الطريق المسدود للفكر ما بعد الاستعماري

نشر في‫:‬الأحد, اذار 6, 2016 - 21:30
قصب السكر | الرسم لـدييغو ريفييرا
الكاتب/ة: فيفك تشيبر.
ترجمه‫/‬ته الى العربية‫:‬ فارس جقمان      
المصدر‫:‬      

بعد غياب طويل، يبدو أننا نشهد عودة المقاومة العالمية للرأسمالية، أو على الأقل مقاومة عالمية لشكلها النيوليبرالي الحالي. لقد مرت أكثر من أربعة عقود من الزمن على اندلاع آخر الحركات العالمية المناهضة للرأسمالية. منذ ذلك الحين، حصلت بعض الاضطرابات والهبات التي أعاقت المسار النيوليبرالي بشكل مؤقت، ولكن ليس مثل ما شاهدناه في أوروبا والشرق الأوسط والأميركيتين خلال السنتين الأخيرتين. بالرغم من ذلك، يتبين لنا أن تراجع آخر ثلاثة عقود قد أحرز ضرراً كبيراً، فإن الموارد السياسية المتوفرة للعمال تتقلص وفي حالة ركود غير مسبق.

فقد تم تفريغ منظمات اليسار- النقابات والأحزاب- من مضمونها، والأسوأ من ذلك أنها أصبحت متواطئة في عملية إدارة سياسات التقشف. وبالإضافة إلى ذلك، إن ضعف اليسار لا يقتصر على السياسة والتنظيم، بل أيضا يشمل المجال النظري. فقد رافق الهزائم المتعددة خلال العقود الأخيرة تحولاً كبيراً على الصعيد الفكري. هذا لا يعني أننا نشاهد نقصا في الاهتمام بالنظريات الراديكالية أو الجذرية الفكرية، بل العكس تماماً. فإننا نجد عددا كبيرا من "التقدميين" و"المثقفين الراديكاليين" في الكثير من الجامعات على الأقل في أميركا الشمالية. وذلك لأن معنى الراديكالية ذاته قد تغير. فتحت تأثير فكر "ما بعد البنيوية" (poststructuralism)، لقد تم التشكيك بالأفكار الأساسية الاي يرتكز عليها الإرث الاشتراكي، وفي بعض الحالات تم رفضها بشكل قطعي. فالفكرة أن الرأسمالية لها بنية حقيقية تفرض ضغوطات حقيقية على الاشخاص في اتخاذ قراراتهم، وأن الطبقية مرتبطة بعلاقات استغلال حقيقية، وأن العمال لهم مصلحة حقيقية في القيام بالعمل الجماعي- كل هذه الأفكار التي كانت تعتبر بديهية في اليسار لمدة قرنين، باتت تُعتبر اليوم أفكاراً تخطاها الزمن.

إن هذا النقد للمادية والاقتصاد السياسي أتى من الأوساط الفكرية الما بعد بنيوية، إلا أن التجلي الأقوى لهذا التيار هو الفكر الما بعد استعماري (postcolonialism). وأنه لمثير للانتباه أن الهجوم الفكري على المادية والاقتصاد السياسي لم يأتِ من المدرسة الفلسفية الفرانكوفونية بل من مجموعة من المنظرين من جنوب آسيا وأماكن أخرى من الجنوب، ومن أبرزهم جاياتري سبيفاك، هومي بابا، راناجيت جوها، ومجموعة مدرسة التابع، بالإضافة إلى الأنثروبولوجي الكولومبي أرتورو إيسكوبار والسوسيولوجي البيروفي أنيبال كويجانو والمنظر الأدبي والتر ميغنولو. وقد كانت الماركسية الهدف الأساسي لهجماتهم، إلا أن نقدهم شمل المدرسة التنويرية ذاتها. وما يزعج المنظرون ما بعد الاستعماريون بشكل خاص من الفكر التنويري الراديكالي هو ميوله نحو الكونية "universalizing tendencies"- بالأحرى، إصراره على أن هناك مجموعة من المفاهيم التي تسود في كل المجتمعات الانسانية بغض النظر عن الثقافات المختلفة والاختلاف الجغرافي.

