الطبقة العاملة، في الموقع الثوري، البارحة واليوم وغداً، حتى سقوط النظام الرأسمالي

نشر في‫:‬الخميس, ايار 5, 2016 - 16:00
عن صفحة المنشور على الفايسبوك
الكاتب/ة: هاني عضاضة.

هناك هجمة نيوليبرالية كبيرة حول العالم خلال السنوات الماضية، تزايدت حدّتها بعد العام 2011،  على المكتسبات التاريخية، الاقتصادية أو السياسية، التي تمكّنت الطبقة العاملة ومختلف الفئات الاجتماعية المتضرّرة من انتزاعها عبر نضالات عقودٍ من الزمن (أمثلة عربية: مصر/قانون منع الإضراب في نيسان 2015 – حظر التجول في تونس رداً على الاحتجاجات الاجتماعية عقب ذكرى الثورة التونسية في كانون الثاني 2016). الهجمة لتجريم الإضرابات العمالية، على سبيل المثال، هي بحد ذاتها دليل على تزايد الإضرابات العمالية، فخلال الأشهر القليلة الماضية – أواخر العام 2015 حتى أيار 2016، تاريخ كتابة هذه السطور – خاض الكثير من العمال حول العالم، في أكثر من 40 دولة، إضرابات في قطاعات مختلفة، وحول مطالب مختلفة.

مثلاً، عمال مطاعم الوجبات السريعة في الولايات المتحدة الأميركية خاضوا إضراباً موحداً عن العمل منذ حوالي الأسبوعين في أكثر من 270 مدينة أميركية للمطالبة بتحسين الأجور، بالتزامن والتنسيق مع إضرابات للمطالبة بتحسين الأجور في عشرات المدن في 30 بلد حول العالم. وتصدّر الإضرابات عمال سلسلة مطاعم ماكدونالدز، وشركة ماكدونالدز كما نعلم هي شركة أميركية المنشأ ولكنها متعددة الجنسيات وعابرة للحدود القومية، ولديها أكثر من 36 ألف فرع ومليون و900 ألف عامل حول العالم. ولكن في الوقت نفسه، كانت الإضرابات والمظاهرات العمالية بدورها متعددة الجنسيات وعابرة للحدود القومية، وهذا مؤشر جديد لحيوية الصراع الطبقي على مستوى العالم بأكمله، وعلى أن التنظيم الذاتي للعمال الذين يعملون في الشركات الرأسمالية الضخمة، ودون أي توجيه حزبي سياسي عابر للحدود، قادرٌ على الانتقال بنفسه من طور النشاط الوطني والقومي، إلى طور المواجهة العابرة للحدود ضد رأس المال،  وهذا دليلٌ آخر على أن التحليل الماركسي لعالمية الصراع الطبقي لا يزال ساري المفعول، بل هو دليلٌ على أن النضال الأممي وشعار "يا عمال العالم اتحدوا" يصبح أكثر راهنيةً كلما اتجهت الرأسمالية أكثر، بحكم القوانين التي تحكم تطورها، وتطور كل مرحلة من مراحلها، نحو العولمة النيوليبرالية.

