أنجزة المقاومة

نشر في‫:‬الخميس, نيسان 14, 2016 - 17:47
الكاتب/ة: أرونداتي روي.
ترجمه‫/‬ته الى العربية‫:‬ خلود ابراهيم      
المصدر‫:‬      

هناك خطر يواجه الحركات الجماهيرية ألا وهو أنجزة المقاومة. سيكون من السهل حصر ما على وشك أن أقوله باتهام كافة المنظمات غير الحكومية. ولكن ذلك سيكون بعيدا كل البعد عن الصواب. ترقد معظم المنظمات الحكومية في المياه العكرة، إمّا عبر اختلاس المنح المالية أو عبر الخداع الضريبي (في بعض الولايات مثل ولاية بيهار [شمال شرقي الهند]، تعطى هذه الأموال تماما كمهر الزواج)، وهناك في الطبع منظمات غير حكومية تقوم بأعمال قيّمة، ولكن من الضروري أن ننظر في ظاهرة المنظمات غير الحكومية في سياق سياسي أوسع.

في الهند على سبيل المثال، أخذت المنظمات غير الحكومية الممولة في الازدهار في أواخر الثمانينات والتسعينات. تصادف ذلك مع انفتاح أسواق الهند على النيوليبرالية. في ذلك الوقت، كانت الدولة الهندية، متماشية مع متطلبات التكيف الهيكلي، قد استهلّت بسحب التمويل المخصص لتنمية الأرياف والزراعة والطاقة والمواصلات والصحة العامة. عند تخلي الدولة عن دورها التقليدي، انتقلت المنظمات غير الحكومية إلى هذه المناطق وباشرت العمل فيها. الفرق، بالطبع، هو أن التمويلات المتاحة لهذه المنظمات غير الحكومية هي جزء صغير من الانفاق العام المتقلص. 

معظم المنظمات غير الحكومية ذات التمويل الضخم يتم تمويلها ورعايتها من قبل وكالات التنمية والإعانة، والتي هي بدورها ممولة من قبل حكومات غربية والبنك الدولي ومنظمة الامم المتحدة وبعض الشركات المتعددة الجنسيات. على الرغم من أنها قد لا تكون نفس الوكالات، لكنها بالتاكيد جزء من البنية السياسية الواسعة التي تشرف على المشروع النيوليبرالي وتطالب بتقليص الانفاق الحكومي في المقام الاول. 

لماذا تقوم هذه الوكالات بتمويل المنظمات غير الحكومية؟ هل هو من أجل التحميس الاعلامي التقليدي فحسب؟ الشعور بالذنب؟ إنه اكثر من ذلك بقليل. إن المنظمات غير الحكومية تعطي انطباعا بأنها تملأ الفراغ الناجم عن تنحّي الدولة. وهي كذلك، لكن بطريقة غير منطقية ماديا. تكمن مساهمتها في تهدئة الغضب السياسي، وتوزيع مساعدات ومعونات كانت قد حولتها من حق لازم للناس إلى عمل خيري ومعونة. إنها تغير الحالة النفسية العامة. تحوّل الناس إلى ضحايا اعتماديّة وتحاصر المقاومة السياسية. تشكل المنظمات غير الحكومية نوع من العازل بين الحاكم والشعب، بين الامبراطورية ورعاياها. ولقد أصبحت الوسيطة والمفسّرة والميسّرة.

تعتبر المنظمات غير الحكومية مسؤولة، على المدى الطويل، تجاه مموليها، لا تجاه الناس الذين تعمل بينهم. إنها ما يسميه علماء النبات بالمؤشرات النوعية. وكأنما بازدياد الدمار الذي تخلفه النيوليبرالية، يزداد انتشار المنظمات غير الحكومية. وليس هناك من إيضاح واضح لذلك أكثر من مشهد الولايات المتحدة وهي تستعد لاجتياح بلد، وفي الوقت نفسه تستعدّ المنظمات غير الحكومية للذهاب إليها وتنظيفها من الخراب. من أجل التأكد من عدم وجود خطر لدى تمويلها ومن سماح حكومات البلدان التي تعمل فيها لها بالقيام بوظيفتها، على المنظمات غير الحكومية أن تعرض أعمالها بإطار سطحي، يفتقر إلى السياق السياسي والتاريخي، أو مع سياق تاريخي وسياسي غير ملائم في أي حال. 

إن تقارير الاستغاثة اللاسياسيّة (والتي هي بالتالي سياسيّة للغاية) من البلدان الفقيرة والمناطق الخاضعة للحرب تجعل شعوب البلدان (المظلمة) ذوي البشرة (الغامقة)  يبدون وكأنّهم  ضحايا مرضى. هندي آخر يعاني من سوء التغذية، وإثيوبي آخر جائع، ومخيم آخر لللاجئين الافغان، وسوداني آخر مشوه... بحاجة إلى مساعدة الرجل الابيض. إنها تعزز من غير قصد الصور النمطية العنصرية وتؤكد على الانجازات ووسائل الرفاهية والرحمة (والحب الصارم) التي تؤمنها الحضارة الغربية. هي المبشر العلماني في عالمنا المعاصر. 

وفي النهاية- على نطاق أصغر، ولكن أكثر دهاء- فإن رأس المال المتاح للمنظمات غير الحكومية يلعب الدور نفسه في السياسة البديلة، باعتبارها رأس المال المضارب الذي يتدفق داخل وخارج اقتصاد البلدان الفقيرة. فتبدأ بصياغة البرامج. وتحول المواجهة إلى مفاوضة. وتجعل المقاومة غير سياسية. وتعترض طريق تحركات الشعوب المحلية التي لطالما كانت تعتمد على ذاتها. تملك المنظمات غير الحكومية أموالا بامكانها أن توظف السكان المحليين الذين يمكن أن يكونوا بخلاف ذلك ناشطين في حركات المقاومة، ولكنهم يشعرون بأنهم الآن يقومون بعمل نافع فوري وبشكل إبداعي (ويكسبون لقمة عيشهم خلال هذا العمل).

إن المقاومة السياسية الحقيقية لا تتضمن طرقا مختصرة كهذه. فأنجزة السياسة يهدد بجعل المقاومة وظيفة ذات أجر معقول ولائق من التاسعة حتى الخامسة، مع بعض الامتيازات المضافة. للمقاومة الحقيقية نتائج حقيقية. ومن دون راتب. 

--

* نشر المقال باللغة الانكليزية بتاريخ 4 أيلول 2014 في موقع massalijn