أردوغان وغولن وإرغينيكون جديدة

نشر في‫:‬الخميس, حزيران 16, 2016 - 15:54
الصورة من هنا: infostormer.com
الكاتب/ة: محمد الأحمد.

فتح الله غولن وحركته العالمية تعتبر رمزا من رموز السلام والتعايش بين الحضارات في الوسط المدني الأميركي، جرى تصنيف الحركة كمنظمة إرهابية في نهاية شهر أيار الماضي من قبل السطات التركية. ترافق ذلك باستيلاء الحكومة التركية على البنك الخاص بالحركة ومقره تركيا، إضافة إلى المدارس التي تديرها الحركة وعددها يقارب الـ ٣٠٠ مدرسة بدأت نشاطها الفعلي في تركيا منذ تسعينات القرن الماضي. 

واتهمت السلطات التركية حركة فتح الله غولن بالتغلغل داخل مؤسسات الدولة التركية وإقامة كيان موازٍ للسلطات في محاولة لقلب النظام الحالي، رغم أن فتح الله غولن كان حليفاً لأردوغان قبل وبعد وصوله إلى السلطة، إلا أن اتهامات الفساد عام ٢٠٠٨ التي واجهت أردوغان وأبناؤه صعدت التوتر بينه وبين غولن، حيث يتهم أردوغان أن غولن أشعل هذه الاتهامات ضده، وكما أطاح أردوغان بخصومه المعارضين وخاصة العسكريين منهم عند توليه السلطة في ٢٠٠٢ في قضية إرغينيكون والدولة العميقة وتم ذلك بمساعدة غولن.

القضية نفسها تشتعل اليوم مع تعديل الأطراف التي تدير اللعبة، فالهدف هو فتح الله غولن والخطر الذي يشكله على الزعامة التركية التي تسير نحو نظام رئاسي. فأردوغان يرى أن تركيا بحاجة إلى قرار مركزي، كما كانت بحاجته عند توليه السلطة في خضم الأزمة المالية التي كانت تواجه البلاد، حيث قادت فوضى الصراع السياسي البلاد إلى حالة من عدم الاستقرار الذي أدى بدوره إلى سحب المستثمرين ٧٠ بالمئة من أموالهم والتي كانت تشكل دعامة الاقتصاد التركي.

وكان وصول حزب العدالة والتنمية إلى الحكم قد أدى مهمة إعادة الاستقرار إلى البلاد وعودة أموال المستثمرين، إلا أن الإنجاز الحقيقي لحزب العدالة والتنمية في الاقتصاد التركي هو تحويله للعجلة الاقتصادية للاعتماد على القطاع الصناعي بدلاً من الاستثمارات الأجنبية. وكان لغولن دورا أساسيا غير مباشر في هذه العملية؛ فمدارس حركة فتح الله غولن تعتبر من أفضل الهيئات التعليمية التركية والتحولات التي شهدها الاقتصاد التركي ما كانت لتنجح لولا وجود نظام تعليمي يشكل حاملاً بشرياً له. وكان غولن قد اختصر سنيناً طويلة على الدولة التركية لتأسيس بنية تعليمية كهذه، إضافة إلى أن أعضاء حركة فتح الله غولن الملاحقين اليوم بتهمة الانتماء إلى منظمة إرهابية يديرون أكثر الشركات والمؤسسات التركية نجاحاً في البلاد منذ بداية القرن الحالي.

إن استهداف حركة فتح الله غولن اليوم لا يشكل سوى جزءاً من تمظهر لتضخم الأنا السلطوية الأردوغانية. ففي المخيلة الأردوغانية يقبع الجميع في دائرة المتآمرين على مصلحة الأمة التركية التي تحددها رؤيته. هذا الاضطراب السلوكي السياسي ليس خاصاً بأردوغان أو بحزب العدالة والتنمية، إنما هو جزء من ظاهرة اجتماعية سياسية عالمية، حيث ترى الجماعات السياسية الموجودة في السلطة نفسها كمركز للحقيقة والخير في حين يُتَهم الآخرون هم عملاء للخارج المنافس أو أصحاب عقول فاسدة، مما يعني بالضرورة أن أي تنازل عن السلطة للآخرين أو حتى السماح لهم بالمشاركة بالاتجاهات السياسية للبلاد يعتبر خيانة لمصالح الأمة المتخيلة.

ولدى كل سلطة متآمرون خاصون بها فالولايات المتحدة لاحقت الشيوعيين الأميركيين في كل مكان، والنظام السوري اعتبر مواطنيه جماعات من المندسين الخارجين عن العباءة الوطنية. هذه العقلية السياسية هي ما تدفع أردوغان اليوم إلى ضرب الديمقراطية السياسية في البلاد بدافع من الحرص على "مصلحة الامة"، فتجريد خمسين عضوا في البرلمان التركي من الحصانة القضائية، ورشقهم باتهامات وأبرزها "إهانة الرئيس"، قد ينهي الوجود السياسي الكردي لحزب الشعوب الديمقراطي، فيما يتم استهداف حزب الشعب الجمهوري، الذي يعتبر من بقايا التيار العلماني التركي، حيث نجح أردوغان في منع المعارضة الداخلية في الحزب من إسقاط رئيسه الحالي، مستعملاً قراراً قضائياً بدت دوافعه السياسية واضحة.

وعندما يضاف إلى ذلك استهداف البنية التحتية الاجتماعية والأكاديمية والمؤسساتية في الدولة التركية، باستعمال قضية فتح الله غولن، وذلك بعد فشل محاولات لمحو رمز الإرث الأتاتوركي العلماني في ساحة تقسيم، فإن تركيا تسير اليوم باتجاه كيان سياسي محصن من منافسيه الذين كانوا جزءاً مهماً من النهضة الاقتصادية، ومحصناً من المحاسبة أيضاً.

إذا، مفهوم الدولة العميقة الذي يتكرر اليوم بتسمية مختلفة "الكيان الموازي" باقٍ ويتمدد وسيصبح سيفاً في مواجهة أي معارضة موجودة أو مستقبلية، وسيشكل حائطاً في وجه أي محاولة قضائية تلاحق فساد السلطة. فهل يستدعي هذا المسار موجة احتجاجات تركية جديدة أم أنها بداية دولة الحزب الواحد حزب الأخ الأكبر؟