في كتابه "وما أدراك ما الحراك" حسان الزين يقدّم خدمات مجانية لمن يهمه الأمر

نشر في‫:‬الأحد, كانون اول 6, 2015 - 13:10
الملصق من هنا: www.thesouledstore.com
الكاتب/ة: باسل ف. صالح.

يظهر الصديق حسان الزين في كتابه "وما أدراك ما الحراك" أنه الأكثر عقلانية، وواقعية، في الحراك الذي شهده لبنان في النصف الثاني من عام 2015، وهو الحراك الذي بدأ على خلفية انتشار النفايات في بيروت وضواحيها، وجبل لبنان، وبعض المناطق اللبنانية الأخرى. 

من هنا نبدأ، وهنا كل المشكلة. والعقلانية هي تلك التي يقول حسان الزين عنها، وبلسانه، إنها الصفة التي وصفه بها مصدر مقرّب من وزير الداخلية نهاد المشنوق. إلا أن عمل حسان الزين في كتابه لم ينصبّ إلا على قليل من النقد البنّاء، والكثير من تكريس هذه الصورة العقلانية وإزالة كل ما يمكن أن يشوهها. 

لكن الزين، وفي محاولته هذه، أرتكب عدة أخطاء مميتة، لا تضعه في موقف المدافع والأمين على الحراك، كما حاول أن يظهر في الكتاب، بل أظهر نفسه في موقع الأكثر عدائية، وخطراً على الحراك، من كل الجهات. 

فالزين ارتكب ما يمكن أن نسميه الكبائر السياسية والتنظيمية، أي تلك الأخطاء التي لا تُغتفر، بمعزل عن النية من خلفها. بل مجرد كشف أسماء بعض من شارك بالتظاهرات، أو أسماء الناشطين، وكشف ما قالوه في جلسات علنية، وأخرى سرية، وفي اجتماعات التنسيق، وفي خلافات الناشطين ببعضهم داخل المجموعات، سواء داخل الحملات نفسها، أو داخل الهيئات التنسيقية غير المنسقة، يؤدي إلى نتيجة واحدة: الإضاءة على أسماء كان حري بالزين أن ينقدها بشكل موارب، أو أن يرمز إليها دون تسميتها بشكل مباشر، ولو بمعرفة أصحابها، وبالتالي دون تقديم خدمة مجانية للنظام، ولأدواته، ولقواه السياسية، بأن يكشف عن ناشطين أساسيين، وعن مهامهم، وطريقة تفكيرهم، وعن عملهم، وعن رأيهم الذي أرادوه مخفياً، لربما، أو حتى الكشف عن أسماء عدد ممن شاركوا بالحراك وممن لا يريدون أن تظهر أسماءهم لضرورات مختلفة، وصولاً إلى تعريضهم للخطر الداهم أمنياً، أو لجهة فصلهم من عملهم، أو لجهة تهديد مسيراتهم المهنية أو العملية أو حتى الاجتماعية. 

لم يقف الزين عند هذا المستوى، بل أظهر الأفراد والناشطين والمجموعات ككائنات أنانية، نرجسية، وفي موضع الاستعلاء والعجرفة، والغرور، وما إلى هنالك من صفات تحيل مجموع هؤلاء الناشطين إلى أنصاف آلهة يفقد الناس الثقة بهم الآن ولاحقاً، ويبعدهم عن المشاركة الفاعلة في أي نشاط لاحق، سواء على المستوى الاجتماعي، أم السياسي، أم حتى تعريض إمكانية توظيفهم لمخاطر جمة. وكأن حسان الزين أراد، ومن دون قصد، أن يُظهر للسلطة ما لم تستطع السلطة، وأحزابها، رؤيته. فقام بكشف المستور، وأظهر ما كان مخفياً، فأشار إلى مجموعات الناشطين الذين سيشكلون، حاضراً ومستقبلاً، مجموعة من الناشطين الأساسيين. وكأن الزين يكشف عن أسماء، وشخصيات، من أجل أن يقول للقوى الأمنية، بشكل أو بآخر، بقصد أو دون قصد، ها هم من يحركون الشارع، ها هم من عليكم أن تلاحقوهم، أو تضعوهم تحت المراقبة الدائمة، سواء مراقبة صفحاتهم الالكترونية، أو هواتفهم، أو أماكن عملهم... الخ. 

