حوار شامل مع المركز السوري لبحوث السياسات

نشر في‫:‬الخميس, شباط 25, 2016 - 16:46
بريشة الفنان الراحل نذير نبعة | discover-syria.com
الكاتب/ة: وليد ضو، المركز السوري لبحوث السياسات.

خمس سنوات انقضت على الثورة المغدورة في سوريا، تضحيات كبيرة وهائلة دفعها الشعب السوري. خلال هذه السنوات، وحتى قبلها، عمل المركز السوري لبحوث السياسات على توثيق إحصائي لهذه المرحلة من حياة السوريين على الصعد الاجتماعية والاقتصادية…، كان آخرها تقرير مواجهة التشظي الصادر في ١١ شباط، مقدما تصوره لحل هذه الأزمة التي أوصلتنا إليها قوى الاستبداد والتطرف، فضلا عن الامبرياليات العالمية والإقليمية، ساعيا إلى بناء مع القوة الحية والكامنة داخل هذا المجتمع المناضل والمتألم بلدا يتمتع فيه مواطنوه بالحرية والكرامة والمساواة والعدالة الاجتماعية، أدناه كامل المقابلة:

--

وليد ضو: في البداية، ما هي قصة المركز السوري لبحوث السياسات، لناحية تأسيسه وأهدافه؟

المركز السوري لبحوث السياسات: فكرة المركز قديمة من عام ٢٠٠٠- ٢٠٠١ لتأسيس مركز بحوث غير ربحي وغير مرتبط بأيديولوجيا، يعمل بالبحوث المرتبطة بالسياسات العامة، لم يتم الترخيص له وكان هناك محاولات من عدة باحثين، موجودين حاليا بالمركز، لتأسيس هذه المؤسسة، الظرف السياسي لم يسمح لنشوء مؤسسة بحثية غير ربحية. طبعا هناك ثغرات قانونية، إذ لا يوجد قانون ينظم عمل مؤسسات بحثية مستقلة، بما فيها قانون الجامعات الخاصة، الذي يسمح بقيام الجامعات ولا يسمح بقيام مركز بحوث. جزء من الخوف من فكرة البحوث غير الربحية يرتبط بالخوف من إنشاء معرفة مجتمعية تراكمية غير مرتبطة بالسلطة وبالمال المحتكر. عام ٢٠١١، قررنا أن هذا الوقت هو مناسب لقيام المركز، لسبب رئيسي، هناك عمل للباحثين على المستقبل وبدائله، وتصورنا لضرورة لقيام مؤسسة بحثية وبديلة ومستقلة لطرح الأفكار، وفلسفة الحراك والمستقبل لسوريا والبدائل الأفضل لها، بناء على أسس علمية دون أن يرتكز على أيديولوجيا أو مهاترات أو مناقشات سطحية، فضلا عن تعميق العمل على الأدلة والمعرفة، ليكن ذلك سندا للمستقبل، كل ذلك كان وراء فكرة إنشائه.

للمركز ثلاث وظائف رئيسية:

الأولى، تم العمل عليها وهي الوظيفة البحثية. الثانية، الحوار المبني على نتائج البحث والذي يسبقه، لبناء سؤال بحثي مرتبط بواقع أكثر، فيجري نقاش للأسئلة البحثية الواجب التطرق لها، والحوار ما بعد التقرير لنقاش النتائج، لربط النتائج بالسياسات، ونقاش مصداقية وتطبيق هذه السياسات. أما الوظيفة الثالثة- التي عملنا عليها بشكل أقل من الوظيفتين السابقتين- مرتبطة بالحشد والترويج للنتائج ومناقشتها مع أكبر شريحة من المجتمع والضغط على الحكومات وصناع القرار باتجاه تطبيق سياسات عامة تميل لصالح المجتمع وتخدمه.

تمويل المركز، بدأ عام ٢٠١١، مع المؤسسين وضعوا أموال مؤسِسة لانطلاق المركز وأعماله، فريق المركز الأساسي يعمل بدوام كامل، وبحد أدنى من الأجر المناسب، بالإضافة لشبكة من الخبراء، يعملون على أبحاث، بالإضافة للأبحاث والتقارير التي تتناسب مع استراتيجته، مثل جذور الأزمة، والبحث عن شركاء يساهمون فيها، كالأنروا والـ undp، ولكن ضمن شروط المركز، دون تغيير في النتائج، الأموال تصب من هذه العقود في سلة تمويل المركز، والتوفير في التوظيف يغطي مشاريع. وأبحاث. من هنا يفضل المركز أن لا يكون التمويل من جهة واحدة، كما حصل عندما عملنا على "سيناريوهات الأزمة" و"رؤيا سوريا المستقبل"، يفضل أن يكون التمويل متعدد أو يعتمد بشكل أساسي على المركز. ولا نقوم دور استشاري.

أما الجانب الآخر لاستقلالية المركز فيكمن عبر الهيئة الإشرافية والاستشارية للمركز، المكونة من شخصيات سورية بحثية ومساهمة في الشأن العام، وهم ضمير المركز، ويقومون عمل المركز من النواحي السياسية أو الاجتماعية، وهو يشكل بهذا المعنى بوصلة المركز. المشاورات معهم تدلنا على الطريق الصحيح.

بالتالي هناك مناعة تجاه التمويل وتأثير الترخيص، وهناك مناعة تجاه الضغوط السياسية من خلال إرشادات الهيئة الإشرافية.

ماذا تضمن تقرير مواجهة التشظي، بشكل موجز؟

التقرير الأخير هو السادس ضمن سلسلة تقارير أنتجها المركز، التقرير الأول كان يشمل جذور الاقتصادية والاجتماعية للأزمة وآثارها في سوريا. فكرة مواجهة التشظي، هي لاستكمال رغبة المركز في فهم وتحليل الآثار المؤسساتية للأزمة في سوريا التي انطلقت من جذور الأزمة في الفترة التي سبقتها؛ كالاختناق المؤسساتي والواقع التنموي ما قبل الأزمة، ومحاولة فهم قوى التسلط، التي تشمل الاستبداد والتطرف والأصولية داخليا وخارجيا، والاغتراب التقرير السابق أي اغتراب المجتمع عما يحصل وعن مؤسساته، اغتراب الأفراد عن ذاتهم وممارستهم لأعمال مغتربة عن ذاتهم، ولا تعبر عن طموحاتهم وطموحات المجتمع، وصولا إلى حالة التشظي التي نعيش في ظلها اليوم. 

