‫صفقة عرسال، أو جبهة النصرة كجزء من المعادلة اللبنانية‬

نشر في‫:‬الجمعة, كانون اول 4, 2015 - 13:38
لا تصلِّ لربٍّ قاسٍ (تشي غيفارا) | منير الشعراني
الكاتب/ة: المنشور.

سنة وأربعة أشهر مروا على اختطاف العسكريين الـ 25 على يد تنظيميّ جبهة النصرة وداعش الارهابيين في جرود عرسال قبل أن تقوم الدولة اللبنانية "بتحرير" جزء منهم ضمن صفقة حصلت فيها النصرة على إطلاق سراح عدد من المعتقلين في السجون اللبنانية والسورية، كما وفرضت على الدولة اللبنانية تأمين ممر "إنساني آمن ودائم" للاجئين السوريين إلى عرسال، إضافة إلى تأمين المواد الإغاثية لمخيمات اللاجئين والمواد الطبية كما تجهيز مستشفى البلدة وتأمين عدد من الجرحى المدنيين المتواجدين في سوريا. ‬

‫دعونا نبدأ بعدم شكر أي دولة قامت بأي تفاوض من أجل أي صفقة جرت على أي من الأراضي اللبنانية وغير اللبنانية. فالخروج المحق للعسكريين المعتقلين لدى النصرة إلى الحريّة كما الممر الآمن والمحقّ للاجئيين هي حقوق بديهية لهؤلاء البشر قبل أن تنتهكها الدولة والنصرة في السباق على المكاسب. حاولت الدولة من خلال هذه الصفقة البحث عن شرعية لنفسها تقدمها لسكان هذا البلد، بعدما وجد رموز السلطة في التجاوب مع مطالب النصرة مدخلاً لاستعادة هيبة الدولة التي أسقطها هز المتظاهرين السلميين للسلك الشائك في وسط بيروت. فالنصرة التي لم تلمس أي شريط شائك من شأنه النيل من هذه الهيبة، وحتماً ليست متورطة بتحطيم زجاج فندق "لو غراي" وسط بيروت، عندما قامت بأسر هؤلاء العسكريين (وسط أحاديث عن أوامر أعطيت للعسكريين بعدم المقاومة وقت الهجوم)، تحاول أيضاً كسب شرعية لها ضمن المناطق الخاضعة لسيطرتها عبر السطو على مطالب اللاجئين والممرات الآمنة لهم.

في هذه المعادلة، تجد الدولة اللبنانية، كما الدولة الفرنسية والروسية وغيرها، في مناكفة الإرهاب المدخل "الملكي" للمزيد من التعمية على سياسات التهميش والإلغاء والظلم الإقتصادي الذي تمارسه بحق العمال جميعاً وخصوصاً العمال الأجانب واللاجئين. ولا تجد الدولة اللبنانية هذا المدخل في تحقيق المطالب الإقتصادية والإجتماعية لعشرات الآلاف الذين تظاهروا سلمياً لثلاثة أشهر ضمن الحراك الشعبي، لا بل قامت بقمعهم بشكل ممنهج، وفضّلت التفاوض مع حركة مسلحة، وكأن هذه السلطة ومكوناتها، التي هي مسلحة بدورها، تدفع اليوم وكل يوم بالمزيد من العنف كوسيلة لنيل الاهتمام والتجاوب منها. تماما على غرار الظروف ذاتها التي تشكّلت فيها هذه السلطة في اتفاقي الطائف والدوحة.‬

‫لكن القصة لا تنتهي عند أن الدولة هي التي تحارب أهل عرسال والبقاع واللاجئين والأغلبية الساحقة من الناس في لقمة عيشهم ومستقبلهم. فيا ليتها تنتهي. لكن الأظلم من ذلك أنها تمارس الخداع اليومي بحق أهالي آلاف المخطوفين والمفقودين وتتلاعب بمصائرهم. ففي تفاصيل إتمام الصفقة، نشرت إحدى الصحف الممانعة أن الأمين العام لحزب الله هو الذي تعهد بالتدخل لدى النظام السوري في حال طلبت النصرة رسمياً من الجانب اللبناني الإفراج عن معتقلين لها في سجون الأسد. وعندما طرحت النصرة مطلب الإفراج عن موقوفات في السجون السورية "تدخل نصر الله لدى الأسد الذي وافق على تلبية الطلب، تماماً كما في مفاوضات تحرير مخطوفي اعزاز وراهبات معلولا". في الوقت نفسه، أغرقتنا الحكومات اللبنانية المتعاقبة، منذ الطائف وحتى يومنا هذا، بالهراء عن عجزها عن التوصل لأي معلومة عن مصير المفقودين والمعتقلين والمخطوفين خلال الحرب الأهلية وفي السجون السورية طوال 25 سنة. ‬

‫في خضم كل ذلك، لن يفلح خطاب "شكرا قطر" (الحلقة الثالثة بعد المئة) في التعمية على الدور التلاعبي الذي تقوم به هذه الدولة الإقليمية "الصغيرة" إلى جانب السعودية وإيران. فهي تغذي الجماعات المسلحة على اختلاف مللها، وتدعمها بالسلاح والمال من أجل المزيد من السيطرة والنفوذ على حساب تحقيق المطالب الحقيقية للناس بالخبز والحرية والكرامة الإنسانية. وما حصل في عرسال ليس سوى نموذج مصغر عمّا حصل ويحصل في سوريا بحق الثورة السورية، سواء من جانب النظام أو من جانب الجماعات الإرهابية المشابهة له.‬

‫إن العسكرة لم تقضِ يوماً على الإرهاب، إنما تخلق دوماً أرضاً خصبة من العنف، وبالتالي تجارة السلاح، لنمو الجماعات الإرهابية. هذا وقد أعلمتنا التجارب الماضية والحاضرة أن الحلول الأمنية لن تؤدي بطبيعة الحال، إلا إلى المزيد من التضييق على الناس وقمعهم ومصادرة حقوقهم في سبيل المزيد من الإستغلال لمصلحتها. الشيء نفسه الذي تمارسه النصرة وداعش في المناطق الخاضعة لسيطرتهما. وهكذا، خرج العسكريون المخطوفون منذ أكثر من سنة وأربعة أشهر ليجدوا سلسلة رتبهم ورواتبهم لا تزال مخطوفة منذ أكثر من 17 سنة في جيوب مجرمي الحرب، وحماة الاستغلال والنهب.‬

‫الحرية، كل الحرية لكافة المعتقلين في السجون السورية، سواء كانوا داخل معتقلات الأسد أو عند المجموعات المسلحة،

‫نعم للكشف عن مصير المفقودين والمخطوفيين في لبنان وسوريا،

‫نعم لمحاسبة كافة مجرمي الحرب في لبنان وسوريا،

‫فلينسحب حزب الله من سوريا،

‫فليسقط النظام السوري والنظام اللبناني وكل الجماعات المسلحة!

هيئة تحرير المنشور (المنتدى الاشتراكي- لبنان)