هل يمكن لانتخابات بلدية أن تفتح الطريق لصورة اولية لسلطة شعبية لاحقة؟

نشر في‫:‬الخميس, حزيران 2, 2016 - 22:49
الكاتب/ة: المنتدى الاشتراكي (لبنان).

قدمت الانتخابات البلدية الاخيرة، ولو بحياء، صورة جديدة، إلى هذا الحد أو ذاك، على الأقل في جانب منها، ولا سيما في بيروت، لما يمكن ان تؤول إليه انتخاباتٌ قد تصبح، مع الوقت- ومع انتقال أعداد متعاظمة من الناس من المواقف السلبية شبه اليائسة إلى مواقف الفعل والمشاركة- أقرب إلى المصالح الفعلية، ولو الجزئية، لجمهور الناخبين (ومعظمهم من الطبقات الفقيرة والمعدمة)، وأن تميل للخروج، ولو تدريجياً، وبطريقة قد تكون متعثرة، في مرحلةٍ أولى، من هيمنة القوى المتصارعة في السلطة السياسية المحلية، سلطة البرجوازية الطائفية المحلية، وبقايا المجتمع العشائري- العائلي- شبه الإقطاعي القديم.

وهو أمرٌ لا بد من الاعتراف بأنه ما كان يمكن بالضرورة ان يحصل، لولا عوامل مؤثرة شتى ترتبط، من جهة، بالسيرورة الثورية العربية التي  اندفعت إلى الواجهة، في السنوات الاخيرة، على امتداد المنطقة العربية، ولا  سيما في تونس ومصر، مهما تعرضت له تلك السيرورة من انتكاسات، فيما بعد، تحت ضغط الثورات المضادة، ومن جهة اخرى بالحراكين الشعبيين الهامين، الإثنين، اللذين عرفهما لبنان بالذات، على التوالي، في شتاء- ربيع 2011، تحت يافطة النضال ضد النظام الطائفي اللبناني، ومن ثمَّ في صيف العام الماضي 2015، رداً على فضيحة النفايات الصلبة التي نشرتها السلطة اللبنانية القائمة في اماكن شتى من الارض اللبنانية، وبالضبط في الغابات والأنهر، وشواطىء البحر، واماكن كثيرة اخرى، مع ما يلازم ذلك من تلويث مخيف لبيئة البلد سوف يظل يعاني آثاره، طويلاً جداً.

وفي الواقع، يتجسد الجانب الإيجابي في انتخابات هذا العام (التي كانت دورتها الاخيرة يوم الاحد 29 ايار الماضي، في الشمال)، في اكثر من ناحيةٍ واحدة، وبالتحديد في أربع حقائق لا مجال لإنكارها:

الأولى: أن حصولها من دون أي مشكلة امنية، وبسلاسة وامان واضحين، جاء ليكشف مدى نفاق السلطة القائمة، التي اجلت الانتخابات النيابية مرتين، في السنوات الاخيرة، بذريعة المخاوف من انتكاسات امنية محتملة، في حال إجرائها، بما يظهر كم ان "الديمقراطية" الطبقية المهيمنة لدينا بائسة وكاذبة، ولا علاقة لها بالواقع الملموس.