المقصود ليس التشظي الجغرافي، إنما التشظي من الجوانب السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية، وحتى التشظي الداخلي عند الأشخاص. حاولنا استكمال فهم الآثار المؤسساتية على سوريا، فوصلنا إلى هذه الحالة. وتكلمنا عن ضرورة مواجهة التشظي من الحالة التي وصلنا إليها.

يتضمن التقرير أدلة اقتصادية واجتماعية، حيث حصل تشظٍ سكاني اجتماعي واقتصادي وسيطرة الشبكات الإجرامية العابرة للقوميات والدول على المجريات، وقيام مصالح مشتركة بين قوى الاستبداد، على الرغم من ظاهر الأمور أنها متحاربة، ولكن عمليا هناك مصلحة تجمعها للقضاء وقمع المجتمعات لصالح أهدافها ومصالحها.

المعطيات الاقتصادية والاجتماعية للتقرير، تؤكد تمحور الاقتصاد والمجتمع حول العنف، وهذا جزء من موقف المركز لناحية مناهضة فكرة التسلح والمعركة المسلحة التي تحمس لها الكثيرون. 

القضية الأولى عدم وضوح الرؤيا لدى المعارضين المهيمنين، خاصة عندما حصل التردد بما يتعلق من الهدف من الحراك، كلمة ديمقراطية وعدالة يُشكَك فيهما عملنا يركز على ذلك. التسلح لا رؤيا له، هو عملية استنزاف وقتل وكراهية لن تقود إلى الأفضل، حاولنا تحليل فكرة العنف وكيف بدأت واستعمل حولها مجموعة من المؤسسات تقدم حوافز لاستمرار العنف، وتعيد تسخير الموارد الموجودة في سوريا لاستمرار النزاع والعنف والترويج للكراهية والطائفية. القضية الثانية تتمثل باستفادة قوى دولية كالولايات المتحدة وروسيا وقوى إقليمية وداخل سوريا، من استنزاف المؤسسات والمجتمع، فمجموعة كبيرة من الأنظمة والسلطات موجودة على الأرض يجمعها إكراه الناس والحكم بعد شهر واحد من سيطرتها عبر حكم مطلق؛ فأي منطقة يسيطر عليها أي طرف كل الناس يقدمون السمع والطاعة. وهذا ما يسمى بحالة الاغتراب، في الفترة الأولى تتجاهل أو تتأقلم باللامبالاة. المرحلة الثانية تتعرض للخضوع والمذلة والمهانة، والثالثة تندمج وتصبح أحسن قناصٍ أفضل تاجرٍ بالأعضاء البشرية وأفضل مهرب.

انتشار هذه الظواهر ليست الصورة الأخيرة، إنما مراحل يتم فيها جر السلوك البشري لهذه البشاعة التي نراها، وهي تحويل المجتمع ليندفع بشكل حماسي ضد مصلحته، التفاني ضد النفس، فالكثير من المجتمعات تندمج وتخضع بالمؤسسات وتتأقلم معها. كل طلقة أطلقت في سوريا هي لإقناع الناس أنهم غير قادرين على التغيير، كل سرقة، كل فضائية كانت تقول للناس أنهم غير مؤثرين، ولا مستقبل لكم، وأنتم بحاجة إلى صلاح الدين أو ستالين او هتلر أو أي قوي يفرض خيارته. التنازلات البسيطة كانت مرفوضة منذ البداية، واليوم يحاولون جر الناس إلى الترحم على المرحلة السابقة أو حتى العودة إلى أقل منها. هذا جزء من تسلط قطع الأمل بأي تغيير جدي، وهذا مدروس، ولكن هناك جزء منه حصل بسبب الفوضى المفيدة لهم، كأن يحصل التقاتل، أما العمل عما هو مفيد فعليا كمصالحة بين المعارضة أو بين أكثر من قرية ومدينة أو بين المجتمع المدني والأهلي كل ذلك مرفوض لأنه يشكل قوى ضاغطة عليهم.

هذا التقرير يبحث في الديناميات الحالية، لماذا تصدر قوانين متعلقة بالتشاركية؟ أو مراسيم لاستخدام الأراضي، هذا شكل من أشكال التخلي عن المنشآت العامة للقطاع الخاص، هم يدركون أين تكمن مصالحهم. تماما كما قامت داعش، حين سمحت للناس بالزراعة على شرط أن تعطيها ١٠ بالمئة، ثم تفرض رسوما على التنقل عندما قل النفط فباتت شروط العمل أقصى، فضلا عن سعيها للاستيلاء على الاشخاص. 

بالنسبة لأرقام التقرير، فبشكل عام: معدل البطالة: ٥٣ بالمئة، خسائر اقتصادية اجمالية: ٢٥٥ مليار دولار، معدل الفقر العام: ٨٥ بالمئة- فقر مدقع وغذائي، معدلات تسرب من المدارس ٤٥ بالمئة، معدل السكان الذين غيروا مكان إقامتهم حوالي نصف السكان. 