وبالنسبة لهم، إن الماركسية تحمل وتمثل هذا الإرث الفكري "القاتل". إن الماركسيين يدعون أن بعض المفاهيم مثل الطبقية، والرأسمالية، والاستغلال، تنطبق على كل الحضارات. هذه المفاهيم تفسر السلوكيات الاقتصادية ليس فقط في أوروبا المسيحية، بل ايضاً السلوك الاقتصادي في الهند الهندوسية ومصر الاسلامية.

بالنسبة للمنظرين ما بعد الاستعماريين، هذه النظرة الكونية اشكالية للغاية- إشكالية كنظرية، وإشكالية كدليل للعمل السياسي. لذلك يتم رفض النظرة على أنها خاطئة، لأنها بالنسبة لهم تحرم الفاعلين السياسيين من الموارد الفكرية الجوهرية للعمل السياسي الفعال.

ولأن هذه النظرية خاطئة، فإنها لن تكون دليلا جيدا للعمل السياسي- فإن أي نظرية خاطئة ستواجه صعوبات في الترجمة إلى العمل السياسي. ذلك أن النظرية لا تعترف باستقلالية وابداع الفاعلين في مكانهم المحدد. وهذا يعني ان النظرية الكونية تحاول أن تضع المحلي والخاص في قالب صُنِعَ في أوروبا وناتج عن تجربة أوروبية. لذلك إن النظرية ما بعد الاستعمارية لا تسوق نفسها كمجرد نقد للإرث التنويري الراديكالي، بل كبديل له. وكما يشرح أحد أهم النصوص من دراسات ما بعد الاستعمارية: "إن فرضية الكونية هي جزء جوهري من تكوين القوة الاستعمارية، لأن السمات "الكونية" للبشرية هي فعلا تمثل من له القوة." والكونية تساعد السيطرة الاستعمارية من خلال اعتبارها أن بعض سمات الثقافة الاوروبية هي أيضا وصفا عاما لكل البشرية وقابلة للتعميم على نطاق عالمي. وبالتالي الثقافات التي لا تنطبق عليها هذه المواصفات تعتبر رجعية وبحاجة إلى أن تتحضر، وأنها غير قابلة على حكم ذاتها. وكما يصف النص المذكور اعلاه: "إن أسطورة الكونية استراتيجية أساسية للتحكم الامبريالي... مبنية على الفرضية أن "الأوروبي" يساوي "الكون"."

إن وجهة النظر المصاغة أعلاه تتكون بالفعل من وجهتَي نظر. الأولى وجهة نظر نظرية، وتزعم أن الادعاءات الكونية مشبوهة لأنها تتجاهل التنوع الاجتماعي وتهمش أي تقاليد اجتماعية التي لا تتماشى مع ما هو كوني، وأن عملية التهميش هذه هي نوع من القمع وفرض القوة. أما الثانية، فإنها وجهة نظر أكثر جوهرية (substantive): إن الكونية متواطئة مع السيطرة الاوروبية لأن في العالم الفكري النظريات الغربية هي النظريات السائدة، ولطالما بقيت هذه النظريات إطاراً للبحث الفكري أو بقيت هذه النظريات تترجم إلى العمل السياسي، فستجعل هذه النظرية وهذا العمل السياسي أوروبي المركز (eurocentric). فإن الاطر النظرية الموروثة من التنوير تحافظ على خصوصية المكان الجغرافي التي أتت منه. ولكن هذه الخصوصية بنفس الوقت خفية وبالتالي هي فرضية سرية غير معلنة وخبيثة.

تبعاً لهذا الشرح، مهمة النقد ما بعد الاستعماري هي محو الكونية من خلال فضح وجودها وتوضيح أثرها. ولذلك نجد المعاداة "للسرديات العظمى" المرتبطة بالماركسية والليبرالية التقدمية. بالمقابل، أصبح التركيز اليوم على "الشظايا" (“the fragment”)، أي على ما هو محلي وما هو هامشي، وعلى الممارسات الثقافية والسياسية الخاصة بمكان معين- ونحن لا نستطيع شرح هذه الظواهر المحلية بكل تجلياتها المتعددة وغير الخاضعة للإحصاء (the “heterogeneities and incommensurabilities of the local”) من خلال تحليل عالمي أعم. وبالتالي يجب أن نبحث عن إمكانيات العمل السياسي في هذا المنظور المحلي. ولمعاداة النظريات الكونية تبعات مثيرة للاهتمام: فالإرث الراديكالي منذ زمن ماركس وإنجلز ارتكز على فرضيات أساسية التي بنيت عليها كل التحليلات السياسية الأولى منها هي أنه عندما تنتشر الرأسمالية في كل أنحاء العالم، تضع قيودا اقتصادية على الفاعلين الذين يعملون في المكان التي أتت إليه الرأسمالية. وعندما تتجذر الرأسمالية مثلا في آسيا وأميركا اللاتينية وأفريقيا فإن الانتاج الاقتصادي لا بد أن يخضع لمجموعة من الشروط العامة.

