قراءة في الرغبة الذكورية في النظام الأبوي

نشر في‫:‬الاربعاء, اذار 16, 2016 - 19:46
الملصق من هنا | www.zazzle.com
الكاتب/ة: إسلام الخطيب.

تعمل بعض جوانب الثقافة الإنسانية كنظام مُحكم من "الطقوس الجنسية"—لا أقصد هنا الملذات البديلة بالمعنى الفرويدي، بل الفعاليات الإجتماعية التي "تنظم" و"تضبط" الطاقات الجنسية وتحول القوة الجنسية إلى هيكيلة حيّة ترمز للقوة، اللذة، الإغواء والتكاثر.

ومن وجهة النظر هذه، يعتبر الاغتصاب وغيره من أشكال العنف الجنسي ضد المرأة، الأطفال، امتدادا للنظام الذي يفرض الشكل الطبيعي للعلاقات بشكل هرمي. يعمل العنف الجنسي كأداة لهذا النظام حتى أصبح اليوم أمرا روتينيا. هذا هو النظام الأبوي، وهذه هي الرغبة الجنسية التي لا تنفصل عن الذكورية: أي الرغبة الذكورية. 

مفهوم الجنس في ظل هذه المنظومة ناتج عن وعي الرجل لموقعه في هرم العلاقات الاجتماعية ورغبته. حتى يمكن القول إن رغبة الرجل هي التي تُنظم عرضا متواصلا من الطقوس الجنسية العنفية والمؤذية للذين/اللواتي لا تطابق صفاتهم/ن سمات وصفات الرجل "الطبيعي". وذلك لأن المفهوم المتأصل في النظام الأبوي هو "الفكرة" التي تقول بأن رغبة الرجل لها الحق في فرض نفسها، أي أن الرغبة الذكورية لها الحق بأن تكون مشبعة جنسيا، وبقية القوى والإمكانات الجنسية موجودة فقط من أجل إشباع تلك الرغبة. وعند شعور "الرجل" بالرغبة، يعمل على تنظيم كل قوته المادية لتحقيق غايته بأي وسيلة كانت: الإغواء، المال، استغلال الحب والعواطف، والاغتصاب. وبالنسبة للآخرين: الذكور والنساء والأطفال وحتى الحيوانات، الذين/اللواتي يخضعون/ن للتأثير المباشر لهذه الرغبة - بدرجات متفاوتة طبعا، هم/ن ليسوا/ن إلا أدوات لتحقيق غايات جنسية.

بعض من هؤلاء الآخرين قد يعترفون/ن بشرعية الرغبة الذكورية عن طريق الزواج مثلاً، وبالتالي تحصين أنفسهم/ن ولو نفسيا واجتماعيا ضد بعض أشكال العنف الجنسي حتى، وهم/ن في الحقيقة يسلمون/ن أنفسهم /ن للرغبة الذكورية بالكامل. أما "السنجل" [single] في هذا الإطار ليسوا/ن إلا أهدافا محتملة لكافة أشكال العنف الجنسي ومحاولاتهم/ن لحماية أنفسهم/ن تضعهم/ن في خطر أكبر لأنهم/ن قد يخضعون كمن سبقهم/ن إلى وسيلة الاعتراف بشرعية الرغبة الذكورية.

وهذا، ولو بشكل جزئي، يفسر عدم التضامن مع ضحايا الاغتصاب "السنجل": لأنهن بنظر الرغبة الذكورية والنظام الأبوي يظهرن "صفاتهن" وهذا يعبر عن رغبتهن بالجنس بعكس المتزوجات اللواتي يُنظَر إليهن كأدوات جنسية لا يمكن أن يتعرضن للاغتصاب لأنهن أصبحن فعليا ملكية خاصة- أي أن الاغتصاب أصبح "طبيعيا" و"متوقعا" في حالة المتزوجة، و"مفترضا" في حالة "السنجل". وحتى وإن ظهر التضامن إنما يظهر بفحوى ذكوري. أي أن المجتمع ينظر إليها على أنها "ضعيفة" ويجب على الأفراد "حمايتها". 

اليوم، الأجساد لا يحق لها أن تتحرك بحرية. الرغبة الذكورية تحرك أجسادنا، ولكن آلية هذه الرغبة هي بطبيعة الحال مخفية للرجل الذي يتحكم بها. أما للضحايا الذين أجبروا على العيش في ظل هذه الرغبة فتربطهم بها علاقة حميمة ومعرفة عميقة لأساليبها وتقنياتها. كمعرفة أصحاب البشرة السوداء الذين خضعوا للاستعباد المباشر من البيض لأساليب قمعهم. والمعرفة التجريبية للضحية لا يمكن أن يفهمها أو يدركها الجاني.

ولذلك لا يمكن أن نواجه ثقافة الاغتصاب دون مواجهة الرغبة الذكورية وتحليلها من خلال جوانبها السياسية والاقتصادية والاجتماعية. وبكلمات أخرى، ما تفتقده الانتقادات التي لا تعد ولا تحصى للنظام الأبوي هو حلا إيجابيا لمشكلة الجنس والرغبة الذكورية: كيفية القيام بذلك، وكيفية تحقيق الإشباع دون الخضوع للرغبة الذكورية.

من جهته، يعرّف النظام الأبوي المرأة على أنها عاجزة جنسيا وتفتقر للقدرات الاساسية كالدفاع عن النفس والتحكم بالملذات وعمليات تحقيقها وجعلها تعتمد كليا على اساليب الرغبة الذكورية الإغوائية. فبالنسبة للنظام الأبوي، المرأة غير "واعية" جنسيا في ظله حيث تتحكم الرغبة الذكورية.

لاكتشاف الجنس بعيداً عن النظام الأبوي والرغبة الذكورية نحتاج إلى تغيير جذري في العلاقات الايروتيكية. ومن الواضح أن هذا يعتمد على تحول جذري في الأنظمة من أجل هدم المنظومة الأبوية والتسلسلات الهرمية الإجتماعية (أي التمييز بين الجنسين) على أساس الاختلافات البيولوجية.