لنعود إلى الولايات المتحدة الأميركية، وهي النموذج الذي أعطيه في البداية كون الرأسمالية الأميركية هي "النموذج المنتصر ضد الاشتراكية"، وهي الرأسمالية التي "قضت على الإيديولوجيات"، وهي التي "لن يتخطاها العالم"، فلا شيء من بعدها، بحسب أغلبية المنظرين البرجوازيين. في الولايات المتحدة الأميركية، بدأت تظهر شعارات اقتصادية عامة يتوحد العمال الأميركيون من كل القطاعات حولها، بدعم من الطلاب والمتقاعدين وقدامى المحاربين وغيرهم، أهمها مطلب رفع الحد الأدنى للأجور من 7.25$ إلى 15$ في الساعة، وهو الأجر الذي لم يرتفع منذ العام 2009 في معظم الولايات (باستثناء بعض الولايات مثل ولاية ميشيغان حيث أن الحد الأدنى للأجور يبلغ $10 في الساعة)، وهذا الأمر يعكس تردي الأوضاع الاجتماعية لفئات واسعة من الطبقة العاملة الأميركية، التي تتدهور أحوالها باستمرار، وهو ما يعكسه أيضاً تزايد عدد الإضرابات والمظاهرات المطلبية من تحركات معدودة على أصابع اليد الواحدة في الشهر الواحد (في سبعينيات وثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي)، إلى عشرات التحركات في الشهر الواحد خلال وبعد أزمة 2007-2008، ثم مئات التحركات في جميع الولايات الأميركية في الشهر الواحد خلال العام 2011 وبعده وصولاً إلى زمننا الحالي. لا وجود لضمان صحي شامل في الولايات المتحدة الأميركية، دخولية المستشفى (الطوارئ) تكلّف على الأقل 500 دولار (69 ساعة عمل بالنسبة للحد الأدنى للأجور الفدرالي، يعني أكثر من أسبوع عمل!)، الشعب الأميركي يعيش على بطاقات الائتمان (credit cards) والاقتراض ويدفع الكثير من الضرائب التي يتحوّل جزء كبير منها إلى أسلحة وأدوات للقتل، التعليم مكلف جداً، فالطلاب يعتمدون على القروض المصرفية أو المنح الدراسية للحصول على التعليم الجامعي لذلك يسافر العديد من الطلاب الأميركيين للدراسة في الخارج، أما تملّك منزل فيصبح أكثر فأكثر من المستحيلات بالنسبة للعمال الأميركيين (وهي حال الطبقة العاملة حول العالم، الذي تحكمه بشكلٍ أو بآخر الامبريالية الأميركية ونظيراتها الأوروبية والروسية). ظاهرة برني ساندرز وتوجهه اليساري الذي يروجّ لمبادئ اشتراكية في مكان ما، في مركز الرأسمالية العالمية، ليست منفصلةً عن أزمة عام 2008، ولا عن حركة Occupy عام 2011، ولا عن حركة Black Lives Matter، ولا عن تصاعد الحركات العمالية وظهور حركات مطلبية اجتماعية جديدة اليوم، كالإضراب العام للمعلمين في شيكاغو، والمظاهرات المستمرة ضد عنف الشرطة في سان فرانسيسكو... الخ. فإذاً، هي ليست ظاهرة فردية وعابرة ولا تتكرّر، وسيتبعها ظهور العديد من السياسيين اليساريين الشعبويين، كما التنظيمات اليسارية والعمالية الأكثر مناهضة ووضوحاً ضد الرأسمالية والعولمة النيوليبرالية والحروب والتمييز بكل أشكاله. كل هذا ليس منفصلاً عن الحراك الاجتماعي والتقلبات الاقتصادية، وتراكم الثروات الضخمة بيد شركات قليلة، بالرغم من الأزمة الرأسمالية في الفترة الأخيرة، بل حتى بفضلها، فكلنا يعلم كيف داوت الشركات الرأسمالية جراحها هذه المرة، على حساب أموال الشعوب التي تدفع الضرائب. هناك إذاً حركات عمالية وطلابية تتصاعد في البلدان الرأسمالية المتقدمة، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية وفرنسا التي تشهد اليوم احتجاجات عمالية كبيرة ضد قانون العمل الجديد (وصلت المظاهرات في باريس، نانتس، ليون، رينّ، وغيرها من المدن الفرنسية إلى أكثر من 400 ألف عامل وطالب يرفعون شعارات أممية يسارية واشتراكية الطابع)، وفي جميع بلدان العالم، وفي البلدان النامية التي تشهد تقلبات سياسية وتوترات اجتماعية كبيرة، وأخص منها البرازيل وإيران ومصر والهند.                

