الوثيقة السياسية لتحالف "الشعب يريد"

نشر في‫:‬الخميس, كانون اول 3, 2015 - 15:31
عن صفحة الشعب يريد على الفايسبوك
الكاتب/ة: الشعب يريد.

1- من نحن؟

نحن تحالف مؤلف من طلاب/طالبات وعاملات/عمال وناشطين/ات مستقلين/ات نناضل من أجل بناء مجتمع العدالة الاجتماعية والمساواة والعلمانية.

يضم التحالف (حتى تاريخه: ديسمبر 2015) ناشطين/ات مستقلين/ات بالإضافة إلى المجموعات التالية: "المنتدى الاشتراكي"، "عدالة اجتماعية نسوية"، نادي "السنديانة الحمراء" في الجامعة الأميركية في بيروت.

تشكّل تحالف "الشعب يريد" في خضم الاحتجاجات الشعبية ضد أزمة النفايات التي تسببت فيها السلطة الحاكمة في عام 2015 من أجل تصعيد الحراك النضالي والثوري في مواجهة النظام القائم، وبلورة بديلٍ سياسيٍ ينطلق من المطالب الاقتصادية والاجتماعية والسياسية الملحّة.

نهدف من خلال التحالف إلى المساهمة في بناء ودعم وتطوير تنظيماتٍ وحركاتٍ اجتماعية، تعتمد استراتيجية إسقاط النظام القائم بمؤسساته الفاسدة والطائفية ومصالحه الطبقية، وتطالب وتعمل من أجل ذلك بالتعاون المستمر مع مختلف القوى التي تشاركنا الرؤية والنضال، من أجل تكوين نظامٍ بديل من قلب مجتمعنا.

نحمل في التحالف رؤية يسارية نسوية للتغيير، حيث نؤمن بتقاطعية النضال وعدم تجزئته عبر بناء تنظيم غير تمييزي وغير إقصائي يؤمِّن مساحةً آمنة لجميع أعضائه، ويسعى إلى تطبيق مبادئه داخل صفوفه وخارجها. كما ندعم بناء التنظيمات والأطر الديمقراطية التقدمية التي تسعى إلى التغيير، ونرفد نضالها، من أحزاب ونقابات ونوادٍ وغيرها من الأشكال التنظيمية، نحو مجتمع تسود فيه العلمانية، المساواة والعدالة الاجتماعية.

2 - توصيف النظام اللبناني

لا بد من البدء بتحليل لبنية النظام اللبناني لفهم التطورات على الساحة اللبنانية اليوم. أولاً، من المهم أن نعي أن النظام اللبناني، على عكس ما هو متداول، هو نظام قوي ومتماسك، خاصة لجهة حماية مصالح الطبقة البرجوازية الحاكمة وسلطتها. يمكن توصيف النظام اللبناني على أربعة مستويات مترابطة ومتداخلة:

أ) الاقتصاد الرأسمالي الريعي، ب) النظام السياسي الطائفي، ج) المنظومة الاجتماعية الزبائنية، د) الثقافة الاستلابية.

