ما هو المثقف؟

نشر في‫:‬الأثنين, شباط 15, 2016 - 20:26
الصورة من هنا: hubmagazine.it
الكاتب/ة: بيبس باترونس.
ترجمه‫/‬ته الى العربية‫:‬ وليد ضو      
المصدر‫:‬      

‫ولد الاستخدام السياسي والثقافي لمصطلح "المثقف في نهاية القرن 19 مع قضية الضابط اليهودي ألفرد دريفوس الذي اتهم بالتجسس عام 1894 وأعيد الاعتبار إليه عام 1906. خلال هذه الأزمة التي قسمت بعمق الجمهورية الثالثة [في فرنسا]، تشكل الجزء الأكبر من المدافعين عن الضابط من الراديكاليين وجزء من الاشتراكيين، بمواجهة اليمين الكاثوليكي والمعادي للسامية. وكان لمصطلح "مثقف" ‬معنى أكثر تحديدا مما هو عليه الحال اليوم: حيث استُخدِم من المناهضين لمؤيدي دريفوس ضد الجامعيين والشخصيات العامة المدافعة عن الضابط. الأخيرون، المدافعون عن الجمهورية البرجوازية والعلمانية ولكنهم في الوقت عينه يناهضون الاشتراكية الثورية، تنظموا في الحزب الراديكالي وساعدوه على الفوز في الانتخابات عام 1902. وضد هؤلاء "المثقفين البرجوازيين" عارض، صهر كارل ماركس، بول لافارغ عبارة "البروليتاريا المثقفة". وتواصل احتقار مصطلح "مثقف" من اليمين المتطرف وشعبوية مفكرين من اليسار. ورددت الدعاية النازية هذا الاحتقار تجاه "مثقفي الخراء" (نحن نكره هذه العبارة لمظهرها المفرط بيهوديته. كيف يمكن لرجل من دم ألماني أن يكون مثقفا).

واستعمل مصطلح "مثقف" من الزعيم والمفكر الشيوعي أنطونيو غرامشي (1891-1937). غرامشي ناقش النضال من أجل الهيمنة الثقافية للطبقة الاجتماعية، الأمر الضروري للاحتفاظ أو الوصول إلى السلطة السياسية، وهو يسمي المنظرين الذين يكافحون بهذا الاتجاه بأنهم "مثقفين عضويين" للطبقة البرجوازية أو للبروليتاريا.

إذا أخذنا مصطلح "مثقف" كموقف نقدي تجاه الفكر والممارسة المهنية. يمكنا تصنيف تصرف تاجر الأثاث الفاخرة الذي يطرح مسائل جمالية حول منتج ما، أو تصرف هاو حمام الذي يدرس بعمق جوانب علم سلوك حماماته، كتصرف مثقف. من وجهة النظر هذه فإن استعمال مصطلح مثقف لتصنيف على سبيل المثال معلمي المدارس غير صحيح. هم يعملون بواسطة عقولهم، ولكن معظمهم ينقلون ميكانيكيا معرفة دون طرح سؤال (الثقافي بشدة) حول دورهم الاجتماعي داخل المجتمع البرجوازي ومعنى معرفتهم داخل عملية إعادة انتاج قوة العمل المتخصصة. وعندما يشعرون بأنهم مرغمين على الثورة على السلطة من خلال طرح أسئلة حول وظيفة التعليم ودوره، يطورون بذلك تفاعلا ثقافيا. الصراع الطبقي المناهض للرأسمالية يشجع ويدعو إلى طرح أسئلة ثقافية، أي وضع الواقع الاجتماعي موضع الشك. 

هذا لا يعني أن "العمال الذهنيين" يعتبرون أعلى ثقافيا من العمال اليدويين. والوجه الآخر من الميدالية أيضا غير صحيح: معارضة المثقف، أي العامل غير اليدوي، كما يقول العمالويون في كثير من الأحيان: العامل "لا يحتاج إلى كل هذه المناقشات البيزنطية حول طرق سير المجتمع، لأنه يشعر بلحمه بالاستغلال والاضطهاد"، إلى سوى ذلك من الديماغوجية الشعبوية. وهذا هو، في الواقع، احتقار عميق للقدرات الثقافية للعمال. وهذا الأمر يسبب خطرا كبيرا: استعمال العمال كمقاتلين من أجل خدمة أهداف قادة "الاشتراكية من فوق" وطفيليي بيروقراطية الحركة العمالية مع كل العواقب الجنائية لذلك كما أظهره لنا التاريخ الحديث.

"تعلم!" يقول برتولد بريخت في أغنية موجهة إلى العمال: "لأنك سرعان ما ستتولى السلطة". أما لينين فأعلن من جانبه أنه لا يوجد ثورة من دون نظرية ثورية. أن تكون مثقفا، أو على نحو أدق أن يكون لك موقفا ثقافيا، يعني أن تُخضِع كل شيء للنقد الراديكالي، والفهم من أجل تغيير أفضل. كل شيء يجب أن يخضع للنقاش، وللشك، أو بحسب العبارة القديمة De omnibus dubitandum أي الشك بكل شيء.

--

* نشر النص أعلاه في موقع العصبة الشيوعية الثورية- بلجيكا، بتاريخ 27 آذار/مارس 2014