لكي نفهم جيداً ما هو دور الطبقة العاملة، في تحويل هذا المجتمع، الذي يشهد كل هذه التوترات من جديد، علينا أن نعي أولاً ما هي الطبقة العاملة، وما هي كل مكونات المجتمع الطبقي الذي ننتمي إليه اليوم، أي المجتمع الرأسمالي الذي تحكمه الطبقة البرجوازية سياسياً، وتسيطر فيه اجتماعياً واقتصادياً وتهيمن عليه إيديولوجياً. ما زالت التعريفات الماركسية الكلاسيكية للطبقات الاجتماعية في المجتمع الرأسمالي راهنة، فالطبقة البرجوازية هي الطبقة غير المنتجة بالمعنى الفعلي للكلمة، ولكنها تسيطر على وسائل الإنتاج الأساسية (الأراضي والحقول الزراعية والمناجم ومصافي البترول، والمواد الأولية والثروات الطبيعية على أنواعها، والمصانع والشركات التجارية الضخمة والمصارف، والتكنولوجيا الحديثة ووسائل النقل والإتصال... الخ.) التي تدرّ فائض القيمة (الأرباح) بشكلٍ دوري، وتسمح لأصحابها بمراكمة رؤوس الأموال والسيطرة على المزيد من وسائل الإنتاج، من خلال استغلال قوة عمل العمال بشكل متزايد عبر تشغيل المزيد من العمال، رفع الأسعار، الضغط على الأجور التي تتناقص قيمتها الفعلية مع الوقت، والاستفادة من "ظروف الاستثمار الخاصة" التي تخلقها لها الدولة، كما تستغلّ، وبشكل مضاعف، جزءاً كبيراً من الطبقة العاملة غير المعترف بوجودها "نظامياً" عبر غياب عقود العمل، أو عبر الدوامات الجزئية، أو عبر العمل في منظمات غير حكومية، وغيرها من الأشكال الاستغلالية الجديدة التي تنمو على أرضية نمط الإنتاج القائم.

الطبقة العاملة من المنظور الماركسي، هي الطبقة الوحيدة القادرة من بين جميع الطبقات الكادحة على قيادة النضال من أجل التغيير الاشتراكي، وتحويل المجتمع الرأسمالي، بسبب علاقتها العضوية بنمط الإنتاج الرأسمالي، من حيث هي منتَج رأسمالي بحد ذاتها (تماماً كما طبقة المبعدين عن عملية الإنتاج، أو كما يسميها ماركس، البروليتاريا الرثة). فالدورة الاقتصادية الرأسمالية لا يمكن أن تستمر، وأن تتكرّر، دون إضافة قوة عمل مئات الملايين من العمال حول العالم، الذين ينتجون فائض القيمة في كل القطاعات، الصناعية والزراعية والتجارية والخدماتية، من إنتاج السلع المعدة للاستهلاك المباشر، أو إنتاج السلع المعدة للتصنيع، أو إنتاج الخدمات التجارية أو المالية وغيرها.

الرفيق أديب أبو حبيب قال "أن الحركة العمالية كالنهر الجارف... تستطيع أن تبطئ حركتها لفترة من الزمن عبر بناء سد، ولكنك لا تستطيع أن توقف حركتها، فستجد الثغرات والطرق لتخطي السد، أو ستفجّر السد وتكمل طريقها."

أنا أؤكد على كلام الرفيق أديب... وأضيف، أن الحراكات العمالية والاجتماعية من جهة، وصعود اليمين النيوليبرالي من جهة أخرى، في حالة من الكر والفر على مستوى العالم. سأعطي مثالاً من دول الخليج العربي للتأكيد على قوة تأثير الطبقة العاملة من حيث أنها هي التي تملك علاقةً خاصةً بوسائل الإنتاج، لا يمتلكها دونها من الطبقات المتضرّرة. ولكن قبل المثال العملي، سأعطي مثالاً عن الوضع العام للطبقة العاملة في هذه المنطقة، من داخل القوة الرئيسية المؤثرة فيها، أي المملكة السعودية: كل أشكال الاعتصام والتظاهر والإضراب ممنوعة في المملكة. لا يوجد نقابات عمالية على الإطلاق، بل يوجد لجان تسمّى زوراً باللجان العمالية يشترك فيها صاحب العمل والحكومة.  9 مليون عامل أجنبي وعاملة أجنبية في المملكة السعودية يعملون وتعملن في ظروف عبودية، منهم مليون و500 ألف عاملة أجنبية تعملن بمعظمهنّ في خدمة المنازل، كثيراتٌ منهنّ يأتين من نيبال، وإندونيسيا، والفيليبين ويتعرضن إلى التحرّش الجنسي وسوء المعاملة.