كذلك لنأخذ على سبيل المثال قضية "عقلنة" الدعم، وهي فرعية في التقرير ولكن جوهرية لفهم الآليات الاقتصادية التي تحكم المجتمع. الحكومة في البداية أبقت على الرواتب بالإضافة إلى دعم السلع الرئيسية، ولكن خصصت الاستثمار العام للإنفاق العسكري. هذه المعادلة تحولت عام ٢٠١٤ عندما شعر النظام بعدم الخطر، فبدأت الحكومة بأخذ أموال الموازنة من الناس غير القادرة على الدفع، لمصلحة محتكرين كبار لاستيراد للمواد الرئيسية والمتاجرة بين المناطق خارج السيطرة وتحتها. السلع الرئيسية كانت الدولة تدعمها بالاعتماد على مساعدات خارجية أو بقروض داخلية من البنك المركزي، قامت الدولة بتحرير الأسعار، بطريقة عشوائية ورفعت الرواتب في القطاع العام، فرفعت أسعار الكهرباء والغاز والمازوت والخبز من دون تعديل للرواتب، ودون أي سياسة مقابلة، يعني حتى وقاحة النيوليبراليين تخلوا عنها وباتوا أوقح بكثير. ما سمح بذلك هو السيسي: "عندما قال سنرفع الأسعار من أجل الحفاظ على كرامة المواطن المصري"، هنا قاموا بالأمر نفسه، ولكن بشكل أسوأ، وهذا أثر على أمرين، أولا، الحكومة تجمع إيرادتها من الأفقر، والناس لا تتمتع بمرونة الطلب، التي وصلت للحد الأدنى بكل شيء لا يمكن أن تستهلك أقل، فزادت حالات فقر مدقع وارتفعت تكاليف الانتاج وارتفعت الأسعار، المواد الأساسية منتجة محليا ارتفعت تكلفتها وتلك المستوردة أثر عليها سلبا تدهور سعر الصرف، فزاد الانكماش والفقر، فخسر الموظف ثلث راتبه، العام المقبل سيزداد الوضع سوءا، ثانيا، ارتفاع الأسعار ضمن الركود سيتدهور سعر الصرف، بطريقة منطقية لأنه يحاول يوازن بين الأسعار المحلية والأسعار الخارجية؛ الأمر لا يرتبط فقط بالمضاربة، لأن التدهور حصل أيضا بفعل هذه السياسات. وبفعل السياسة الحكومية فقد الناس القدرة على تأمين الحد الادنى للمعيشة. وهذا ليس نهاية المطاف هم مقتنعون بأنه على الناس أن تتحمل نتائج الأخطاء والوضع، يبررون ذلك بطريقة مخجلة: "بسبب تقدم الجيش في حلب، ينهار سعر الصرف"، وهذا استخفاف بالناس. يمكن بالتالي وفق هذه السياسة التنبؤ ماذا سيفعلون في المرحلة المقبلة. لذلك نحاول مراجعة ما حصل عام ٢٠١٥، ومهاجمة سياسات بعينها إذا كانت منفلتة أو مضرة أو غير مقيمة أو الضغط باتجاه أن تتغير.

كل ذلك مرعب، ما تحاول قوله- وفعله- قوى التسلط هو أنه لا يوجد حل إلا من خلال قوى التسلط. هم يملكون الأمر والسؤال والجواب، الحل النهائي بحسبها هو عن طريق التشاركية أو أن تعود إلى المستبد أو المتسلط وتطلب منه إعمار البلد، هذا ما تحاول القيام به، ويدفعون المجتمع للاعتقاد أن هذا هو الحل الوحيد، في حين أن المركز يساهم في الايضاح للناس، أنه هناك حلول أخرى للمجتمع التي تفرضها قوى التسلط، تبدأ بتفكيك قوى التسلط والعنف. وإجراء عقد اجتماعي جديد وتفكيك مؤسسات العنف وإنشاء مؤسسات جديدة تحترم الإنسان، والسعي لقيام اقتصاد تعاوني مدني من خلاله نتعاون لبنائه وفق رؤيا متفق عليها، تتضمن كرامة الإنسان وحقوقه والعدالة والمساواة. التقرير يتضمن في نهايته عدة نقاط تشكل ركيزة للسياسات العامة والبرامج للمساهمة لوضع حلول بديلة للمجتمع حتى لا تنفرد قوى التسلط على المجتمع في فرض حلولها. 

في ١١ شباط وفي مقال فيشاي براشاد، وهو الأول الذي تناول بجزء كبير منه تقرير المركز الحالي، أشار براشاد في خاتمة مقاله إلى أن "تغيير النظام ترك ٢٣ مليون سوري من دون بلد حقيقي". منطق هذا الاستنتاج خطير، لأننا إذا أخذنا به علينا أن نتخلى عن كامل الحريات والحقوق في كل بقعة من العالم، ومن بينها هذه المقابلة، لأن النضال من أجلها أدى إلى مقتل ملايين وملايين من الناس، وبالتالي أن نتخلى عن فكرة الثورة والتمرد على الوضع السائد بحجة أن ذلك سيؤدي إلى كارثة، وأن نتبنى مقولة أيلوس أريستيد "الجميع يخضع بصمت" التي قالها للسلطة الرومانية منذ ألفي سنة، مع العلم أن السلطة الرومانية والنظام الإقطاعي والملكي إلخ سقطوا بفعل هذه النضالات وهذه التضحيات.

هذا استنتاج براشاد، ويخصه هو، ويمكنه طرح ما يريد من باب حرية التفكير، الفكرة هو كيف تستند إلى التقرير، من ناحية ما أوردناه في التقرير الأول لفهم جذور المسألة، والتقارير على شكل سلسلة، ربما علينا إصدار كل التقارير في كتاب حتى تتوضح الصورة.

الاختناق المؤسساتي كان موجودا لم يحتمل التطور الطبيعي للمجتمع. فالأخير يتعلم أكثر وبفضل ثورة الاتصالات بات يطلع أكثر لكنه لا يحق له بالمشاركة الاقتصادية الفعالة، ويُمنع من المشاركة السياسية والمعرفة. الانفجار بدأ من هنا، هذا المجتمع غير قادر للانتقال للمرحلة الثانية بفعل هذا الاختناق. وحصلت اختبارات عدة كان على النظام أن يفهم منها، ربيع دمشق، حيث سجل غليان شعبي، بدأت المنتديات وبدأ الكلام بسقف عال جدا، لأنها ترى أنها محرومة من حقها بالمشاركة، فكان واضحا أن المجتمع على فوهة بركان. النظام كان مصرا على سياسته، فأبقى على كل من انتقدته هذه المنتديات والمطالبات في موقعه، من وزراء وضباط ومحافظين، وهذا استفزاز من معيار ثقيل جدا. التمرد المجتمعي هو مطلب، والتغيير التجاوزي، بحسب عبارة حليم بركات، كذلك. لتغيير سياسي واقتصادي واجتماعي داخل مجتمعاتنا وتحقيق اختراق تنموي؛ كل ذلك بحاجة لتراكم معرفي وتطوير مؤسسات بديلة من أحزاب وجمعيات، نحن نطرح المبدأ.