أ) يرتكز النظام اللبناني على اقتصاد رأسمالي ريعي، حيث تطغى القطاعات الخدماتية المتدنية القيمة التي تغلب عليها الشركات الصغيرة وبالغة الصغر (التي توظف أقل من خمسة عمال). فالحصة الأكبر من الناتج المحلي تنتجها النشاطات الريعية أي تلك التي لا تتضمن دورة الإنتاج الحقيقي كالأرباح المصرفية (التي تأتي معظمها من عملية تمويل الدين العام وليس عبر القروض الاستثمارية)، الأرباح العقارية، المضاربات المالية والحوالات المالية التي يرسلها المغتربون، فضلاً عن الريوع المتأتية من أرباح الاحتكارات حيث يسيطر بضعة رجال أعمال وشركات على القطاعات الاقتصادية مما يتيح لهم التحكم بأسعار السلع والخدمات. ويشكّل هذا النوع من الاقتصاد نقيضاً واضحاً لأشكال الاقتصاد المنتج الذي يعزز القطاعات المنتجة، الزراعية والصناعية، ويخلق دورة اقتصادية متكاملة، ويؤمّن فرص عمل لكافة فئات الشعب ويحقق الاستدامة والاستقرار. فيكمن خطر هذا الاقتصاد بانتقال الرساميل الاستثمارية من القطاعات المنتجة إلى النشاطات الريعية التي تدرّ الأرباح السريعة مما يؤدي إلى تفكيك الصناعة والزراعة والخدمات عالية القيمة. كما أنه يشجع الهجرة من أجل زيادة التحويلات المالية التي تشكّل وسادة للبنانيين/ات للتعويض عن الحقوق والخدمات الأساسية التي رَسْمَلها النظام كالتعليم المجاني، التغطية الصحية الشاملة، الحق في السكن اللائق وغيرها. فالاقتصاد الرأسمالي الريعي في لبنان، مسؤول بشكل أساسي عن ارتفاع معدلات البطالة وتدني قيمة الأجور، وتزايد الشرخ بين الطبقات الاجتماعية، حيث أن قلّةً من المستثمرين تتحكم بمعظم رؤوس الأموال وتسيطر على الاقتصاد، فيما يعيش الجزء الأكبر من الشعب اللبناني تحت وطأة الديون التي تتسبب بتزايد نسب التضخم وغلاء المعيشة وارتفاع الفوائد على القروض الاستهلاكية من جهة، وتفاقم الدين العام وما يستتبعه ذلك من نتائج مالية واقتصادية واجتماعية وخيمة من جهة أخرى، فضلاً عن النسب العالية والمتزايدة للذين يعيشون تحت خط الفقر. فبموازاة تدني قيمة الأجور وإفقار الناس تتضخم القروض الاستهلاكية التي تعوّض عن عدم قدرة الناس على سد حاجاتهم عبر العمل، وهذا واحد من الأمثلة الكثيرة التي تبيّن أن مسار الإفقار هو شرط ضروري لنمو الأنشطة الاقتصادية الريعية. أمام كل ذلك يحرم العمال والعاملات في لبنان من تنظيم أنفسهم نقابيًا بشكل حرّ فعمال القطاع الخاص يؤسسون نقاباتهم بموافقة مسبقة من وزير العمل مما أدى الى سيطرة السلطة على الحركة النقابية. أما عمال وعاملات القطاع العام وعمال وعاملات المنازل والعمال والعاملات الزراعيين/ت محرومين/ات من حقهم/ن في تأسيس النقابات. كما أن هذا النوع من الاقتصاد مرتبط بشكل وثيق مع الفساد في الدولة اللبنانية، فنجد أن هناك شبكة علاقات وثيقة بين المسؤولين السياسيين وهيئات أصحاب العمل (المسماة زورًا الهيئات الاقتصادية) حيث أن الصفقات الاقتصادية تتم عبر شبكات الفساد برعاية الدولة ومباركتها، فالمستفيد من خدمة الدين العام وارتفاع الأسعار هو هذه الطبقة بسياسييها وبرجوازيتها ومؤسساتها الدينية. وقد بُني هذا الفساد وغياب المحاسبة في ظل منظومة المحاصصات الطائفية التي سمحت بتقاسم الموارد والثروات ما بين زعماء الطوائف وشبكاتهم الاجتماعية الزبائنية.

ب) أما على الصعيد السياسي، فالنظام السياسي اللبناني يرتكز على المحاصصة الطائفية تحت شعار ما يسمى بـ "الديمقراطية التوافقية". فهذا النوع من الحكم الذي قامت عليه الدولة اللبنانية منذ نشأتها جعل من الانقسام الطائفي العمودي في المجتمع اللبناني أساس الصراعات، ولذلك كانت معالجته بتقسيم الحصص في السلطة على الأساس الطائفي، مما كرّس الطائفية السياسية ونشوء الأحزاب البرجوازية الطائفية الطابع وجعل الإصطفافات بين الطبقات المتضرّرة على أسسٍ طائفية ومذهبية ومناطقية حتى أحكمت الطبقة الحاكمة قبضتها على الفضاء السياسي وأصبح من الصعوبة مواجهتها. وقد أثبت هذا النظام أن بنيته قائمة على إنتاج الأزمات بشكل مستمر، حيث أن ديمومته تستمد من المزيد من الفرز الطائفي، والنزاعات على السلطة والحروب لتعديل مستويات التمثيل الطائفي عبر اتفاقيات ساهمت تاريخياً في مأسسته. وقد عزز هذا النظام دور الزعامات الطائفية التي عمدت إلى تأجيج النزعة الطائفية وشاركت في قمع الحركات النقابية والمطلبية وتفتيتها من الداخل، ومنعت بشكل فعّال نشوء أي تنظيم أو حركة اجتماعية عابرة للطوائف طوال عقود. وبالتالي نحن أمام مشهد اختلال خطير في الموزاين الاجتماعية حيث أصحاب العمل يملكون كل السلطة والعمال والعاملات ليس لديهم/ن أي قوة تفاوضية لتحسين ظروف وشروط عملهم/ن. وفي ظل هذا النظام السياسي المتجذر والمتماسك، لا يمكن التخلص من الطائفية على مستوى النظام السياسي سوى عبر النضال لتظهير الصراع الاجتماعي – الطبقي في المجتمع وتحويل انقساماته من عمودية إلى أفقية. فتماسك النظام الطائفي يعني تفكّك البنية الاجتماعية الطبقية، وتماسك البنية الاجتماعية الطبقية يعني تفكّك النظام الطائفي.