طبعاً، إن نمو هذه المناطق المختلفة سيتم بشكل غير متوازن وبوتيرة متفاوتة وبتنوع مؤسساتي، ولن تشبه هذه المناطق بعضها البعض بالضرورة. إلا أن هذه الفروقات سيتم تحديدها من خلال ذات الضغوطات الآتية من البنية الرأسمالية، فمن البديهي أنه عندما تفرض الرأسمالية منطقها وسيطرتها الاقتصادية والسياسية على فاعلين اجتماعيين، ستجلب ردود فعل مقاومة من قبل الطبقات العاملة من أجل حماية انفسها ومقاومة سطوة الرأسمالية، وهذا سيتم بغض النظر عن اختلاف الثقافة والهوية الدينية. سبب هذه المقاومة هو أن الرأسمالية تتعدى على حاجات أساسية لكل البشر بغض النظر عن اختلاف الثقافة المحلية، فعندما تفرض الرأسمالية منطق انتاج معين في كل العالم، فإنها تثير مقاومة من الفئات العمالية. هذه المقاومة لن تأخذ بالضرورة نفس الشكل، إلا أن إمكانية حصولها كونية، لأن مصدر هذه المقاومة هو دافع العمال لحماية أنفسهم والحفاظ على سلامتهم، وهذا الدافع موجود في كل الثقافات. إن الفرضيات المذكورة أعلاه كانت أساسية لمعظم التحليل والتطبيق الراديكالي لأكثر من قرن. فإذا تقبلنا معاداة النظرية ما بعد الاستعمارية للكونية، يجب أن نرفض هذه الفرضيات، وهذا الرفض له تبعات عميقة. فماذا سيتبقى من التحليل الراديكالي إذا أفقدنا الرأسمالية إطارها النظري؟

كيف نستطيع أن نحلل الكساد العالمي منذ العام 2007، أو كيف علينا ان نفهم الاندفاع نحو التقشف في العالم الأطلسي، من دون الاكتراث إلى منطق الاقتصاد الربحي ونزعة مراكمة الأرباح؟ كيف علينا أن نحلل المقاومة العالمية للتوسع الرأسمالي، حيث نجد نفس الشعارات تتردد من القاهرة لبيونيس أيريس وماديسون ولندن، من دون الاعتراف بوجود مصالح مشتركة على نطاق عالمي (أي مصالح كونية) التي تنبثق منها هذه المقاومة؟ كيف علينا أن نقدم أي تحليل للرأسمالية من دون الاستناد إلى بعض المفاهيم الكونية؟ نظراً لأهمية هذه المواضيع، فإنه من المفترض أن يتبنى المنظرون ما بعد الاستعماريون مفاهيم كالرأسمالية والمصالح الطبقية. هذه المفاهيم مبررة وتستحق أن تستثنى من تهمة "المركزية الأوروبية"، إلا أن هذه المفاهيم تعتبر من قبلهم من أكثر السمات الإشكالية في النظرية الماركسية. فمثلاً يعبر غيان براكاش عن هذا الرأي في نقده للفكر الماركسي التنويري فيقول: "تبني مفهوم الرأسمالية كالمفهوم الأساسي في التحليل التاريخي سيؤدي إلى تحويل التاريخ الذي يتسم بالتعددية إلى تاريخ متجانس."