والثانية: أننا نعتقد - على رغم المآخذ الجوهرية التي لنا على قوى يسارية وديمقراطية، من ضمنها الحزب الشيوعي اللبناني، فيما يتعلق بفهمها للتحالفات الانتخابية، الذي جعلها، بدلاً من الحفاظ على استقلاليتها التامة، تدخل في لوائح مشتركة مع القوى البرجوازية، الطائفية، على اختلافها، كما مع البنى العائلية والعشائرية الأكثر تقليدية، في مسعىً انتهازي لحصد قدر من مقاعد المجالس البلدية، ومن مراكز المخاتير، من دون أدنى اهتمام باستناح كل فرصة يتيحها نشاط ٌ شعبيٌّ جماهيري، لأجل رفع مستوى الوعي لدى المشاركين في ذلك النشاط - أنَّ تجرؤ هذه القوى على الدخول في مواجهات، على هذا القدر او ذاك من الجدية، في انتخابات الجنوب الاخيرة، مع القوى السائدة، المتمثلة بكل من حركة امل، وحزب الله، وحلفاء هؤلاء في 8 آذار، عبر تشكيل لوائح مناهضة للوائح هؤلاء، وخوض المعركة الانتخابية ضدهم، مع ما أدى إليه ذلك من خروقات نسبية، في أمكنة عديدة، لصالح تلك اللوائح، شكَّل عاملاً إيجابياً، ولا سيما عن طريق كسر توجهات تلك القوى لابتزاز خصومها، وبخاصة اولئك الشيوعيين منهم، وتخويفهم، والحيلولة بالتالي بينهم وبين ممارسة حياتهم السياسية بحرية، فضلاً عن تعميق علاقتهم بالجماهيرالشعبية الواسعة. كما أن خوض تلك المعركة اتاح الفرصة واسعة امام كشف التراجع الواضح في سيطرة القوى المنوه بها، على الناخب/ة الجنوبي/ة، الذي لم يعد منخرطاً بصورة جدية في التعبئة المذهبية، التي كانت هذه القوى قادرة على تحريكها والاستفادة منها، لفرض نفسها قوة مسيطرة وحيدة، تقريباً، على مستوى الجمهورالذي يشاركها الانتماء المذهبي عينه، في المنطقة المعنية. أكثر من ذلك، بات واضحاً ان قسماً بالغ الاهمية من هذا الجمهور لم يعد يشعر بالانشداد، سواء عن قناعة أو عن خشية، إلى حزب الله، بذريعة دوره في مقاومة العدو الإسرائيلي، ولا سيما بعد انكشاف انحكامه العميق بقرارات القيادة الإيرانية، الذي جعله يتورط في القتال، في أكثر من مكان، بعيداً عن أرض معركته الاساسية، بحسب مزاعمه، أي الارض اللبنانية المحاذية لفلسطين. 

هذا ويضاف إلى أسباب هذا التراجع المشهود في حضور حزب الله وحلفائه الاقربين، لدى الناخب/ة الجنوبي/ة، الذي كشفته الانتخابات الاخيرة، انخراطه ايضاً، في شتى بؤر الفساد، بنتيجة دخوله الحياة السياسية المحلية، ومواقع السلطة والإدارة بكثافة، وغوصه في مستنقعاتها، على مختلف المستويات، وفي شتى المواقع. ناهيكم عن ممارسته، حيث تسنى له ذلك، قمع الحريات، على اختلافها، ومصادرة ما كان للحياة الشخصية، في المأكل والمشرب والملبس، وغير ذلك، قبل الحرب الاهلية اللبنانية، من حصانة واحترام.

وتتمثل الثالثة في ما كشفته انتخابات طرابلس بالذات من استعداد مستجد، لدى الناخبين/ات، هناك، بنتيجة التجربة الفعلية التي عاشوها في السنوات الأخيرة، للتخلي عن الدعم الذي كانوا يقدمونه لزعامات برجوازية طائفية تقليدية، من ضمنها، وفي مقدمتها، وريثُ رفيق الحريري السياسي، سعد الدين الحريري. فقد نجحت، وبإمكانات مادية ضئيلة للغاية، اللائحة ُ التي شكلها الوزير المستقيل، أشرف ريفي، بمقابل لائحة تحالف واسع شارك فيه، إلى الحريري، كل من الرئيس الاسبق للحكومة، نجيب ميقاتي، والنائب الصفدي، والجماعة الإسلامية، والأحباش، ورفعت عيد(!!!) - الذي سبق ان خاض حرباً عبثية مقرفة، هو وازلامه في جبل محسن، من مواقع مذهبية، ومخابراتية، في آن، ضد مقاتلين، في باب التبانة، يأتمرون، بصورة او بأخرى، بتوجيهات قوى وزعامات، ممثلة في لائحة الحلفاء الألداء الجدد، المشار إليها(!!) -، وآخرون. وإن كان هذا الاستعداد ليس مبرَّأً من النزعة المذهبية الصرفة، التي يضرب على اوتارها وزير العدل المستقيل، ريفي، ولا يدل، تالياً، على تحول نوعي في وعي ناخبي الشمال وناخباته.