ج) أما في الشأن الاجتماعي، فإن انعكاس السياسات الاقتصادية النيوليبرالية للنظام الطائفي على المنظومة الاجتماعية، اتّخذ شكلاً زبائنياً. ففي ظل غياب نظام حماية اجتماعية فعّال يغطي جميع الناس، ونظراً لعدم وجود نظام ضريبي عادل يسمح بإعادة توزيع الثروات بما يضمن الحد الأدنى من العدالة الاجتماعية وذلك بطغيان الضريبة غير المباشرة على حساب الضرائب التصاعدية على المداخيل والارباح وانخفاض الضرائب على الريوع (حيث أن الضريبة في لبنان تنازلية أي تعيد توزيع الأموال من ذوي الدخل المحدود نحو الطبقة الميسورة)، يعتمد المواطن(ة) اللبناني(ة) على الزعيم المناطقي والطائفي للحصول على الخدمات الأساسية التي يجب على الدولة تأمينها، مثل الاستشفاء والتعليم والتوظيف، والتي لُزِّمَت إلى شركات زعماء الطوائف ومن حولهم ليعيدوا بيعها للناس مقابل الولاء السياسي. وقد تُرجم هذا النظام في سعي الطبقة الحاكمة إلى إضعاف الدور المركزي للدولة على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي، وتعزيز منظومة الزبائنية والوسائط التي تؤمِّن لزعماء الطوائف استمرارية حكمهم واحتكارهم للدولة والسلطة، وذلك عبر الخصخصة وتلزيم الشركات التابعة لهم أو المرتبطة بشبكة مصالحهم من جهة، وتسخير المال العام والمؤسسات العامة لمصلحة أحزابهم من جهة أخرى. هكذا يصبح حق المواطن(ة) بالعيش الكريم مرهون بالذل لإرضاء الزعيم الطائفي البرجوازي، لا بقدرة الدولة على تأمين حياة عادلة.

د) أما على المستوى الثقافي، فإن مهمة إنتاج ثقافة جديدة، تعيد تحديد وتعريف العلاقة بين الخاص والعام كحيّزين أساسيّين في لبنان، تحوز على أهمية بالغة في إحداث التغيير ومواجهة متطلباته بشكلٍ متواصل، في سبيل العلمنة والمساواة والعدالة الاجتماعية.

من الاحتلال المزمن للأملاك العامة مروراً بالتلوّث البصري والسمعي المهيمن على الحيّز العام، إلى فوضى الاستهلاك وصولاً إلى الغياب شبه التام للمسارح والمراكز الفنية والاجتماعية غير الفئوية… تبدو صورة الثقافة في لبنان أشبه بالبازار الاستهلاكي/النيوليبرالي المنتشر فوق غابة من المذهبية والطائفية.

