‫لنرفض الاستعباد الأيديولوجي لكرة القدم، لنقاطع كأس أوروبا 2016‬

نشر في‫:‬الثلثاء, حزيران 14, 2016 - 14:45
بريشة رسام الكاريكاتور brouck
الكاتب/ة: مجلة أي رياضة؟.
ترجمه‫/‬ته الى العربية‫:‬ وليد ضو      
المصدر‫:‬      

‫في وقت تتنامى فيه امبراطورية كرة القدم بطريقة مافياوية، النموذج الذي لا مثيل له للرياضة-البزنس الغارقة بمبالغ هائلة من الأموال التي تدفعها شبكات التلفزة والرعاة والشركاء الرسميون‬، تستضيف فرنسا بتكلفة مرتفعة، بين 10 حزيران/يونيو و10 تموز/يوليو المنتج التجاري الأشهر للاتحاد الأوروبي لكرة القدم: كأس أوروبا 2016. اليمين حلم به واليوم اليسار الحكومي، بتحالفه مع أصحاب العمل وبتأييده لليبرالية، يحققه. الرئيس فرنسوا هولاند يحلق سعيدا بكرة القدم وكل حكومة مانويل فالس بوضع حرج قبيل الانتخابات الرئاسية المقبلة عام 2017، يريد أن يجعل من كأس أوروبا "مسألة وطنية". حتى أنه دعا إلى "التعبئة العامة" لهذه المنافسة التي يشارك فيها مجموعة من المرتزقة يقبضون 1000 مرة أكثر من الحد الأدنى للأجور من أجل "العيد الوطني الكبير" الهادف إلى "زيادة الحماس العام". فرنسا الواقعة تحت ضغط الأزمات المالية والاقتصادية التي تضررت بشدة من خطط التقشف الصارمة، وألقيت فريسة خدمة لسياسات ضرب الخدمة العامة، بدءا من خفض الأجور والمعاشات التقاعدية، وتسريح العمال وتدمير الحماية الاجتماعية، كل ذلك تُتَوِجُهُ الدعوة إلى "التفكير الإيجابي" عبر تعزيز ثقافة الترحيب وتطوير كرة القدم البزنسية، والغرق في الشوفينية التشجيعية.

فرنسا، الجنة الضرائبية للاتحاد الأوروبي لكرة القدم

شركات الهولدينغ الجشعة وكل الجانحين ذوي الياقات البيضاء لرأسمالية المحاسيب سيجتمعون في مدرجات الـ VIP في الملاعب المحدثة، دعاهم فرنسوا هولاند لتحويل فرنسا إلى إلدورادو جديدة بذريعة "عيد" الكرة وصهر الوعي بأن لاعبي فرنسا هم الحصن المنيع بوجه داعش، وصعود الجبهة الوطنية، وتزايد البطالة، والاكتئاب المنزلي وتغير المناخ! في الواقع، وبعيدا عن التشكيك في الغطرسة المالية للاتحاد الأوروبي لكرة القدم، فقد سارعت الحكومة الاشتراكية لتصويت الجمعية الوطنية، في بداية شهر كانون الأول/ديسمبر عام 2014، على مشروع تعديل المادة 24 من قانون المالية حيث أعفيت بكل بساطة الشركة التجارية "Euro 2016 SAS" من دفع الضرائب والرسوم طيلة مدة كأس أوروبا (Lemonde.fr, 5 novembre 2014). وهكذا فإن الدولة قد حرمت نفسها بشكل إرادي، خلال الأزمة والتقشف و"دموع وعرق" الموظفين، من مئات الملايين من اليوروات من الإيرادات الضريبية. بالإضافة إلى ذلك، انخرطت بكل طواعية أيضا وتحت نير املاءات الاتحاد الأوروبي لكرة القدم، حيث وافقت على تولي المسؤولية عبر السلطات المحلية من خلال الشراكة بين "القطاعين والعام والخاص" لمصلحة أكبر شركات الباطون (بويغس، فينسي، إيفاج، فايات…)، المصاريف البالغة 1،6 مليار يورو كتكلفة بناء وتجديد الملاعب الكبرى (وسبل الوصول إليها) اعتبرها مجلس شورى الدولة "مصلحة عامة" في أيار عام 2011. ملعب مدينة نيس كلف 243 مليون يورو، من بينها 69 مليون يورو من الأموال العامة. خطة التمويل العام-الخاص تجبر رئيس البلدية على دفع لإدارة الملعب مبلغا وقدره 8 مليون يورو بالسنة لمدة 27 سنة، أي ما قيمته 216 مليون يورو (Lemonde.fr, 24 juin 2015). السيناريو عينه اتبع في مدينة مرسيليا حيث كلف تجديد ملعب فيلودروم 268 مليون يورو حيث تدفع السلطة المحلية 12 مليون يورو خلال 30 عاما أي ما يساوي 360 مليون يورو. الملعب الجديد في مدينة ليون كلف 405 مليون يورو من بينها ما يقارب 200 مليون يورو من الأموال العامة. ملعب بيار موروي في مدينة ليل كلف 324 مليون يورو (lexpansion.lexpress.fr, « Football : la folie des grands stades », 2 mai 2013). لصوصية كرة القدم ضربت من جديد: عبر خصخصة الأرباح- حوالي 2 مليار يورو من الأرباح وتقريبا حوالي 900 مليون يورو هو صافي الأرباح لصالح الاتحاد الأوروبي لكرة القدم- ومَشْرَكَة الخسائر.