لا يمكن أن يتم ذلك، عبر تمرد الناس من أجل الهدف الخطأ، هنا تكمن مشكلتنا مع التسلح، التمرد محق، حتى لو استغرق مدة زمنية أطول، أو تضحيات أكبر من الآن. وهذا جزء من منطق صراعنا مع العدو الصهيوني، فعبر أي عمل مقاوم يقوم العدو بتدميرنا، هنا نقول أن هذا النضال يجب أن يستمر، طالما هناك طاغية نحن ضده.

التمرد أخذ طريقا خاطئة، حيث جرت المساومة على "الدين لله والوطن للجميع" وعلى الحريات، والنهج هذا يتماثل مع ممارسات النظام، عندها نقول إن ما يتم حاليا حرف مسار الحراك عن مساره؛ فالشعب يريد مجتمعا أفضل، لذلك نحن نقول اليوم إن المجتمع ليس سلبيا إنما يرفض المشروعين المطروحين؛ أي المعارضة المسلحة والنظام. نحن هنا بحاجة إلى مشروع بديل، الذي لم يقدم بعد، هذا بسبب تقصير النخب، ورغبات التمويل، والخضوع للخارج والداخل. 

وحده تنظيم الإخوان المسلمين يملك مشروعا، قوامه المواطنة والدولة المدنية والديمقراطية، بعد ذلك يمارس العكس. نحن نقول أن ذلك ليس المشروع الذي نطمح إليه، إنما علينا البحث عنه، والآن.

الذين أطلقوا الحراك من مختلف الأعمار وأرادوا تغييرا فعليا، منهم من اعتقل، ومنهم من أحبط، هم هنا، راكموا أسئلة ومعارف وخبرات، ويجب أن يتحولوا إلى قوة مجتمعية ضاغطة باتجاه التغيير. يجب عدم اليأس.

المجتمع لا يخضع بصمت في سوريا، لأن لو ذلك كان صحيحا، لم يكن الحراك ليحصل، وحتى قبله، ولو عبر تحركات صغيرة، تعبر عن رفض المجتمع وعن عدم خضوعه. المجتمع يرفض حكم الاستبداد ويرفض الأجندة المفروضة عليه وعلى مصالحه. إذا كان ثمة إرادة لإعادة إنتاج النظام مع تلميع صورته، بقليل من الديمقراطية، هذا سيكون تأجيلا لانفجار آخر للمجتمع، من هنا ضرورة طرح مشاريع جديدة وبديلة تحقق طموحات المجتمع ومصالحه للحفاظ على سوريا. المجتمع السوري لا يمثله لا النظام ولا الجهات المقابلة له، وهو بالوقت عينه يملك طاقة كامنة فيه، ويبحث عن مشروع يمثل طموحاته. مهمتنا اليوم، العمل والمساهمة على بناء هذا المشروع التنموي الذي يحقق آمال الناس.

من الانتقادات الموجهة للمركز أنه يختبئ خلف الأرقام وموقفه ضبابي من المسألة السورية، وهذا له علاقة بالنقد الموجه من معارضة الخارج نحو الداخل، ما هو تعليقكم على ذلك؟

التقارير كانت تُستخدم من كل الأطراف لصالح كل الأطراف، فتسمع في تلفزيون الجزيرة أن "نظام الأسد القمعي المستبد أدى إلى هذه الخسائر"، كما تجد الإخبارية السورية تقول إن "الإرهابيين أوصلوا البلد إلى هذه الأرقام الكارثية". كل الأطراف تستخدم التقارير، ولكنها تستخدمه بحسب الأجندة السياسية لكل طرف. ولكن فكرة عدم وجود رأي واضح بالمؤسسات والأزمة السورية، هي فكرة تتوجب قراءة كل إصدارات المركز، ففي كل تقرير، هناك إشارات واضحة إلى قوى التسلط التي تشمل الاستبداد والتطرف والأصولية. تحليل المركز بدأ بالكلام عن جذور الأزمة منذ البداية، هناك نقد واضح للمؤسسات السياسية الحاكمة والتي ما زالت موجودة؛ عبر تحليل الاختناق المؤسساتي، وتحليل كسر وازدراء طموحات المجتمع، وتطور ذلك في التقارير اللاحقة عبر كلامنا عن قوى التسلط وحالة الاغتراب التي نعيشها في ظل حكم المستبد والمتطرف. نحن نرفض كل الأجندات المطروحة، لذا لا ضبابية في موقف المركز، نحن نسعى لمجاراة تطلعات المجتمع، في حين أن المستبد والمتطرف والأطراف الخارجية غير مهتمة على الإطلاق بمصالح المجتمع. هناك فجوة واضحة بين توجهات المركز وتوجهات القوى الثانية. ونأمل، إضافة إلى ما سبق، أن يتوضح أكثر فأكثر موقفنا في مشروع البدائل التنموية، الذي سنساهم فيه، وهو بديل عن كل الأجندات الموجودة، وهو أيضا مشروع مواجهة ضد أجندات الأطراف التي تتصارع فيما بينها لحكم سوريا، وفي النهاية لتأمين مصالحها الشخصية.