نعيش في كنف نظام يتبنى وينتج في آنٍ الثقافة الاستهلاكية "النيوليبرالية" كثقافة عامة وجامعة. تُحَدِّد هذه الثقافة قواعد الوجود "العصري" والعلاقات الاقتصادية والاجتماعية بين الناس: السوق هو الفضاء الجامع والضامن لمساواة وهمية تعتمد مبدأ أن كل شيء متاح للجميع إذا ما كانوا على قدر المسؤولية في إنتاج الرصيد المالي، ليصبح المعيار الأساسي الربح ومراكمة المال بأي ثمن، فالذين يراكمون المال يرتقون على سلّم أنماطِ الاستهلاك ليحظوا برفاهية أكبر حتى ولو كانت قائمة على سلعٍ وخدمات كمالية وغير ضرورية تفوق كل حاجاتهم. والاستهلاك هنا هو اقتصادي وثقافي على حد سواء. ومن لا يستطيعون مراكمة المال، حتى ولو كانوا عمالاً دؤوبين، لا يحظون بالرفاهية نفسها التي يمكن أن يحظى بها رأسمالي لا يعمل، ولكنهم يبقون سجناء المنتجات الثقافية والأيديولوجية للنظام النيوليبرالي، مستهلكين لها، وبالتالي فهم على أهبة الاستعداد للدخول في الدورة الاستهلاكية المجنونة.

غير أن طبيعة النظام السياسي في لبنان، مَللية/أبوية/طائفية، تعرقل عملية إنتاج الثقافة الثورية بوجه ثقافة الاستهلاك، بذريعة الحفاظ على الخصوصية والتقاليد السائدة. تتبنى الدولة اللبنانية مثلاً، سياسةً ثقافيةً تميل نحو إضعاف الفن البديل (المسرح السياسي، الشعر السياسي، فنون الشارع والرسم والغرافيتي والكاريكاتور... الخ)، وتقييد مصادره وعدم تشجيعها، بينما تشجّع ماديّاً ومؤسساتياً الثقافة الطائفية والمذهبية، الفئوية والتمييزية، من خلال المؤسسات التربوية والدينية والثقافية والإعلامية. فتكون النتيجة كالآتي: هيمنة الثقافة الأبوية التسلطية، غياب منهج موحّد لكتابة التاريخ وغياب كتاب تاريخ موحد يدرّس في المدارس، انتشار الفنون المتماهية مع السوق والتي لا تستند الى أي عمق اجتماعي أو حس نقدي، جُزرٌ ثقافية فنية متماهية مع سوق التمويل الخارجي ومنعزلة عن الواقع الاجتماعي والثقافي المحلي، مؤسسات تربوية طائفية وحرب ممنهجة على المدرسة الرسمية والجامعة اللبنانية، هيمنة الثقافة الدينية الإلغائية على معظم الحيّز العام.

لذلك لا بد كخطوةٍ أساسيةٍ من دعم وتحفيز وتعزيز المبادرات الفنية السياسية، والثقافية المستقلة، التي تحاول فتح آفاق جديدةٍ للأفراد والجماعات بوجه المؤسسات المسيطرة، والتي تواجه صعوبات كبيرة بسبب غياب الدعم والفضاءات المتاحة لها. كما لا بد من رفض سياسات الإنكار والتناسي وتجاهل التاريخ اللبناني ووقائعه ودعم كل المبادرات الهادفة إلى ترميم الذاكرة الجماعية.