في كل حال، ليس مسؤولاً عن ذلك، حصراً، وبالضرورة، هؤلاء الاخيرون/ات، تحديداً، بل الغياب المديد، والمثير للقلق، ليسارٍ قادر على استقطابهم/ن، على اساس برنامج جذري متقدم يمثل مصالحهم/ن، سواء منها الآنية، أو المصيرية البعيدة المدى، برنامجٍ علماني ديمقراطي ثوري يأخذ بالاعتبار، قبل كل شيء، وفوق كل شيء، عدا قضايا الحريات الديمقراطية، والكرامة الإنسانية، قضية العدل الاجتماعي، وضمان حياة كريمة، ومستوى معيشي لائق، للجماهير الشعبية الواسعة.

أما الرابعة، وربما هي الاهم، فتتمثل بظاهرة اللوائح المستقلة عن قوى السلطة السائدة، في 8 و14 آذار، التي كانت أهمها لائحة "بيروت مدينتي". وليس من قبيل المبالغة إذا اعتقدنا أن هذه الظاهرة، بالضبط، هي امتداد، من بعض النواحي، للحراك الشعبي، في صيف العام الماضي 2015، من حيث هي تحاول ان تُدخل إلى الحياة اللبنانية نغماً جديداً، وضوءاً مختلفاً تكون الرؤية عن طريقه أشد وضوحاً وشفافية. فلقد جاءت الحملة التي خيضت على أساسها معركة اللائحة المنوه بها مختلفة بوضوح عن باقي الحملات، على امتداد الوطن ككل. خاضها 24 شاباً وشابة، بالتساوي من حيث الجندر، ومن دون ان يكونوا تابعين لأيٍّ من أطراف المشهد السياسي اللبناني االتقليدي، وذلك على اساس برنامج واضح وعد أعضاء اللائحة بتنفيذه بأمانة، في حال امكن وصولهم إلى المجلس البلدي لمدينة بيروت. برنامج ينطلق من حاجات تنموية فعلية لسكان العاصمة، في كل من مجالات ضمان السكن وحماية البيئة، والدفاع عن تراث المدينة الثقافي والمعماري الجميل، وتأمين أرصفة مناسبة للمشاة، وزيادة الحدائق العامة، وضمان الملكية العامة للشواطىء فيها، والإنماء العادل لجميع أحيائها من دون تمييز. ناهيكم عن وضع استراتيجية متكاملة لإدارة النفايات الصلبة، وتحسين  النقل والحركة، وتعزيز وسائل النقل المشترك، والتشجيع على  المشي واستخدام الدراجات الهوائية، فضلاً  عن تحسين الاماكن والمساحات الخضراء، الخ.... 

وكانت لافتة الحملة الانتخابية التي قامت بها اللائحة، والتي تطوع لاجلها حوالى الالفي شاب وشابة عمدوا إلى التواصل مع سكان المدينة، وعقد اللقاءات المباشرة معهم/ن، لأجل نقاش حاجاتهم/ن وملاحظاتهم/ن على المجالس البلدية السابقة، وتلقي اقتراحاتهم/ن، مع ما شكله ذلك من تعبئة فعلية لهؤلاء،  في سياق تجربة غنية لم يسبق ان خيضت من قبل، وستترك حتماً تأثيرات عميقة في وعي من شاركوا فيها. علماً بأن هذه الحملة نجحت في دفع نسبة عالية جداً من الناخبات والناخبين لاختيار التصويت للائحة "بيروت مدينتي"، بحيث لم يكن الفرق بين عدد المصوتين لها وعدد اولئك الذين صوتوا للائحة التقليدية المقابلة، "لائحة البيارتة" الحاظية بدعم تيار المستقبل وحلفائه، يزيد عن آلاف قليلة، على الرغم من الإمكانات الهائلة التي زجها هؤلاء الداعمون في معركتهم، مستفيدين من انحياز السلطة القائمة، ومن التجاوزات غير القليلة التي حصلت لصالح "لائحة البيارتة"، والمال الكثيف الذي تم إنفاقه لشراء أصوات الكثيرين، علانية، وامام كاميرات وسائل الإعلام، وهو ما يفترض ان يشكل مدخلاً للطعن في نزاهة هذه الانتخابات، امام المجلس الدستوري، ومحاسبة المسؤولين عن تلك التجاوزات، لدى المحاكم المختصة!