من جهة ثانية، نحن لا نرد على أحد وذلك يعود لأننا نعمل على تصور لفترات طويلة، ولا نطرحها لندافع عنها، إنما لمعرفة هل هي قريبة من الواقع؟ أو تطرح الأسئلة الصحيحة أم لا؟ كما عند قراءة التقارير والأدبيات الصادرة عن المركز، يمكنك أن تجد انحيازا للحراك المجتمعي السلمي ولكل القوى الساعية لدولة ديمقراطية تعددية مدنية. الافتراق بدأ مع تأييد التسلح أو غض النظر عن جبهة النصرة أو إنشاء تيار غير متحرر، فكيف يمكننا تأييده؟ طروحات المجلس الوطني السوري، على سبيل المثال، من الناحية التنموية كارثية، أو اليوم التالي، أو الأوراق الصادرة عن الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية بما خص الوضع الاقتصادي والاجتماعي، لا يمكن تصور أنهم على علاقة بفكرة التغيير بحد ذاتها. لنأخذ على سبيل المثال، قانون التشاركية الذي ينقل ملكية الممتلكات العامة لصالح القطاع الخاص إذا خسر الأخير يعوض القطاع العام عليه بممتلكات عامة أو بأراضٍ، هنا يقول منتدى رجال الأعمال الداعم للمعارضة أن هذا القانون يفرض قيودا على القطاع الخاص، ويجب القانون أن يكون متحررا أكثر لصالح الأخير. كل همهم المجيء إلى سوريا ونيل قطعة من الكعكة. وهم أنفسهم يعتبرون أن "إصلاحات" الأسد التي قام بها بين العامين ٢٠٠٠- ٢٠١٠ كانت غير جريئة. هم يدفعون المجتمع السوري إلى القبول باقتصاد السوق وإلغاء الدعم، المجتمع نفسه يرفض هذه الأفكار.

ما يجمع بين المعارضة والنظام أن الطرفين يسعيان إلى تحقيق رأسمالية المحاسيب، ومصلحة النخبة على حساب المجتمع، الخلاف بينهما هو حول من هي هذه النخبة؟

نحن لا نختبئ خلف الأرقام، نحن نعمل لمدة ستة أشهر لإيجاد رقم الناتج المحلي، وهذا العمل من مهمة مكتب الإحصاء في سوريا الذي لا يقوم بهذه المهمة، أو يقوم بها بطريقة منحازة. نحن نوثق قضية خسارة مصالح وثروة وبشر، هناك استقطاب يتجاهل ما يحصل في البلد، نحن نعمل على ميزان لقياس كل الماضي السوري، وهذه الوظيفة تستحق أن نعمل عليها، للفهم الحالي والمستقبلي. كما نحن نحترم الأرقام وندرك معانيها، ليست المسألة خسارة ٢٥٠ مليار دولار، وكيفية تعويضها، الخسارة هي تعب أجيال، إنما كيفية استعادة الثقة التي أيضا تدمرت. تجاهل الأرقام خطير، حيث يأتون ويقولون أن قضيتهم قضية محقة، وهذا "الحق" يتحقق باستلام الحكم خلال الفترة الانتقالية. بكل الأحوال، لم نتوقع أن يكون تعطشهم لفرض هيمنة جديدة بهذه السرعة. 

في نهاية الأمر، نحن لا نهدف إلى الرد عليهم، إنما نسعى إلى بناء مشروع بديل يحترم الحراك المجتمعي الهادف إلى العدالة والكرامة يحترم بناء مؤسسات شفافة، ويحترم أولاد البلد.

تشيرون في هذا التقرير وغيره إلى تزايد الفروقات الطبقية، وفي الوقت عينه إلى تزايد الانقسامات العامودية (أي الطائفية) ولكن غاب عن التقرير تبني مسألة العلمانية، لماذا؟

ضمن رؤيا المركز حددنا توجهنا الذي يقوم على ثنائية العقلانية والأخلاق، الطرح العلماني لا يتنافى مع أخلاق المجتمع، بالعكس. وتتكامل الثنائيتان في المجتمع الذي نريد. وهذا الأمر استعمله عدة فلاسفة مثل قسطنطين زريق الذين طرحوا هذه الثنائية للخروج من الأزمات والنهوض بالمجتمعات. فكرة العلمانية والأخلاق والعقلانية غير غائبة عن رؤيا المركز.

في الوقت عينه، هذه الثنائية ليست تسوية أو عملية دمج غير واضحة المعالم، فعندما نتكلم عن العقلانية، نقصد أن المجتمع يهرب من علاقته مع الدين ومع البنى المتخلفة ومع القوى المهيمنة ويخضع لها بأكثر من وسيلة، وهذا يجب مواجهته دون أدنى تردد، والمسائل المتعلقة والحريات وتحرر المرأة والمساواة والعدالة الاجتماعية لا يمكن التنازل بشأنها. نحن لا نتبنى أيديولوجية معينة، إنما نحن نواجه كل من يستغل ويزيد ربحه على حساب الناس، سواء كان في القطاع الخاص أو في الأجهزة الأمنية. 

بالنسبة للطبقات، تقرير المركز يضيء على رأسمالية المحاسيب بطريقة سريعة، والأخطر أن الطبقة الوسطى تختفي، وبالتالي بتنا أمام طبقتين. والتقرير الأخير يشير بشكل واضح إلى وجود سياسات لإفقار تامة للمجتمع لصالح قلة، حيث بلغت نسبة الفقر ٨٥ بالمئة، وهذه القلة تحصل على ثرواتها بطريقة غير شرعية، ولكن هذا ليس وليد اليوم فقط، إنما هناك تراكم من قبل عام ٢٠١١ وتفجر نتيجة الحراك.

نركز في تقريرنا على مواجهة هذا الأمر، خاصة عبر تفكيك اقتصاديات العنف الموجودة حاليا التي تغذي هذه النخبة بهدف إعادة بناء طبقة وسطى منتجة، وإعادة الاعتبار للتكنولوجيا والمعرفة والانتاج للتخلص من الاقتصاد الريعي. يقوم الأخير على سهولة الربح (تجارة السلاح على سبيل المثال) وعقلية تبتعد عن العمل المنتج. وهذا يتطلب سياسات طويلة الأمد لتحقيق هذا الانتقال من الريع إلى الانتاج، ولإعادة بناء الرأسمال الاقتصادي والاجتماعي والثقافي وقبل كل شيء بناء كل ذلك وفق الواقع والمشاكل التي نعيش فيها لتجاوزها.