هؤلاء النقاد يزعمون أن الماركسيين يتجاهلون التقاليد والممارسات التي تتم بشكل مستقل عن ديناميكيات الرأسمالية، أو أنهم يعتقدون أن هذا الاستقلال سيزول مع مرور الزمن. ومن وجهة نظرهم، إن تحليل التشكيلات الاجتماعية من خلال عدسة ديناميكياتها الاقتصادية (أي نمط إنتاجها) ليس خاطئا فقط، بل أيضاً اوروبي مركزي ومتواطئ مع السيطرة الامبريالية. مثلاً، يقول براكاش: "كما هو الحال مع باقي الأفكار الأوروبية من القرن التاسع عشر، فإن تعريف سردية نمط الانتاج كتاريخ، وهي سردية أوروبية التمركز، يجب أن تعتبر المرادف الفكري للامبريالية التوسعية (territorial imperialism) في القرن التاسع عشر."

المنظر ما بعد الاستعماري ديبيش تشاكرابارتي جسد هذا الرأي في كتابه الشهير "جعل أوروبا محلية" (Provincializing Europe). فهو يحاجج أن ادعاء الرأسمالية الكونية يحول تواريخ اقليمية إلى مجرد انعكاسات متنوعة لتاريخ واحد. ومن خلال هذا المنظور تصنف كل دولة حسب تطابقها مع فكرة مثالية للرأسمالية، وبالتالي التاريخ المحلي لا يمكن إلا أن يكون مجرد ملاحظات في حاشية التاريخ الأوروبي. والخطأ الآخر الذي يتكلم عنه تشاكرابارتي هو فرضية أن الرأسمالية تمثل حركة تاريخية حتمية وتنفي إمكانية التطور التاريخي المتنوع وبشكل غير خطي، والناجم في الكثير من الأحيان عن صدف تاريخية. إن إيمان الماركسيين بالديناميكية الكونية بالتالي يجعلهم يتجاهلون امكانية "التقطع والإعاقة والتغير في التطور التاريخي".

وحسب وجهة النظر هذه يصبح المستقبل شيئا معروفا ومتجها نحو نهاية معروفة لأنه غير خاضع للتأثير من قبل الفعل الانساني. فالفرضيات الكونية مثل الرأسمالية هي ليست فقط خاطئة بل أيضاً خطيرة لأنها تحرم المجتمعات غير الغربية من صنع تاريخها. بالرغم من ذلك، لا شك أن خلال القرن الأخير انتشرت الرأسمالية في العالم، وفي كل مكان ترسخت فيه أثرت في البنى المؤسساتية في تلك المناطق، حيث تم تحويل اقتصادهم تحت ضغط النزعة لمراكمة رأس المال، ولا بد أن مؤسساتها غير الاقتصادية قد انصاعت لمنطق الرأسمالية أيضاً. ويؤكد تشاكرابارتي أن الرأسمالية عممت على العالم وتعولمت خلال القرن الأخير، لكنه يزعم أن عولمتها لا يعني انها أصبحت منظومة كونية. هذه الحجة تسمح له بالاعتراف بانتشار الاعتماد على السوق في كل العالم وبنفس الوقت أن يرفض استخدام مفهوم الرأسمالية كإطار تحليلي. ويقول تشاكرابارتي هذا لأنه يعتقد أن كونية الرأسمالية يجب ان تخضع كل الممارسات الاجتماعية لمنطقها: "لا يوجد أي شكل تاريخي للرأسمالية الذي قد يكون كوني بغض النظر عن عولمته... وذلك لأن الرأسمالية تمثل نوعا من المساومة" ما بين نزعتها الكونية وتشبث المجتمعات بالعادات والتقاليد المحلية. فمن منظوره إن الرأسمالية الكونية يجب أن تخضع كل العلاقات الاجتماعية لمنطقها، ويجب أن تكون منظومة شاملة لا تسمح لاستقلالية علاقات اجتماعية أخرى.

ولربما تشاكرابارتي يرسم صورة رأسمالي يتجول في المصانع ويتفحص مدى تطابق كل الممارسات الاجتماعية مع أولوياته كرأسمالي. والصورة الأنسب والأكثر واقعية هي أن الرأسماليين يريدون توسيع عملهم الانتاجي وأن يجلبوا الأرباح المناسبة مقابل استثماراتهم، وطالما أن أرباحم مناسبة واعمالهم الانتاجية سائرة من دون انقطاع، فلا يهتمون بالعادات والقيم المحيطة. أما عندما يبدأ ذلك المحيط بإعاقة ربحهم وعملهم الانتاجي من خلال حراك العمال أو التقيد بأسواق معينة، فهنا قد يدركون الحاجة للتغيير المجتمعي. في هذه الحالة قد يتحركون لتحويل الممارسات المعينة التي سببت هذه الإعاقة، وهذا يعني أن الرأسماليين لا يهتمون بالضرورة بممارسات اجتماعية التي تجسد "طرقا أخرى للعيش في العالم." وبالتالي يمكننا أن نرفض مقولة تشاكرابارتي أن العولمة لا تعني وجود منظومة كونية. فإذا كانت الممارسات التي انتشرت عالمياً هي ممارسات رأسمالية، فلقد أصبحت كونية.