رُصِدَ في دول الخليج العربي تزايد عدد الاعتصامات والمظاهرات العمالية بشكل غير مسبوق منذ شباط 2011 (والتي تم إنهاء معظمها بالقوة عبر القوى الأمنية والعسكرية، كما تم قمع المظاهرات السياسية ضد النظام في البحرين من قبل جيوش دول التعاون الخليجي مجتمعة)، وكانت هذه الاعتصامات احتجاجاً على سوء الوضع الوظيفي والمطالبة بعلاوات غلاء المعيشة وبالتأمين الصحي وبتخفيض دوام العمل إلى 8 ساعات في اليوم... وتم تسجيل أول إضراب عمالي في تاريخ دول الخليج العربي في 15 آذار 2011 من قبل عمال النفط والغاز في عُمان (تجري انتهاكات كثيرة لحقوق الإنسان بحق عمال النفط في عُمان). طبعاً التفّت الدولة على مطالب العمال بشكل سريع من خلال الوعود التي لم تُحقَّق لاحقاً. تجدّد الاضراب من قبل نفس العمال بعد 14 شهراً في 24 أيار 2012، واشترك فيه 4000 عامل من كل حقول النفط في سلطنة عُمان، واستمرّ لمدة أسبوع كامل، وضعت فيها الدولة العسكر في حالة تأهب لإنهاء الاضراب بالقوة، وتعرض بعض العمال في شركتين للفصل، فقطاع النفط والغاز يمثّل 85% من الاقتصاد العُماني. ولكن صمود العمال، بالإضافة إلى ظهور حركة مدنية وحقوقية دعّمت إضرابهم وساهمت في إطالة أمده، كانت نتيجته تحصيل العمال لبعض المطالب التي رفعوها. في هذا المثال، يظهر دور سياسي لحركة مدنية، في لحظة زمنية معينة لعبت هذه الحركة أحد أدوار الحزب الثوري، وهو التضامن الملموس، السياسي والمعنوي والإعلامي والإنساني والحقوقي مع العمال، مما يضيف بعض التوازن في الصراع غير المتكافئ بين العمال المضربين من جهة وقوى السلطة والشركات من جهة أخرى، مع أنها لم تكن سوى حركة عابرة، ولأنها لم تكن سوى حركة عابرة وليست تنظيماً ثورياً يملك استراتيجية لتغيير النظام الاجتماعي، فقد اكتفت بالمساهمة في الإنجاح الجزئي لهذا الإضراب، ولم تدرك أهمية تحويله إلى نموذج يُبنى عليه للانتقال في العلاقة التناقضية والاستغلالية بين رأس المال والعمل إلى مرحلة جديدة تكتسب فيها الطبقة العاملة موقعاً جديداً على حساب رأس المال، وقد كان هذا عاملاً من عوامل عدم امتداد الإضرابات العمالية الفعلية والمؤثرة في الاقتصاد لتطال قطاعات أخرى أو دول أخرى في نفس الفترة الزمنية. ولكن حتى في ظل غياب الحزب الثوري المناضل والنقابات الناشطة التي تراكم الخبرات العمالية، فقد ارتعبت السلطات والشركات في دول الجوار العُماني، فسارعت مثلاً الحكومة اليمنية باتخاذ قرار منع الاضراب في حقول النفط والغاز في أيلول 2012 (أي بعد أربعة أشهر من اضراب عمال النفط والغاز في عُمان)... يمكننا أن نلاحظ بوضوح هنا العلاقة السياسية العابرة للحدود بين الدول الرأسمالية والبرجوازيات الريعية/النفطية.

مثال آخر، ومن نفس المنطقة وفي نفس القطاع النفطي، منذ أقل من أسبوعين، قام 20 ألف عاملاً وعاملة من عمال النفط والغاز في القطاع العام في الكويت بالإعلان عن إضراب مفتوح احتجاجاً على خطة الجدولة الجديدة المخفوضة لرواتب العاملين فيه، وحصل هذا في ظل التشديد الأمني والخوف من رد فعل السلطة. وكلنا أصبح يعلم كيف هي حال الحريات في دول مجلس التعاون الخليجي. ولكن، وبسبب موقع عمال النفط والغاز من وسائل الإنتاج الخاصة بهم، ألا وهي حقول النفط وأدوات استخراجه وتكريره، وبفضل قوة تأثيرهم وتحكمهم بـ 50% من الاقتصاد الكويتي، نجحوا في فرض الإضراب الشامل على جميع الأراضي الكويتية دون أن تتعرّض لهم السلطة بالقوة بشكلٍ مباشر. طبعاً، في ظل غياب الحزب السياسي الثوري للطبقة العاملة، من المتوقّع دوماً أن ينحدر الخطاب السياسي للعمال إلى المستوى التالي: صدر عن اتحاد عمال البترول وصناعة البتروكيميائيات: "إكراماً لمقام صاحب السمو أمير البلاد... قررنا إلغاء قرار الاضراب الشامل والتحاق جميع عاملي وعاملات القطاع النفطي بمقار عملهم". ولكن الوجه النقابي الاقتصادي، القوة المادية الأولية للعمال، بغض النظر عن الخطاب السياسي أو الطابع الإيديولوجي لحركتهم، تظهّرت بوضوح في نفس الخطاب: "وأوضح الاتحاد أن "هدف تنفيذ الاضراب هو إيصال رسالة واضحة لا تحتمل اللبس بأحقية عمال وعاملات القطاع النفطي بمطالبهم"، وأنه حقق: "نجاحاً منقطع النظير تمكن من خلاله جميع العمال التأكيد على دورهم الكبير كونهم عصب اقتصاد هذا البلد".