كنتم تتكلمون، منذ قليل عما يريده المجتمع، هناك مجموعات وأحزاب كردية تتراوح مطالبها بين اللامركزية والحصول على منطقة حكم ذاتي، كذلك في هذا الإطار غابت المسألة الكردية عن التقرير، ما هو نظرتكم حيال هذه المسألة؟

نحن ننطلق من نقطة جوهرية، الوطن موضوع اختياري، نحن مع توسيع الخيارات للبشر، وجزء منه ينطبق على كل السكان والمواطنين. ولكن هل حصل حوار مفتوح حقيقي في ظروف مناسبة لاختيار الأفضل المناسب لنا؟ لتوسيع الحدود مثلا أو لتضييقها؟ أم نجتمع مثلا مع ٣٠٠ مليون شخص يعيش في هذه المنطقة يتمكنون من إحداث اختراق عالمي؟ أم نعمل على الانكماش والتمزق؟ الواضح أنه في الحروب الاتجاه يحصل باتجاه التمزق، ويجعل من سوريا مئة قطعة. ضمن الحروب، بحسب رأينا، لا مكان لاتخاذ قرارات استراتيجية كبرى، نحن اليوم في واقع تعصب بحق الآخر وكراهية وهذا لا ينطبق على العلاقة التاريخية بينهما.

إذا كان الأمر يتعلق بالمسألة العرقية، لماذا يوجد شبه حرب بين البرازاني وحزب العمال الكردستاني؟ كان الهدف دولة عادلة، في حين أظهر البرازاني أن الموضوع له علاقة بفرض قوى تسلط جديدة حتى يسلم ابنه مراكز نفوذ، فضلا عن تعاونه مع "الأتراك أعداء الأكراد" حتى يقصفوا القوات الكردية الأخرى. أو إذا أخذنا على سبيل المثال، منطقة القامشلي، التي يسكن فيها مواطنون من أعراق مختلفة، كيف يمكن تحقيق فيها الحكم الذاتي، هل يمكن حكمها عسكريا وفرض الحكم عليها؟ لذلك من الأفضل الانتظار حتى نقوم بهذا الحوار لبناء هذا المجتمع الذي يحترم كل مواطنيه، وطرح الأفكار الاستراتيجية للمستقبل. ونعتقد أنه كلما ازداد الازدهار وتأمنت حقوق المواطنين دون تمييز وتوفر عقد اجتماعي متماسك، بذلك تميل الدول للتوسع وليس للانكماش. 

ما يمكن تأمله لتجاوز كل ذلك، هو بما شهدناه خلال العام ٢٠١١ عندما شعرنا أن الشباب المصري والتونسي هم أقرب إلينا أكثر مما كنا نتخيله.

بالنسبة للاقتصاد غير الرسمي، كيف يمكن قياسه وهو لا يدخل في حسابات الاقتصاد وحسابات الدولة، وبالتالي داخل التقرير، ومن المرجح أن يكون له دور كبير في تحديد مآلات الأمور في سوريا؟

التقرير يشمل كل الأنشطة الاقتصادية الموجودة في سوريا، فالناتج المحلي الإجمالي يشمل الناتج من الأنشطة الاقتصادية الرسمية وغير الرسمية والعامة وشبه العامة والخاصة… المنهجية المتبعة في التقرير تغطي كل سوريا، كما نستعمل مؤشرات كمية، مثلا نبدأ من المؤشرات الفرعية جدا لبناء المؤشر الكلي، كالناتج المحلي الإجمالي نبدأ من القطاعات؛ الزراعي، النقل والاتصالات…، ضمن القطاع الزراعي هناك عدة مؤشرات، مثلا كمية المحاصيل، كالقمح، هنا لا نتكلم عن الأسعار إنما عن الكمية المنتجة وهذه الكمية بغض النظر عن مكانها، سواء تحت سيطرة النظام أو خارجها، وهذه المنهجية سننشرها قريبا، وهي منشورة بشكل جزئي في التقرير، تعتمد على الكميات وتشمل كل سوريا ولا تستثني أي اقتصاد سواء كان رسميا أو غير رسمي. 

كما هناك الاقتصاد شبه العام، حيث أضأنا على الإنفاق شبه العام هو يأخذ شكل الإنفاق العام ويحصل ضمن المناطق خارج سيطرة الحكومة، مثلا هناك دفع للرواتب للعاملين عند داعش أو النصرة، فهذا الإنفاق لا يمكن اعتباره إنفاقا عاما، لأن الإنفاق العام تقوم به الدولة المركزية، ولا يمكن اعتباره إنفاقا خاصا، من هنا سميناه إنفاقا شبه عام، لأنه يشكل جزء كبير من اقتصاديات المناطق خارج سيطرة الدولة لذلك ينبغي الإضاءة عليه، والذي ارتفع بشكل سريع خلال السنوات الماضية، طبعا ارتفاعه يعكس ترسخ المؤسسات الاقتصادية خارج سيطرة الدولة، التي ليست بالضرورة أن تكون جيدة إنما هي اقتصاديات مبنية على العنف. هذه المؤسسات تقوم بتوزيع رواتب وباستثمارات بالحد الأدنى لتسيير شؤون المناطق. واستخدمنا مؤشرات بديلة وكمية، واستعملنا عدد السكان الموجودين، وعدد الموظفين، وعدد الطلاب وعدد المدارس… هذه المؤشرات وغيرها استعملناها لتقدير نسب الإنفاق والاستثمار شبه العام في المناطق هذه. 