وإذا استطعنا أن نحدد طابعها الرأسمالي نستطيع أيضاً أن نعترف بعولمتها. وإذا استطعنا أن نؤكد على رأسماليتها وأن سماتها رأسمالية، فكيف نستطيع أن ننفي أنها عممت وأصبحت كونية؟ الرأسمالية تنتشر في كل العالم نتيجة عطشها اللامتناهي للأرباح، وبالتالي تخلق تاريخا كونيا حقيقيا، وهو تاريخ رأس المال. في بعض الأحيان قد يعترف المنظرون ما بعد الحداثيون بهده المقولة جزئيا، ولكن يرفضون مضمونها الحقيقي، وما يقلقهم فعلاً هو الشق الثاني من التحليل المادي، الذي يخص مصدر المقاومة للرأسمالية. لا يوجد خلافا على أن انتشار الرأسمالية يجلب المقاومة من قبل العمال والفلاحين الذين يدافعون عن أراضيهم ومن مجتمعات السكان الاصليين في بلدان مختلفة. إن الاحتفال بانواع المقاومة هذه من أحد علامات النظرية ما بعد الاستعمارية المهمة، وفي هذا الصدد يبدو أنهم لا يختلفون كثيراً عن المفهوم الماركسي التقليدي حول السياسات الرأسمالية. إلا أن هذا التشابه هو تشابه سطحي. بينما يفهم الماركسيون أن هذه المقاومة من الأسفل تعكس المصالح الحقيقية لمجموعات العمال (laboring groups)، غير أن النظرية ما بعد الاستعمارية بالعادة تتفادى الكلام عن وجود مصالح موضوعية وكونية.

فمصادر المقاومة تعتبر محلية وخاصة بثقافة مجموعة معينة من العمال، وكنتيجة لمكانهم وتاريخهم، وليس كتعبير عن مصالح مرتبطة بحاجات أساسية وكونية. أن نعتبر صراعات العمال منبثقة عن مصالح مادية "يؤدي إلى اسقاط منطق العقلانية البرجوازي على العمال، بما أن منظومة العقلانية هذه تصنف عقلانية أي فعل (أو أي علاقة أو مؤسسة) حسب فائدتها الاقتصادية". وكما يقول ارتورو اسكوبار: "تبعاً لـ"نظرية الفاعل" (theory of the subject) ما بعد البنيوية... يجب أن نتخلى عن فكرة "الفاعل" الليبرالية كفرد منفصل ومستقل بحد ذاته وعقلاني. فيتم صناعة "الفاعل" من خلال الخطابات والممارسات التاريخية في أماكن متعددة".