حالة الطوارئ في كرة القدم

في حين أن جزءا كبيرا من اليسار المسمى "متمردا" أو "ساخطا" قد حرك العديد من قواه للتظاهر ضد تمديد حالة الطوارئ عقب الهجمات الإرهابية التي ضربت فرنسا، لم تلفظ بأي كلمة حتى اليوم، ولا تنتقد ولا تنظم أي احتجاج ضد حالة الطوارئ في كرة القدم. فبهدف تأمين مصالح الاتحاد الأوروبي لكرة القدم عبر حمايته من التهديد الجهادي والعنف الاعتيادي لشغب جماهير السياح المتنقلين بين الملاعب ومختلف أماكن الاستهلاك (فنادق، مقاه، "مناطق المشجعين"، مراكز التسوق، أماكن ثقافية…)، المدن الفرنسية الرئيسية حيث النقود لا تعد ولا تحصى "حبا بكرة القدم" و"بالأجواء الاحتفالية"، تبدو كخلايا نحل تعج برجال الشرطة، والعسكر، والمخابرات، والميليشيات الخاصة، وطائرات وكاميرات المراقبة. فستتحول، في الواقع إلى مختبرات واسعة لتقنيات عملاقة للمراقبة والتلاعب والسيطرة السياسية للجماهير، كما هو الحال في أي دولة عسكرية-أمنية. أكثر من ذلك بالنسبة لكأس أوروبا الحالي كما بالنسبة لسابقاته، ما يسمى بـ"عيد الشعوب" سيكون سجنا يحيط به رجال الشرطة! ولكن لا جان لوك ميلينشون الذي يقارن تجربة كرة القدم بالأوبرا، ولا بيار لوران الذي لا يفوت مناسبة لتهنئة منتخب فرنسا، ناهيك عن نويل مامير مشجع نادي سانت ايتيان، أو دانيال كوهن بنديت المهووس بكرة القدم والذي يعتبر منذ سنوات أن هذه اللعبة هي شعبية وأنها إذا تم اعتبارها أفيون الشعوب فهو يؤكد على تعاطيها المستمر دون أي خجل، كلهم لا يعارضون هذا التجمع للمهووسين بكرة القدم، والذين يقبلون التعاطي معهم كلحم داخل الملعب، ولا يدافعون عن فكرة الحرية التي يزعمون أنهم من حماتها في أماكن أخرى. كما أنه من الفاضح والمشين أن تقوم حكومة اليسار بصرف المال العام خدمة لشركات البزنس واحتكارات الملاعب، بدلا من بناء منازل ذات جودة عالية، وفتح دور حضانة جديدة، وتجديد المدارس والجامعات، والمكتبات والمراكز الثقافية المتداعية، وأنسنة المستشفيات ودور المسنين وزيادة الخدمات العامة في جميع أنحاء البلاد، لا يمكن الاعتماد على هؤلاء "اليساريين" المتعلقين بكرة القدم كالمحار على الصخور.