لقد وقع حسان الزين في فخ لا أدري إن كان سيكون موثوقاً بعده، وكأنه وقّع على وثيقة استقالته من أي حراك سياسي – اجتماعي مستقبلاً. لقد وضع أمام إسمه، وبالنسبة للناشطين المذكورين، علامة استفهام والكثير من علامات التعجّب. لقد وضع حسان الزين، ودائماً بالنسبة للناشطين، تاريخه النضالي في موقع التساؤل والاستفهام، فأظهر نفسه وكأنه يقطف الآن ما كان قد أسس له سابقاً، وكأن هدفه "التغييري" يقف عند محاولة كسب كل ما يمكن أن يكسبه من هذه السلطة، وفيها، على حد سواء. 

لا يقف الأمر عند هذا المستوى، بل يبتعد حسان الزين في قراءته المبتورة للواقع، فيذم مثلاً جميع المجموعات اليسارية بوصفها يسارية، على الرغم من اختلافها الكمي والنوعي. فيطلق تلك الصفة دون تحليل، ودون تحديد، ودون لحظ الفوارق القائمة فيما بينها، فيغفل مثلاً أن الحزب الشيوعي يختلف عن حركة الشعب، والاثنان يختلفان عن المنتدى الاشتراكي وعن غيرهما من المجموعات. وهو موقف أيديولوجي وإن حاول إظهاره خارج كل أيديولوجيا، وهو موقف سياسي ولو حاول أن يظهره خارج كل سياسة أيضاً. 

إن محاولة الزين في كتابته عن الحراك كانت كارثية، نظراً للرعونة في كشف كثير مما كان يجب أن يبقى مخفياً من جهة، ونظراً للخلط والتسرّع في إطلاق الأحكام من جهة ثانية. ولا شك أن هذه المحاولة ستأتي بمردود سلبي عليه، وعلى أي حراك مستقبلي ممكن، قصد ذلك أم لم يقصد، أدرك ذلك أو لم يدركه، أولها وأهمها استبعاده عن كل ما يمكن أن يتشكّل لاحقاً بوصفه حركة تغييرية، إذ أن تعريض حياة الناشطين والمجموعات للخطر لا يمر مرور الكرام في هكذا معادلات. كما وأن إظهار البعض بوصفه متكالباً على الظهور، ولهذه الدرجة، وبوصفه "فرخ" ديكتاتور، يُفقِد ثقة الناس بهذا البعض بشكل مباشر، وفي أي عمل مستقبلي، وإن قاموا بنقد ذاتي عنيف، ويوصلنا إلى نتائج لا تحمد عقباها. 

وأخيراً، وليس آخراً، أعتقد أن على حسان الزين مراجعة هذه المقاربة بشكل جذري، خصوصاً وأن القمع الذي انتهجته السلطة لن يكون مرحلياً فقط، بل سيكون مستمراً لسببين رئيسيين: 

أولاً: لأن السلطة، وكما هو ظاهر، لم تستطع معالجة مشكلة النفايات التي مازالت منتشرة في الشوارع والأحياء والمناطق. 

وثانياً: عدم قدرة السلطة، وأحزابها، على إعادة إنتاج النظام إلى الآن، ما يعني أن المواجهة مفتوحة وعلى كافة الصعد، وأن المحركين الأساسيين الذين كشف حسان الزين عنهم، أصبحوا في موقع الملاحقين أمنياً، وأصبحوا خطراً على المجموعات التي يعملون بها، وينشطون فيها. 

وأخيراً، إن كان علينا أن نضبط هذا الحراك أو غيره، ونحميه، وندعمه، ونصوّبه، فسيكون ذلك قاسياً جداً، وعلى الصديق حسان الزين أن يفهم هذه المعادلة جيداً، فالصداقة والعمل الأدبي والثقافي شيء، والعمل السياسي عموماً، وفي ظل القمع والترهيب والترغيب والاعتقالات التعسفية خصوصاً، شيء آخر تماماً.