عندما نجد مقاومة للرأسمالية، يجب أن نفهمها كتجلٍ محلي وخاص لمفهوم الحاجات- التي يتم صناعتها من خلال تاريخ جغرافي محصور، ومن خلال مفاهيم ثقافية غير خاضعة للترجمة (أي خاصة بثقافة معينة)، وهذا شيء يعتبره ما بعد الاستعماريون خارج عن السرديات الكونية التنويرية. فالمسألة إذا: هل يمكن تبرير اسقاط حاجات ومصالح كونية على فاعلين اجتماعيين بغض النظر عن الثقافة والمكان والزمان؟ بلا شك، أن الاشياء التي يعتبرها الفاعلون مهمة والتي يسعون إليها هي مصطنعة ثقافياً، ويتفق ما بعد الاستعماريون بهذا الصدد مع التقدميين التقليديين. إلا أنه لا توجد أي ثقافة بالعالم لا تهتم مثلا بالسلامة الجسدية للأشخاص، فالفاعلين الاجتماعيين بغض النظر عن أماكنهم وموقعهم الزمني يهتمون بالغذاء والمأوى والأمان- لأن تلبية هذه الحاجات الأساسية هو الظرف الضروري لخلق وإعادة انتاج الثقافة أصلاً. بالتالي نستطيع أن نؤكد أن هناك بعض الجوانب من الفعل الانساني التي ليست بشكل كامل من صنع الثقافة المحلية، وذلك لأن هذه الجوانب مرتبطة بجانب من النفسية البشرية في كل مكان وزمان، وهذه مكونات طبيعتنا الانسانية. أن نقول أن الفاعلين الاجتماعيين يهتمون بسلامتهم الجسدية لا يعني أنه لا توجد للثقافة أثرا في هذا المجال. هنالك عوامل كثيرة مثل أنماط الاستهلاك والمساكن والملابس التي يفضلونها من الممكن أن يتم تحديدها من قبل عادات محلية وصدف تاريخية. من الشائع أن تجد منظرين ثقافيين يشيرون إلى التنوع في الاستهلاك الثقافي كدليل على ان الحاجات الانسانية هي مصطنعة ثقافياً. ولكن تحديد هذا النمط الاستهلاكي تاريخياً- وهو احتمال موجود فعلاً إلى حد ما- ليس دليلا ضد فكرة أن هناك حاجة للقوت الأساسي لكل البشر من كل الثقافات والحضارات، حيث يتم تقديم هذه الحاجات كأشكال مختلفة لشيء واحد. فاهتمام الفاعلين الاجتماعيين بسلامتهم هو ما يجعل الرأسمالية قادرة على التغلغل في أي مجتمع تنتشر فيه.

فكما لاحظ ماركس، عندما تترسخ العلاقات الرأسمالية في أي مكان، فإن ضغوط العلاقات الاقتصادية تكفي لتحفيز العمال للقيام بعرض أنفسهم للاستغلال. هذا هو صحيح بغض النظر عن الثقافة والايديولوجيا: إذا كانوا عمالا مأجورين فسيقوموا بالمواظبة على العمل. والسبب وراء توفير قوة عملهم لصاحب العمل هو أن هذه هي الطريقة الوحيدة لنجاتهم، فالخيار متاح لأن يرفضوا هذا العمل إذا تعارض مع ثقافتهم، ولكن يترتب على هذا الخيار مجاعتهم. مع أن هذا الجانب من الطبيعة الانسانية هو الأساس الذي يستند عليه الاستغلال، فهو أيضا يشكل منبع المقاومة لهذا الاستغلال، وذلك لأن رغبة صاحب العمل للربح يدفعه إلى تخفيض تكلفة الانتاج، والتكلفة الأهم هي رواتب الموظَفين، وتخفيض الرواتب يزيد نسبة الربح، وهو ما يعني المس بمستوى معيشة العامل. بعض العمال ينتمي لنقابات قوية، والبعض الآخر يعمل في قطاعات ممثلة نقابياً، ويمكن بالتالي ضبط هذا التخفيض للرواتب في حدود يمكن تحملها، حيث يتحول الصراع من أجل الحاجات الأساسية إلى صراع من أجل الحفاظ على مستوى معيشة معينة.

أما في معظم عالم الجنوب (the global South) وقطاعات متزايدة في العالم المتقدم، فإن الخطر على حياة العمال أعلى. إجراءات أصحاب العمل لزيادة أرباحهم يصل إلى درجة المس بالمصالح المعيشية الأساسية للعمال، وذلك لأن المشغلين في تلك الأماكن من العالم، يسعون أيضا إلى تخفيض تكاليف أخرى في عملية الانتاج ذاتها بالإضافة إلى الرواتب، ومنها: محاولة زيادة الوقت المكتسب من ماكينات قديمة؛ ورفع سرعة ووتيرة العمل نفسه مما يؤدي إلى زيادة احتمال الاصابة أثناء العمل؛ وتمديد يوم العمل أو زيادة ساعات العمل؛ وتخفيض أو الغاء راتب التقاعد؛ وغيرها من الاجراءات. في هذه الحالات تركز الصراعات العمالية عادة على تأمين المتطلبات الاساسية للحياة وليس مستوى المعيشة. والبعد الأول من هذه العملية- أي اخضاع الانسان للعمل المأجور نفسه (submission to the labor contract)- يفسر لنا كيف تستطيع الرأسمالية التغلغل والترسخ في أي مكان. والبعد الثاني- مقاومة شروط الاستغلال- يفسر كيف أن إعادة انتاج الطبقات يؤدي إلى صراع طبقي في الأماكن التي تنتشر فيها الرأسمالية، وذلك لأن مصالح الطبقة المستغِلة والطبقة المستغَلة تتضارب، ومحاولة كل جهة لتأمين مصالحها تمس في معظم الأحيان بمصالح الطرف الآخر. وبموازاة تعميم رأس المال وجعله كوني يأتي تعميم صراع العمال الكوني من أجل حماية سلامتهم.