آفاق

كأس أوروبا 2016 الذي يفرض نفسه كمبالغة إعلانية وقصف دعائي شبيه ببروباغاندا الدول الاشتراكية السابقة، هو بمثابة حملة تضليل سياسية وتأطير أيديولوجي. من غير المجدي أن نأمل من المثقفين المنومين، والمأسورين ومسلوبي العقل بكرة القدم أن يحاربوا هذه التجارة العظمى لتحشيد العقول والتي "تميل إلى تقريب الشعوب إلى حالة البرمائية" (1). مما لا شك فيه، أنه حين تحقق النصر الإلهي للمنتخب الفرنسي في كأس العالم عام 1998، قام فريق من أشباه المفكرين، إلى جانب نجوم الإعلام بالتشجيع لكرة قدم تنضح بالمال، والحيل والعنف. كما شارك المثقفون بذلك، رافضين، عبر تخفيف أو تحوير المشكلة، تدمير هذه الثقافة لصالح قيمة وحيدة تفرضها كرة القدم على شباب يفتقرون إلى تحديد الهوية: كيفية تحقيق المال بكل الوسائل!

في سياق اجتماعي يتزايد التوتر فيه بفعل استفزازات متعددة لحكومة مانويل فالس ضد العمال والطلاب (ضرب قانون العمل، تجريم النضالات النقابية، التخلي عن المزارعين…)، سيكون من المفضل، إزاء كل ذلك، أن تقوم المنظمات السياسية والنقابية المنخرطة في النضالات ضد قوانين ماكرون/الخمري المحابية للطبقة البرجوازية الهادفة إلى تحقيق "المرونة" ولبرلة العمل عبر استعمال سلاح التهديد بمقاطعة سياسية وأخلاقية لكأس أوروبا بحيث تتطابق المقاومة للإجراءات الحقيرة والرجعية لفرنسوا هولاند استراتيجياً مع المواجهة ضد كرة القدم كآلة لربح المال. لسنا على خطأ، لأن المعركتين متصلتان بعمق: فعندما يصفق ذوو الحد الأدنى للأجور والعاطلون عن العمل والعمال المرميون للاعبين المليونيريين، يفرض مديرو البورصة والمساهمون وأصحاب البنوك بكلبية قانونهم الذي يغرق مصالح الشعب "في المياه الجليدية لحساباتهم الأنانية" (2). كما ندعو أيضا أصحاب الآراء الديمقراطية لمقاطعة على مستوى فردي هذه الاحتفالية غير اللائقة لأغنياء يتجمعون حول طابة. فلنطفئ شاشات التلفزة حتى لا نكون متلصصين لعملية البروباغندا. فلنرفض شراء منتجات شركاء كأس أوروبا من أجل إضعاف السوق التجاري المرتبط بكرة القدم. فلنسائل كل ممثلينا عن الحسابات الدقيقة للاسثمارات من المال العام والمنافع الاقتصادية المرتبطة بـ"احتفالية كرة القدم" بهدف اشتراط تصويتنا المستقبلي بعدم فرض ضرائب مقنَعة إلى هذا الحد أو ذاك لصالح كرة القدم.

* نشر النص باللغة الفرنسية في الموقع الالكتروني للحزب الجديد المناهض للرأسمالية- فرنسا، بتاريخ 10 حزيران 2016 

الهوامش:

1) Max Horkheimer et Theodor W. Adorno, La Dialectique de la raison. Fragments philosophiques, Paris, Gallimard, « Tel », 1996, p. 52.

2) Karl Marx, Friedrich Engels, Manifeste du parti communiste, Paris, Éditions sociales, 1962, p. 25.

--

لقراءة المزيد حول الموضوع:

نايف الهنداس، كأس العالم أفيون الشعوب، 1 تموز/يوليو 2014، موقع المنشور الالكتروني، رابط المقال: أنقر/ي هنا