ما هي علاقة الطبقة العاملة بالتغيير الثوري إذاً؟ وما هي علاقة التنظيم السياسي الثوري بالطبقة العاملة؟ للتحديد، ما هي العلاقة الديالكتيكية بين التنظيم السياسي الثوري والتنظيمات الأساسية للطبقة العاملة مثل النقابات واللجان والاتحادات العمالية؟ ثم ما هي عملية خلق التعاونيات القائمة على التكافل والتضامن بوجه المؤسسات الرأسمالية، والمجالس الديمقراطية بوجه البرلمان البرجوازي؟ وما هي النتائج والتداعيات المباشرة وغير المباشرة لهذه العلاقة بين الحزب أو التنظيم السياسي وبين التنظيمات العمالية النقابية الاقتصادية؟ يمكن أن أكتب مئات الأسئلة حول الموضوع نفسه، ولكن البديهي أن النقابة أو اتحاد النقابات هو الهيكل الطبيعي والشكل الجنيني تاريخياً لنضال العمال الاقتصادي والاجتماعي، بينما الحزب هو الهيكل الأساسي لبلورة خطاب عمالي سياسي يترجم النضال العمالي الاقتصادي والاجتماعي من جهة إلى لغة البرامج والمشاريع والاستراتيجيات، ويحفّز النضال العمالي من جهة أخرى لينعكس بدوره نشاطاً نقابياً سياسياً كلما تزايد تجذّره، وهذان الهيكلان، في التحامهما التاريخي ونضالهما المشترك، وهو نضالٌ واحد من منظور سيرورة التغيير الطويلة الأمد، والمعقّدة، وغير المتجانسة تماماً (كون أقسام الطبقة العاملة غير منخرطة في النضال بنفس المستوى والحدّة، انطلاقاً من الاختلافات في الوضع الاجتماعي والامتيازات والتقديمات ومستويات الأجور لمختلف الفئات العاملة ضمن الطبقة العاملة الواحدة، وأيضاً انطلاقاً من قدرة العمال على التنظيم الذاتي كلٌ بحسب مكان وظروف عمله ضمن القطاعات المختلفة: مصنع يشغّل 500 عامل غير 500 مؤسسة صغيرة كل منها يشغّل عاملاً واحداً – وهنا تكمن إحدى الصعوبات الأساسية أمام الطبقة العاملة لتنظيم نفسها ذاتياً، أي نقابياً وسياسياً)، يهيئان عبر التحامهما النضالي وترابطهما الثقافي والإيديولوجي وتناغم حركتهما على المستوى السياسي الأرضية لنضوج سلطة الطبقة العاملة، التي تنتقل من طور خلق قوةٍ طبقية مستقلة سياسياً عن نظام البرجوازية، بعد نجاحها فيه، إلى طور تشكيل سلطتها السياسية، ودخول مرحلة ازدواجية السلطة، التي على أساسها يبلغ الاستقطاب الطبقي ذروته.

