‫من مهازل التاريخ: عندما كان هنيبعل القذافي ‬لاجئا سياسيا في كنف النظام السوري

نشر في‫:‬الثلثاء, كانون اول 15, 2015 - 11:00
لا تمت قبل أن تكون ندا | الشعب السوري عارف طريقه
الكاتب/ة: وليد ضو.

طويلة كانت رحلة ابن الطاغية الليبي، هنيبعل القذافي، من رخاء تنعمه بالتحكم بمصير الشعب الليبي واستغلاله وقمعه، وصولا إلى حصوله على "الأمان" من النظام السوري، بعيدا عن مصير والده البشع.

لا شك بأن هنيبعل القذافي، في رحلته هذه، قد مر فوق البحر المتوسط، البحر الذي ابتلع الآلاف من اللاجئين والمهاجرين الهاربين من أنظمة استغلالية وقمعية كالنظامين الليبي والسوري وغيرهما. وقد كان للنظام الليبي السابق اليد الطولى بالشراكة مع الاتحاد الأوروبي لوقف الهجرة المسماة "غير شرعية"، والتسبب بهذا العدد من الوفيات، إلى جانب غيرهما، بالطبع.

رحلة هنيبعل، كانت معاكسة باتجاهها، لهجرة، وتهجر، الملايين من اللاجئين السوريين الهاربين من حرب النظام السوري والمجموعات الرجعية المسلحة كداعش والنصرة وسواهما على الشعب السوري، داخل، أو إلى خارج سوريا. حط هنيبعل في حي المالكي الفخم وعاش حياة هادئة. لا شك بأنه استمع إلى أصوات القنابل المتساقطة من كل حدب وصوب، قد يكون أزعجه ذلك، أو منع عنه نوما هنيئا، لكن ما العمل؟، هذا كل ما استطاع تأمينه النظام السوري لـ"اللاجئ السياسي" الليبي.

التطورات السياسية والأمنية في ليبيا منعت أي إمكانية لملاحقة قانونية وقضائية لرموز النظام الليبي السابق، بالطبع مع ضمان حقهم بالحصول على كافة فرص الدفاع عن أنفسهم. بذلك، ذهب القذافي الأب إلى مصيره المعروف، فتزاحمت الوحشية على أرض غنية بالنفط، كانت قد مهدت لها وحشية أخرى، لا تقل بشاعة عن الأولى، تمثلت بصواريخ الطائرات الغربية التي سعت للتخلص من حليفها السابق. فنجا الشعب الليبي من طاغية، كان سيكمل معركته ضدهم ويبيدهم كـ"الجرذان"، كما قال، وعلق في دوامة عنف لا فكاك منها.

في سوريا، حيث لا زال النظام موجودا، ويحظى بدعم قوى متعددة، ويتمتع بإسناد جوي روسي يقتل يوميا العشرات من المدنيين، تصفق له، وتشارك فيه، قوى الممانعة و"المقاومة"، القوى عينها التي هللت للقصف الجوي الغربي على ليبيا، ويا للمفارقة! وفي سوريا، أيضا، يقبع الآلاف من المعتقلين داخل دهاليز وسجون النظام، يموت الكثير منهم دون أن يعرف أحدا، يموتون من التعذيب، يموتون من الجوع، يخرجون من السجن ليموتوا من الأمراض وآثار التعذيب. قد نعرف أسماءهم، ولون عيونهم. قد تتوفر لهم صفحة على الفايسبوك تطالب بحريتهم. منهم من خرج، وسافر. وقد لا نعرف أسماءهم. وقد نعرف أسماءهم ولون شعرهم وطعامهم المفضل واسم هرتهم، ولكن لا نجرؤ على المطالبة بهم، وبحريتهم. وهنبيعل القذافي جلس على شرفته في حي المالكي الدمشقي.

هل صدق هنبيعل، أو وثق، بالأمان الزائف الذي وفره له النظام السوري إلى هذا الحد؟ ربما هو الآن يفكر أن الديكتاتور لا يمكن الوثوق به، وقد يبيع أي شيء عند أي لحظة، لمصلحة بقائه. تذكروا كيف تخلى النظام الليبي عن سلاحه المحظور واشترى به بقاءه المؤقت، والنظام السوري عن الأسلحة الكيماوية بعد المجزرة المروعة في غوطتي دمشق، تخليا عن سلاح باهظ الثمن دفع حقه الشعبين السوري والليبي أغلى الأثمان، طبعا باسم تحرير فلسطين، فكيف إذا كان مجرد رجل يجلس على شرفة في حي المالكي، أراد النظام السوري تقديمه كهدية أعياد لحلفائه في لبنان، ليقبض ثمن الهدية لاحقا.

لكن لماذا لم يهتم النظام السوري لضرورة استجواب هذا الرجل الآتي من نظام خطف الإمام موسى الصدر الذي أسس حركة تعتبر اليوم حليفة للنظام السوري؟ ولماذا استقبله في الأساس؟ ربما أراد النظام السوري لهذا الرجل محاكمة "عادلة"، يوفرها له القضاء اللبناني، ولم يرِد له أن يتعفن في غياهب الزنازين السورية. كم يبدو مصير الطغاة قاسيا، ولا شماتة.

ولكن ما هي هذه العدالة؟ كيف يمكن قراءتها؟ عدالة من؟ ولمن؟ اليوم، وقد شارف العام 2015 على الانتهاء، نطوي أياما عديدة منذ 13 نيسان عام 1975، ونتذكر المفقودين والمخطوفين على يد الميليشيات المتحاربة، وعلى يد الاحتلال السوري والإسرائيلي وسواهما. نتذكر عدد حبات المطر وعدد ساعات الشمس التي تساقطت على رؤوس أمهات وآباء المخطوفين والمفقودين المعتصمين منذ سنوات في حديقة جبران خليل جبران بالقرب من مبنى الأسكوا. أمهات وآباء تلاعبت بهم سلطة مجرمي الحرب. كم هو مرير أن يطالب والدٌ مجرمَ حرب برتبة نائب أو وزير بالحقيقة. ما هي تلك الحقيقة؟ أن يبقى اسم الوالدِ: والدَ مخطوفٍ، وأن يبقى اسم المجرم: وزيرا أو نائبا؟ تباً.

مرت تظاهرات كثيرة بالقرب من خيمة الاعتصام في تلك الحديقة، من هيئة التنسيق النقابية إلى الحراك الشعبي في الصيف الماضي، من الاعتصامات التضامنية مع الانتفاضة الفلسطينية ومع ثورات الشعوب في المنطقة العربية والمغاربية، وبقيت خيمة اعتصام أهالي المفقودين والمخطوفين في مكانها، وأضيف إليهم مفقود جديد، اسمه شبلي العيسمي.

لا يملك أهالي المفقودين والمخطوفين أي سلاح أو ميليشيا ليخطفوا الخاطف ويطالبوه بالحقيقة، لكنهم هم هناك لأنهم في هذا الاعتصام الطويل والمستمر، يتشابهون بمصير أولادهم المختفين. تبتلعهم بيروت وتخنقهم. يطلون بأصابعهم من تحت التراب أو من فوقه، ويشيرون بها إلينا، وإلى مجرمي الحرب، ويقولون: نريد المحاسبة والعدالة.