كما هناك مجموعة واسعة من الأعمال لا تسجل في المؤسسات الرسمية، كالتهريب والتجارة بالبشر وتجارة السلاح. من هنا المسألة تكمن كيف يمكن كشف هذا النشاط بطريقة أخرى؛ مثلا نجار لا يعمل بشكل نظامي يحتاج إلى الكهرباء، ونحن نعلم كمية استهلاك الكهرباء، فعندما يزيد هذا الاستهلاك يمكنك تقدير النشاط الاقتصادي الذي تعرفه والذي لا تعرفه، لأنهم كلهم يستعملون الطاقة الكهربائية، كذلك يمكن تقدير ذلك عبر ازدياد استهلاك الوقود، كما هناك التحويلات المالية التي تقدر بـ ٢ مليار دولار. كما يمكن أخذ موضوع داعش على سبيل المثال، حيث لا يمكن معرفة حجم الإنفاق العسكري للتنظيم، ولكن هناك تقدير لعدد جنوده، من عددهم وتجهيزهم ورواتبهم التقديرية، يمكن تقدير هذا الجزء من الإنفاق العسكري داخله. من هنا لا يمكن تجاهل هذا الجانب، الذي هو أصلا صعب تقديره في أوقات عادية، فكيف والحالة هذه، لذا من الضروري البحث عن أدق طريقة لتحديد حجم التدفقات المالية وانعكاساتها. طبعا الاقتصاد غير الرسمي المرتبط مباشرة بالعنف بات هو المهيمن.

السؤال الاستطرادي من هذا الكلام، وبالعودة إلى التقرير تقولون أن ١٧ بالمئة من السكان الناشطين اقتصاديا يعملون في الأنشطة غير المشروعة ضمن الاقتصاد غير الرسمي، مثل: التهريب والاحتكار والسرقة والنهب والاتجار بالأسلحة والبشر والقتال، ولكن لنأخذ على سبيل المثال تدخل حزب الله بسوريا وسواه من المجموعات المسلحة الأجنبية على طرفي النزاع، كيف يمكن قياسه ضمن هذا النوع من الاقتصاد؟ يمكن أن تكون هذه الجهات موجودة ويدخل عملها ضمن الاقتصاد غير الرسمي، ويمكن لهذا النوع من الاقتصاد أن يصبح هو الاقتصاد الرسمي، كما حصل في لبنان، حيث كانت الميليشيات بممارساتها تعتبر ضمن الاقتصاد غير الرسمي، كل المصالح وشبكات النفوذ التي بنيت في الحرب باتت اليوم جزءا أساسيا من الاقتصاد الرسمي في لبنان.

لدينا تقدير لعدد الجنود النظاميين، وغير النظاميين من دفاع وطني ولجان شعبية، وهذا التقدير أفضل من بقية التقديرات لأننا نعلم حجمهم من عدة مصادر، لكن، على سبيل المثال، هناك عدد كبير من الأجانب داخل البلد، ولا نعلم عددهم، هم قوة عمل جاءت تقدم "خدمة" تقبض راتبا وتصرفه، من ناحية الرواتب نحاول تقدير حجمها، وفي نفس الوقت هم يجلبون أغراضهم وتموينهم معهم. التدخل الروسي كيف يمكن تقديره؟ هناك عدة طرق لذلك من ناحية الإنفاق يمكن تقدير ذلك عبر انتعاش القطاع الزراعي أو قطاع النقل والاتصالات، فعبر إنفاقهم لشراء ما يتعلق بهذه السلع فينعكس هذا على بقية القطاعات، بذلك يتم رصد نتائج وجود "القوات الأجنبية"، القواعد الأساسية لحسابها بهذا التعقيد، مثلا الطائرة الأميركية التي تقصف في سوريا تعتبر إضافة للناتج أم لا؟، هل تفسر بأنها إضافة للناتج لأنها تقاتل داعش؟ أو مثلا القصف الروسي هل يعتبر إضافة للناتج؟ أو حتى قصف الاحتلال الصهيوني- العدو- لمناطق في سوريا هل هو خدمة للناتج المحلي؟ بمعنى آخر هذا القصف "يوفر" على الدولة كلفة شراء الطائرة، فجاءت الطائرة وقدمت هذه "الخدمة"، هنا نصبح بحسابات مختلفة للخسائر، وتصبح تكاليف الحرب ضعف ما هي عليه. 

تقدير كلفة الحرب لا تقتصر على سوريا، وهي بطبيعة الحال لها نتائج على مجموعة واسعة من الدول. على الأقل بما خص سوريا، سنعمل في التقرير المقبل على تقدير أدق لهذه التكاليف. 

ما هي قراءة المركز لسياسة الدولة اللبنانية تجاه اللاجئين السوريين؟

نحن أمام حالة خروج من تحت سلطة قوى التسلط والقهر والقمع للوصول إلى قوى تسلط أخرى من أنواع مختلفة في تركيا والأردن ولبنان. التصرف الحكومي لا يحترم الناس، من اللبنانيين والسوريين والجميع، النظام اللبناني لا يحترم المشاركة، وهناك تحكم بواسطة هيمنة فريدة لامركزية عبر العديد من القوى. وهذا شأن لبناني، والمركز يلتزم بسياسة النأي بالنفس [ضحك].

أما الموضوع الإيجابي، فهو يكمن في المجتمع اللبناني الذي استوعب موجة ضخمة جدا من السوريين، ومن يقول أن اللبنانيين لديهم حساسية من السوريين يجب أن يعلم أن هناك قوى تسلط تزرع الكراهية والتفرقة وتحرض على ذلك وهذا حصل ويحصل من دون وجود السوريين، ولكن أن يستطيع المجتمع التعامل مع كتلة بشرية ضاغطة، تنافسه على الموارد، بسبب كل ذلك كان المجتمع هو المميز، وقدرة المجتمع فاقت قدرة الدولة. وهو أمر يدل على رقي كبير، بغض النظر عن كل من يتكلم عن تفاصيل ليست بشيء أمام ما قدمه المجتمع اللبناني للسوريين.

وهذا الأمر بالضبط حصل مع العراقيين عبر المجتمع السوري، في وقت كانت الحكومة تقول أنهم سببوا ارتفاعا في أسعار الشقق…، فاستوعب المجتمع السوري العراقيين كما حصل في لبنان مع السوريين.