غياب أو ضعف التنظيم الثوري يساهم في إمكانية تحول تنظيمات النضال الاقتصادي للطبقة العاملة المتمثلة بالنقابات واللجان والاتحادات إلى أدوات بيد السلطة وأحزابها، وهذا ما حصل في لبنان، وفي العديد من البلدان العربية ودول العالم. أما قوة التنظيم السياسي الثوري، الذي يشكّل رافعةً سياسية حقيقية، وتصميم وإرادة مناضليه ومناضلاته، فهي تساهم قبل أي شيءٍ آخر، في تسهيل عملية تنظيم الطبقة العاملة لنفسها، نقابياً، أو حتى على مستويات سياسية أعلى، كالمجالس (السوفييتات) في حال توافر ظروفٍ ذاتية وموضوعية معينة. دور الحزب الثوري يجب أن يتّجه نحو تمكين الطبقة العاملة من خلقها لسلطتها بنفسها، من القاعدة، عبر تنظيماتها الذاتية هي، وليس عبر خلق سلطته هو، أي سلطة الحزب، من رأس الهرم، وإلا تحولت محاولات خلق ازدواجية السلطة بين الطبقة العاملة والطبقة الحاكمة، إلى ازدواجية للسلطة بين الحزب العمالي والتنظيمات الذاتية للطبقة العاملة نفسها، وهذا الأمر حصل بطبيعة الحال في بدايات تشكل الاتحاد السوفييتي، وانتهى بتحكّم الحزب بالدولة والنقابات والسوفييتات. كما نفهم حدود النقابات الاقتصادية، علينا أن نفهم حدود الحزب الثوري، وهنا تبرز قوة التفاعل والتأثير المتبادل... والتقدّم التاريخي. فلا يوجد ديمقراطية عمالية بدون اشتراكية، ولكن لا يوجد اشتراكية بدون ديمقراطية عمالية بالتأكيد. والديمقراطية العمالية لا يمكن بتاتاً اختصارها بالتفاعل الديناميكي داخل الحزب السياسي، بل بالتفاعل الديناميكي بين تنظيمات الطبقة العاملة بين بعضها البعض من جهة، وبينها وبين التنظيم السياسي الذي يحمل فكر الطبقة العاملة الثوري، أي الماركسية، من جهة أخرى.

دور الطبقة العاملة وقوتها السياسية يضعف في المجتمعات القائمة اقتصاداتها على الريوع، بسبب صعوبة تنظّمها نقابياً، لذلك فإن الوزن السياسي للطبقة العاملة يضعف، بسبب تراجع قدرتها على التنظيم، ولكن وجودها المادي كطبقة اجتماعية تمثل الجزء الأكبر والأكثر عرضةً للاستغلال من المجتمع المنقسم إلى طبقات لا يزال يفرض نفسه، كما أن قدرتها على إلحاق الضرر بسرعة وفاعلية تجدّد الدورة الإنتاجية للرأسمالية ما زالت موجودة، حتى في الدول الرأسمالية القائمة اقتصاداتها على الريوع، فتراكم رأس المال يتباطئ لدى فشل الرأسمالية بتصريف السلع والخدمات لفترات معينة من الزمن، ما يسبب بخسائر كبيرة تنعكس ليس على القطاع الصناعي الربحي وحده فحسب، بل على كل القطاعات الرأسمالية الربحية، الريعية منها كالمالية والعقارية كما التجارية. فحتى وجود إمكانية بسيطة لدى الأجزاء المبعثرة للطبقة العاملة في الدول القائمة اقتصاداتها على الريوع، من الموظفين المصرفيين وموظفي الشركات التجارية والخدماتية، للتوحد والعمل على تنظيم أنفسهم، من شأنه أن يشكل خطراً على رأس المال، وبالتالي، فإن هذا الخطر قادر لدى تحولّه إلى قوة سياسية واقتصادية منظّمة على انتزاع مكتسبات نقابية وحقوقية واجتماعية ضرورية، حتى ولو كانت فئويةً في البدء، أي على المستوى القطاعي أو المناطقي فقط، والاشتراك في تحديث ظروف الصراع الطبقي ودفع الصراع إلى مرحلة جديدة، ما يعني، بشكلٍ أو بآخر، تحفيز قطاعات أخرى من الطبقة العاملة، ومن الطبقة البرجوازية الصغيرة المتضرّرة عامةً، للانضمام إلى سيرورة النضال الطبقي وبلورة مطالب عامة على مستوى البلد بأكلمه، أو حتى على مستوى أكثر من بلد واحد في آن، كما يعلّمنا عمال ماكدونالدز.