هذا وتجدر الإشارة إلى أن تجربة "بيروت مدينتي" احدثت تأثيراً حقيقياً في اكثر من مكان ومنطقة، بحيث سعى العديدون في مدن وقرى شتى للنسج على منوال ما حصل في بيروت، كما الحال في بعلبك، بوجه خاص، حيث ظهرت في مواجهة لائحة حزب الله وحلفائه، هناك، لائحة حملت اسم "بعلبك مدينتي"، نجحت في كسب نسبة عالية من اصوات اهل المدينة بلغت اكثر من 45% من مجموع الناخبين، وكشفت مدى التزوير الذي انساقت إليه اللائحة السلطوية المقابلة، إلى حد "تصويت" الموتى لصالحها، ناهيك عن المال الانتخابي الذي تم دفعه لضمان نجاحها.  

كما يمكن التنويه ايضاً بظاهرة "لائحة الإنماء"، في زغرتا، وقد شكلها مستقلون رافضون لهيمنة لقاء الزعامات العائلية التقليدية في المدينة، التي يختصرها سليمان فرنجية وميشال معوض، في إطار لائحة "معاً لزغرتا وإهدن" التوافقية. وقد لخصت الفرق بين اللائحتين المرشحة ضمن الاولى منهما، مارينا عريجي، بقولها: "الاختلاف أصبح قائماً على البنية والقيم. فالقيمة الأساس للائحتنا هي الحريّة، بمعنى التفلّت من سلطة زعيم ما، وعدم ارتباط قرار أي من المرشحين وأعضاء المجلس البلدي المحتملين بحسابات غير الحسابات الإنمائية، والدراسات التي تقام حول المشاريع".

في كل حال، لا بد من التشديد على واقع ان الموقف المعلن ضد القوى السياسية السائدة، من جانب الظاهرة الجديدة التي تشهدها الانتخابات البلدية الراهنة، إذا كان ينطوي على إيجابيات تنطلق من رفض الزعامات التقليدية الطائفية والعشائرية المسيطرة على المشهد العام في البلد ككل، ومن ضمنه مشهد هيئات التمثيل المحلي البلدي، والاهتمام ببلورة سياسات تنموية مضادة ترتبط بحاجات فعلية لدى الناس، فثمة ضرورة لتسليط الضوء بالمقابل على الفكرة المسيطرة، لدى المندفعين في هذه التجربة، والمتمثلة بعزل التنمية عن السياسة، والتعبير الصارخ عن رفضهم أي تعاون مع قوى سياسية حزبية، أياً تكن، وذلك من هذا المنظور بالذات. وهو أمر يضعنا بصورة لا لبس فيها أمام الحدود المكشوفة لنزعة التغيير، لدى الجماعات المشار إليها، ومن ضمنها جماعة "بيروت مدينتي"، المحكومة بتوجهاتها الإصلاحية الفاقعة، من داخل النظام القائم، وبعيداً عن القضايا الجوهرية التي تقف عاجزة إزاءها، وشديدة الشعور بالقهر والاضطهاد والقمع - بوجوهه المختلفة، الطبقية والطائفية، والعنصرية، والذكورية، وما إلى ذلك – غالبية ٌ كبرى من المواطنين/ات، ومن باقي المقيمين/ات على الارض اللبنانية، ومن ضمنهم/ن العاملات والعمال الاجانب، واللاجئون واللاجئات، الفلسطينيون/ات والسوريون/ات. ونحن نعني، بالضبط، قضايا الحرية والكرامة الإنسانية، والعدل الاجتماعي، التي لا بد وأن تصبح من الاهتمامات الأساسية لهذه المجموعات.