هنا نجد أن اشتقاق جانبي الكونية أعلاه من أحد مكونات الطبيعة الانسانية. هذا لا يعني ان هذا هو الجانب الوحيد من الطبيعة الانسانية، فمعظم المفكرين التقدميين يعتقدون ان هناك مكونات اخرى للطبيعة الانسانية، حاجات أخرى التي تشمل عدة ثقافات محلية: مثلاً الحاجة الى الاستقلالية (autonomy)، الحاجة الى التحرر من الاضطهاد، الحاجة إلى التعبير والابداع، الحاجة للاحترام والكرامة، ألخ). والمقصود هو ليس أنه يمكن اختزال الطبيعة الانسانية الى حاجات أساسية بيولوجية، بل إن هذه الحاجات موجودة، والأهم من ذلك انها تستطيع أن تفسر جملة من الممارسات والمؤسسات التي يهتم بها الراديكاليون. فمجرد حاجتنا لإثبات هذه المعلومة البديهية يبين مدى سقوط الفكر اليساري.

ان النظرية ما بعد الاستعمارية قد حققت فعلاً بعض الانجازات في بعض المجالات، وفي تعميم أدب الجنوب على وجه الخصوص. وفي الثمانينات والتسعينات، لقد لعبت دوراً مهماً في إحياء فكرة معاداة الاستعمار ومعاداة الامبريالية، وجعلت مشكلة المركزية الأوروبية فكرة إشكالية في اوساط المفكرين التقدميين، ولكن هذه الانجازات تمت مقابل ثمن باهظ. من المثير للاستغراب أنه في وقت كهذا نرتبط بنظرية بنت نفسها على أساس هدم المفاهيم التي تستطيع أن تساعدنا في فهم المرحلة السياسية الحالية وفي رسم استراتيجية فعالة للمستقبل. إن المنظرين ما بعد الاستعماريين قد شغلوا أنفسهم في تدمير حجج من صنع مخيلتهم، وقد نتج عن هذا إعادة احياء انماط الوصف الاستشراقية للمجتمعات الأصلية والسكان الأصليين. هذا ليس فقط لأنهم يركزون على المحلي ويتجاهلون الكوني، بل إن تمجيدهم لما هو محلي وهاجسهم بالخصائص الثقافية والتشديد على الثقافة كمنبع للفعالية الاجتماعية، قد اعطى طابعا راديكاليا لنظرة تغريبية استشراقية للعالم غير الغربي التي بغضها اليسار في السابق.

خلال القرن العشرين الذي يعد الحجر الأساس الذي ارتكزت عليه الحركات المعادية للاستعمار، على الأقل بالنسبة لليسار، كانت القناعة أن الاضطهاد خاطئ وكريه في كل مكان، لأنه تعدٍ على حاجات إنسانية أساسية للكرامة والحرية والسلامة. أما الآن، فإن النظرية ما بعد الاستعمارية، تحت غطاء معاداة المركزية الاوروبية، أعادت إحياء الجوهرانية الثقافية (cultural essentialism) التي رفضت من قبل التقدميين لأنها استخدمت كتبرير للسيطرة الامبريالية، لأنه من أسهل الحجج لحرمان الناس من حقوقهم هو رفض فكرة الحقوق والمصالح الكونية انطلاقاً من النسبية الثقافية. لن يتم إعادة إحياء يسار ديمقراطي وعالمي من دون التخلي عن هذه الأفكار والتأكيد على كونية إنسانيتنا الجماعية والخطر الذي تشكله الرأسمالية الكونية على هذه الانسانية.

--

مقال بقلم فيفك تشيبر (Vivek Chibber) أستاذ علم الاجتماع في جامعة نيويورك. نشر في موقع eutopia institute الالكتروني نقلا عن monde diplo، أيار/مايو 2014.

ترجمة: فارس جقمان