نحن كماركسيين لا نعتقد بأننا نبالغ كثيراً حينما نعتبر بأن مستقبل الحضارة البشرية يقع في أيدي المنتِجين، في قدرة الطبقة العاملة كأكبر قوة اجتماعية مستغلَّة، ولها مصلحة في التغيير، على وعيها لذاتها وتنظيمها لنفسها باستمرار، وخلق البدائل السياسية في كل الأزمنة والأمكنة، وهزّ أركان النظام الرأسمالي العالمي، وإحداث تحولات جذرية في الفكر والثقافة وأنماط الإنتاج والاستهلاك والتوزيع، وفي كيفية إدارة الموارد المحدودة للأرض والقضاء على أسلوب العيش الذي أنتجته الرأسمالية (مثال عن أسلوب العيش هذا: في الولايات المتحدة الأميركية أي 5% من سكان العالم – يبلغ الاستهلاك نسبة 30% من الاستهلاك العالمي، فيما يملك الـ 1% الأغنياء في الولايات المتحدة نفسها ما يقارب 34% من الثروة، أما 80% من الأميركيين فيملكون ما يقارب 16% من الثروة، وهذه المعدلات بحسب دراسة أعدها البروفسور الباحث في علم الاجتماع وعلم النفس جورج ويليام دومهوف)، أسلوب العيش الذي تسبب ويتسبب بالحروب المستمرة والمجاعات (كلنا يذكر صورة الطفل الأميركي البدين وصورة الطفل الأفريقي الجائع)، والاستغلال المفرط لثروات الكوكب بسبب الفوضى الإنتاجية للرأسمالية. المداخيل ترتفع، ولكن القدرة الشرائية تنخفض، كما نوعية الحياة (...)، الهوة بين الفقراء والأغنياء تتّسع بشكل كبير. المظاهرات العمالية والمطلبية تعود في عدة بلدان رأسمالية متقدّمة تعبيراً عن عمق أزمة النظام الرأسمالي.

إن سياسات مناهضة الرأسمالية يعاد صياغتها بشكل مستمر، وعلى استراتيجيات استبدال الرأسمالية بالاشتراكية أيضاً أن يعاد تصميمها.

لم تعد الرأسمالية قادرة على التحديث كسابق عهدها، ولم يعد بإمكانها لوم أنظمة أخرى على البؤس والاستغلال والقمع وغياب الحريات فالبشرية تعاني من كل هذا وأكثر تحت الرأسمالية. لم تنظر الرأسمالية إلى الخراب الذي خلّفته في كل مناسبة في الوقت الذي احتفلت فيه بانتصاراتها، والتي كانت في أغلبها عسكرية ومخابراتية وحصارات وحروب استنزاف طويلة الأمد لكل محاولة من محاولات التغيير الثوري الجدية.

على الهدف الاستراتيجي للاشتراكيين أن يكون موجهاً مجدداً نحو: أولاً، إلغاء الطبقة البرجوازية، عبر تكوين شروط نفيها، أي تكوين شروط نفي الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج، والبديل هو التشريك الجماعي والإدارة الجماعية والتنظيم الذاتي للإنتاج من خلال اللجان والمجالس العمالية المنتخبة ديمقراطياً، ومن خلال التعاونيات. فالمؤسسة التعاونية تمتاز بالإدارة الديمقراطية، على عكس المؤسسة الرأسمالية، وتنفي الحاجة إلى الربح، وتجعل المصلحة الأساسية مصلحة العامل المنتِج والمستهلِك. لدينا أمثلة حديثة من القرن الواحد والعشرين عن احتلال أماكن العمل وإدارتها بشكل تشاركي وبنجاح من قبل العمال في حالات إفلاس الرأسماليين. ثانياً، نفي نظام السوق الرأسمالي القائم على المنافسة بين الشركات الرأسمالية، وبديله الإدارة التعاونية وتخطيط اللجان العمالية الديمقراطي (الاقتصاد التعاوني الديمقراطي وليس نموذج الاقتصاد المخطّط لرأسمالية الدولة)، وإنتاج السلع والخدمات بفعل الحاجة إليها – أي إنتاجها على أساس قيمتها الاستعمالية وليس إنتاجها وتكديسها ثم الترويج لها بطرق ملتوية بهدف البيع وتحقيق الأرباح. ثالثاً، نفي علاقة العمل المأجور على أساس العمل الحر الذي لا يفرض على صاحبه حالةً من الإغتراب الذاتي. رابعاً، مهاجمة الخطاب البرجوازي الذي يقوم على تقسيم الطبقة العاملة بحسب الجنسية، أو الطائفة، أو الدين، أو اللون، أو تقسيمها بحسب الأعمار والجندر (النوع الاجتماعي) والخبرات والمستوى العلمي، بشراسة ودون مجاملة أو مهادنة مهما بدا الأمر "جنونياً" بالنسبة لأصحاب نظرية تجزئة الصراع وترتيب أولوياته، لأن صراع الفكر لا يمكن إلا أن يكون جذرياً. خامساً، التخلي عن نظرية "الاشتراكية في بلدٍ واحد"، والاعتراف بالحقيقة المادية القائلة بأن النظام الرأسمالي هو نظام عالمي، وبالتالي فإن البنى الطبقية الاجتماعية عالمية، لا يمكن حصرها في بلد أو في آخر مهما بلغت التعقيدات الثقافية والسياسية والامتيازات الخاصة بكل مجتمع (أو طبقات اجتماعية خاصة بمجتمع ما) على حدة، وبالتالي لا يمكن مواجهتها إلا بالنضال الأممي، وتنظيم الطبقة العاملة على كل المستويات الممكنة دون أي تفرقة وتمييز، ونقض الفكر الديني والقومي وكل فكرٍ يقسّم الطبقة العاملة بوجه مستغلّيها. سادساً، بناء التنظيم الثوري، محاربة الاتحادات العمالية التابعة للطبقة المسيطرة، والقضاء على زمن إقصاء العمال من السياسة. لا يمكن للطبقة العاملة أن تغدو قوة سياسية ثورية دون تنظيمها السياسي. سابعاً، اختراق القلب الصلب للأنظمة الرأسمالية، سواء أكانت المليشيات التابعة للدولة، أو كانت المليشيات التابعة لها بالإضافة إلى الميليشيات الخارجة عن نطاقها (كما في الحالة اللبنانية – عسكر الدولة وميليشيات الطوائف)، وضمّ الجنود الفقراء وكل أصحاب المصلحة في التغيير الثوري إلى جهود النضال بكل أشكاله، السرية والعلنية.