لكن في المقابل، دولة مثل ألمانيا يدخل إليها خمسين ألف شخص، فتعلن الاستنفار، وتفكر بإنشاء حائط "برلين جديد"، وحواجز، فضلا عن ١٠ جدران أقيمت في أوروبا لتخفيض عدد اللاجئين. بالفعل نحن هنا أمام قوة مجتمعية يجب الاستثمار فيها، لسببين، الأول لتغيير إيجابي في المؤسسات الموجودة، والثاني نحن هنا أمام فرصة تاريخية، لبناء جسور بين المجتمعات في وقت هناك من يحاول تقسيمها، هنا يتم بناء ذكرى وتاريخ وعلاقات وشبكة اجتماعية يمكن أن تكون إيجابية وبالتالي أن يعود السوريون ويكون لهم كل الرابط القوي مع المجتمع اللبناني والأردني والتركي، وبالتالي نشوء نوع تكاملي جديد من العلاقات بين المجتمعات، التي رُسِمت الخطوط فيما بينها.

لا شك بأن القوة الاجتماعية في لبنان لعبت دورا في عملية استقبال السوريين، وهناك ضرورة للضغط على الوزارات الرسمية، مثل التربية والصحة والعمل، التي أصدرت قرارات جد عنصرية، عليها الإضاءة على هذا الموضوع والضغط بهذا الاتجاه، لكننا نعلم أن النظام اللبناني هو سيء على الجميع، وضمن كل دول العالم يعتبر اللاجئ مواطنا من الدرجة الثانية ويفقد كامل حقوقه، وتكون شرعة حقوق الإنسان مرتبطة بتوازنات الدول.

ما هي مشاريع المركز المستقبلية؟

نعمل على مشروعين رئيسيين، بالإضافة لاستكمال الآثار الاقتصادية والاجتماعية للأزمة، مشروع حالة الإنسان في سوريا والذي أنجز بجزء كبير منه ويقوم على مسح حالة الإنسان الذي تم عام ٢٠١٤، هناك نتائج مأخوذة بعملية علمية متقنة، ويتضمن عدة محاور أو عدة أبعاد يعمل عليها المركز لإصدارها ومناقشتها لتشخيص الحالة الصحية والديمغرافية والمؤسساتية والاقتصادية والثقافية للمجتمع على المستوى الجغرافي يشمل ٧٠٠ منطقة، وليس على المستوى الكلي كالتقارير السابقة، بناء على المسح الذي جاء ضمن دراسة حالة الإنسان بسوريا، وبناء على تقارير أخرى سيطلق المشروع الثاني الكبير الذي يعمل عليه المركز من بدايته، هو المشروع التنموي البديل، أو البدائل المتوجب طرحها لتجاوز الأزمة، ليس فقط تجاوز الآثار إنما يحصل ذلك مع وجود رؤيا تكون منارة للتوجه المقبل الذي يرغب فيه المجتمع السوري، وأن لا يكون ذلك عبر جلوس أمراء الحرب على الطاولة والاتفاق فيما بينهم. 

في النهاية، أشار الرفيق في تيار اليسار الثوري في سوريا، غياث نعيسة، في مقاله المنشور في ٧ شباط، إلى المطالب المباشرة للشعب السوري المتمثلة بـ: السلام ووقف المعارك والقصف والحصار والتجويع وإطلاق المعتقلين وعودة المهجرين واللاجئين، ولكن تبقى مطالب الثورة: الحرية والكرامة. من يحقق كل ذلك ومتى وكيف؟

أشرنا أعلاه، إلى أن المجتمع يملك قوة كافية لتحقيق أهداف الحرية والكرامة، الحراك بشكل أساسي قام من أجل تحقيقها. قوى التسلط تحرف رغبة المجتمع بأن الأخير يريد الإعمار والعودة لما كنا عليه قبل الأزمة حيث كنا نعيش ببحبوحة وسعادة، وهذا كذب وتحريف للأهداف التي خرج من أجلها الشعب السوري. القوة القادرة على تحقيق هذه الأهداف: الكرامة والحرية والعدالة والمساواة حتما ليست متحكمة بالأعمال العسكرية، وليس بينها من هو من أمراء الحرب، الذين قد يجلسون على الطاولة ويتفقون على هدنة ووقف أعمال القتل، هؤلاء هم في مواجهة المجتمع، في حين القوة هي المجتمع، القوة هي الطاقة الكامنة للمجتمع بالدفع باتجاه المشروع البديل والضغط على هذه الأطراف، لتنفيذ هذا المشروع، واجبنا كعاملين بالشأن العام بناء هذا المشروع والمساهمة في بنائه، لنقدم للمجتمع هذا البديل ليحارب من أجله، أما مع وجود الفراغ، ووجود أجندة متسلطين ومستبدين ومتطرفين سيوزع هؤلاء كل السلطة والمنافع على أنفسهم.

بكل الأحوال، هناك حل بسيط أو حل صعب، البسيط يقوم على عدم نقد المفاوضات وعدم نقد الاستراتيجيات للأطراف المختلفة بحجة إنهاء المأساة لكن ذلك لن ينهيها، ولكن ذلك لن يحصل دون وجود موقف واضح أن ما تقومون به من تقسيم السلطة لا يناسب الشعب السوري، ويرجح إعادة الانفجار وبطريقة أسوأ. لنكن واضحين من اليوم، والكلام يشمل المثقفين ومراكز الدراسات والتيار الذي أطلق الحراك باتجاه الحرية والعدالة، كل هؤلاء يجب أن يطرح رأيه اليوم، ويجب أن يقدم مشروعه. أما الحل الصعب، هو أن نعمل على بديل مناسب وهذا لن يتم إلا عن طريق تراكم طويل الأجل، ويجب دراسة ما حصل، وكيفية تجاوزه، وكيف يمكن أن تتشكل فكريا وعمليا مصلحة للناس بأن يغيروا المؤسسات وأن يبنوا أخرى جديدة، هذا يتطلب شكلا جديدا من الحراك الذي قد يكون حزبيا أو اجتماعيا، ولكن على الأقل أن يكون هناك تنظيم من أجل مراكمة الجهد، وقد يستغرق كل ذلك وقتا أطول.

--

لتحميل كامل تقرير المركز باللغة العربية: أنقر/ي هنا، باللغة الانكليزيةأنقر/ي هنا

موقع المركز الالكتروني: أنقر/ي هنا

صفحة المركز على الفايسبوك: أنقر/ي هنا

موقع المركز على التويتر: أنقر/ي هنا