كل هذا، في الوقت الذي نأخذ فيه على هذه الجماعات، كذلك، تغييبها لمطلب اساسي بالغ الاهمية، يشكل الالتزام بطرحه مدخلاً إلى ديمقراطية اكثر ارتباطاً بمصالح سكان المدن، بوجه اخص (وقد باتوا غالبية فعلية فيها)، ممَّن نزحوا سابقاً من الاطراف البعيدة للبلد، أو من اي منطقة اخرى، نحو التجمعات السكانية المدينية الكبرى، في الساحل اللبناني، ولا سيما بيروت. ألا وهو مطلب الانتخاب في اماكن السكن، على وجه التحديد. هذا فضلاً عن تغييب الدور المفترض ان تضطلع البلديات به، وبوجه اخص بلدية بيروت، المتعلق بدعم التعليم الرسمي، على مختلف مستوياته. كما أنه من الجدير بالذكر تغييب "بيروت مدينتي" مطلب النسبية، في الانتخابات البلدية.. وهو مطلب جوهري لا يمكن التغاضي عنه، علماً بأن لتطبيقه، على العكس، تأثيراً بالغ الأهمية في نتائج الانتخابات، لصالح ديمقراطية هذه الاخيرة، كما لصالح حضورٍ حقيقي للقوى الاكثر تمثيلاً للإرادة الشعبية.

إننا، في المنتدى الاشتراكي، إذ نثمِّن الجوانب الإيجابية، على محدوديتها، في التجربة الموصوفة اعلاه، ونعلن مساندتنا للجانب الاعتراضي الواضح فيها على الوضع القائم، بما ينطوي عليه من فساد مفرط، ومن تناقض عميق مع مصالح الغالبية الكبرى من الناس العاديين، ولا سيما المعسرين منهم، نؤكد، بالمقابل، على ان كل تنمية مرتبطةٌ، بصورة جوهرية، بالرؤية السياسية الطبقية التي تقف وراءها. ونعتقد في الوقت ذاته أن التنمية هي جانب فقط من مهام البلديات ووظائفها، وان المؤسسات المحلية المنتخبة، وبالتحديد المجالس البلدية، إنما يُفترَضُ التعامل معها، في فهمنا لها، كثوريين، وثوريات، على انها ينبغي أن تشكل هيئات ديمقراطية بالفعل، ولا بد من ان تفتح، بالتالي، الطريق لصورة اولية، على الاقل، لسلطة شعبية ديمقراطية لاحقة. ومن هذا المنطلق، لا بد من ان تكون التنمية، بفهمها المتقدم، جزءاً فقط من برنامجنا البلدي، وان تنضاف إلى هذه المسألة، الهامة بالتأكيد، مسائل اخرى تتعلق بباقي المطالب العامة المطلوب طرحها، على المستوى السياسي والاجتماعي والاقتصادي الاشمل، ومن ضمنها، وفي مقدمتها، مطلب العدالة الاجتماعية، والقطع الجذري مع كل أشكال التمييز بين الناس، على اختلافها، مع ما يفترضه ذلك من حاجة إلى توجه اكثر وضوحاً إلى الطبقات الاجتماعية الاكثر تعرضاً للظلم في مجتمعنا، ومن ضمنه في بيروت بالذات. 

ولقد كان على كثير من الصواب أحد المتطوعين السابقين في حملة "بيروت مدينتي"، حين أعلن أن المرشحين على لائحتها قد يكونون اظهروا بعض السذاجة، "حين ظنوا ان بإمكانهم النجاح، عبر برنامج متطور، ولكن من دون دعم الطبقة العاملة". ونحن نزيد على ذلك عدم الاكتفاء بالسعي وراء الدعم المشار إليه، والتشديد، على العكس، على ضرورة الانخراط العميق والكثيف والجوهري في معركة هذه الطبقة، وباقي الفئات الشعبية الحليفة لها، لاجل تحررها، بالتضافر مع توظيف شتى الحملات والتحركات، والنشاطات، بما فيها الحملات الانتخابية، على اختلافها، ومنها الحملات الانتخابية البلدية، لأجل هذه الغاية.

وفي شتى الاحوال، إن المعركة، على هذا المستوى، لا ينبغي ان تتوقف، مع إعلان النتائج النهائية، بل يجب ان تستمر بعد ذلك، يوماً بيوم، لفرض رقابة شعبية جدية على المجالس البلدية المنتخبة، أياً يكن من وصلوا إلى مقاعدها، على  الطريق إلى اليوم الذي يمكن فيه ان يتم تعديل موازين القوى الطبقية بصورة جذرية، في المجتمع بأسره، بحيث يصبح ممكناً، آنئذ، جعل الانتخابات إلى تلك المجالس مداخل فعلية إلى سلطاتٍ شعبيةٍ، ولو أوليةٍ، حقيقية.