إن صراع الطبقات الاجتماعية ليس مفهوماً ماركسياً بحت، بل هو مفهومٌ ظهر خلال الثورة الفرنسية التي شهدت تحولات عديدة، وتبلور على يد سياسيين ومؤرخين وفلاسفة فرنسيين، مثل أوغستين تييري، أدولف تيير، أوغست كونت، فرانسوا غيزو، وغيرهم... تأثر معظمهم بشكل كبير بالفيلسوف الاشتراكي المثالي ومؤسس الاشتراكية الطوباوية هنري دي سان سيمون، الذي كان يعتقد بأن الصراع الذي يندلع داخل النظم الاجتماعية بعد دخول عناصر جديدة عليها هو شرط من شروط التقدّم الاجتماعي، والذي دعا إلى تنظيم الإنتاج وتكافؤ الفرص وإلغاء الملكية الخاصة والحكم السياسي البرلماني الذي يشكّل الصناعيون والعلماء والفنانون عموده الفقري على أنقاض الملكية الإقطاعية، وقد كان يعتقد بأن تطوّر المجتمع والثقافة يرتبط بشكل أساسي بالتطور الصناعي العلمي، لذا كان يركّز بشكلٍ أساسي على مبدأ أنه لا يمكن قيام مجتمع مدني حديث دون تحقيق شرط التطوير الصناعي. لم يدعُ سان سيمون إلى إلغاء المجتمع الطبقي بصراحة كما فعل ماركس، وأفكاره تتناقض بين الذاتية والموضوعية، وبين الإرادية وغير الإرادية، ولكنها كانت جوهرية في تاريخ تطوّر الفكر الاشتراكي، خاصةً وأنه كان يمنح مكانة خاصة للتنظيم في المجتمع الجديد. أما الماركسية، فهي فكر المقاومة العمالية العلمي والنضال الاشتراكي الملموس، وهي التي تسلّح الفلسفة والفكر البشري بمهمة تغيير العالم بدل الاكتفاء بتفسيره.

إن المعارك الصغيرة للطبقة العاملة هنا وهناك، حول العالم، ليست صغيرة إذا نظرنا إلى الصورة الكاملة. ما زالت الطبقة العاملة هي القوة القادرة على قيادة التغيير، ولا تزال هي القوة التي تكتسب الوعي وتبني تنظيماتها مع تزايد حدة الصراع وتفاقم الاستغلال الطبقي.

--

* نسخة معدلة عن كلمة الرفيق هاني عضاضة في مؤتمر أول نوار ضمن ندوة لماذا الطبقة العاملة؟ في 30 نيسان/ابريل 2016