستخدمة. والنتيجة كانت أن التوحش الذي قادته القوى الدولية باسم الحضارة والديمقراطية والحرية المشوهة والمنتقاة أنتج توحشا في سبيل حرية مشوهة ومنتقاة، فالتنظيمات الإسلامية الإقصائية والمتمركزة حول نفسها في المنطقة اليوم ليست إلا مرآة لغرب إقصائي متمركز حول نفسه في جزء آخر من الكرة الأرضية.