3- حول المسار الثوري في العالم العربي

شهد العالم العربي نهاية عام 2010، حدثًا تاريخيًا تمثل بخروج الملايين إلى الشوارع منتفضين/ات على السلطات القائمة مرددين/ات "الشعب يريد إسقاط النظام". الأسباب الأساسية لهذه الانتفاضات تم التعبيرعنها بأشكال مختلفة، وبحسب كلٍّ من تلك البلدان، كالعمل، والخبز، والحرية، والكرامة الإنسانية، والعدالة الاجتماعية. وقد شكّلت هذه الانتفاضات ظاهرة ثورية نجحت بإحداث بعض التغييرات لكن دون أن تؤدّي حتى الساعة إلى تغييرات عميقة بالنظم الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. إلّا أن هذا المسار التغييري مستمر على الرغم من تعرجاته والصعوبات الجمة التي تعترضه متمثلة بشكل أساسي بقيام قوى الثورة المضادة بمواجهته بشتى الوسائل. وهذه القوى تنقسم إلى قوى طبقية واجتماعية داخلية تخاف تجذّر ذلك الحراك حفاظًا على امتيازاتها، من بينها المؤسسات العسكرية والقوى الإسلامية الرجعية مثل "داعش" وغيرها، بالإضافة إلى مختلف الأنظمة الرجعية و/أو الفاشية العربية، ولا سيما في بلدان الخليج التي تخاف من أن تصل رياح التغيير إلى حدودها. إضافة الى الدول الإقليمية كتركيا، إيران و"إسرائيل" التي ستتأثر سلبًا فيما لو انتصرت انتفاضات شعبية أرست نظمًا ديمقراطية فعلية على حدودها. والأمر ينطبق كذلك على القوى الإمبريالية التي تخشى على مصالحها، في هذه المنطقة البالغة الأهمية من حيث ثرواتها وموقعها الجغرافي الاستراتيجي. ولأجل ذلك، رأينا، أولًا، كيف عمدت الأنظمة إلى الرد الصاعق ضد شعوبها، ولنا أمثلة متعددة على ذلك لا سيما في سوريا حيث عمد النظام إلى شن حرب دموية على الشعب الثائر مما أدى إلى تدمير واسع للقرى والمدن، وإلى مقتل مئات الألوف بشتى الأسلحة الفتاكة، ومن بينها السلاح الكيماوي، فضلًا عن تهجير حوالي نصف سكان البلد، سواء إلى الخارج أو داخل سوريا بالذات، وتغذيته للمجموعات الإرهابية والتكفيرية التي تحمل أجندات بالغة في الرجعية والطائفية. هذا الوضع المليء بالتعقیدات والتشابكات ما بین الثورة والثورة المضادة یمكن فهمه، من أكثر من منظور: فمن أراد إزاحة الدیكتاتور حصرًا، أي رأس النظام (مبارك، بن علي والقذافي مثلًا)، سیتجاهل الثورة المضادة أو سیقف عملیًا في صفوفها، خاصةً وأن مطلبه قد تحقق. ومن یرید تغییر النظام "السیاسي" حصرًا وإقامة عمليات تجميل له عبر مطالبته بتطهیره من الرموز الفاسدة القدیمة سیسیر في طریقه، لكنه قد یتجاهل صخب المطالب الاجتماعیة التي تنادي بتغییرات أكثر جذریة. أما من یسعى إلى تغییر المنظومة السیاسیة والاقتصادیة والاجتماعیة القائمة فسیسعى لاستكمال الثورة ونسف النظام القائم من قواعده. لذا، فإن الهتاف الذي رددته حناجر الملايين والقائل: "الشعب يريد اسقاط النظام"، فقد عنى، برأينا، هدم النظام الاقتصادي، السياسي والاجتماعي القديم، وبناء آخر بديل قائم على العدالة الاجتماعية والديمقراطية والمساواة الفعلية بين كل الفئات المكونة لمجتمعاتنا. من هنا، نحن نؤيد كل مساعي التغيير الديمقراطي والتقدمي في العالم العربي ونعتبر نفسنا جزء لا يتجزأ من حراك أشمل، على تعرجاته، من أجل التحرير والتحرر، من فلسطين المحتلّة إلى سوريا وعلى اتساع هذه البقعة الجغرافية والعالم. ففي وجه تضامن الأنظمة في ما بينها من أجل تثبيت سلطاتها ومصالحها، نرى ألّا بديل لنا سوى بتضامن الشعوب، وبخاصة الطبقات والفئات الأكثر تضرّرًا منها، لمواجهة هذه الأنظمة وبناء مجتمعات جديدة على أساس الحرية والعلمنة والعدالة الاجتماعية والمساواة. 

4- حول المقاومة:

نعتبر أن أي مشروع تحرري فعلي، عليه أن ينطلق أولًا وآخرًا من تحرير الإنسان من الاحتلال العسكري والظلم الاجتماعي والطبقي. فقضية التحرر من الإمبريالية والاحتلال، جزءٌ لا يتجزأ من عملية التحرر الاجتماعي في كل جوانبه. فالمقاومة الجماهيرية هي حاجة وضرورة تاريخية لتحرر شعوب المنطقة، ليس فقط من الاحتلال والإمبريالية، بل أيضًا من الدكتاتورية والقمع والاضطهاد والاستغلال. مطالبنا تحرير الأرض تمامًا من الاحتلال الصهيوني، وتحرير الأسرى والمعتقلين/ات وعودة من يرغب من الشعب الفلسطيني من الشتات إلى أرضه. ونرفض أن تستخدم مقاومة الاحتلال الصهيوني حجةً من أجل انتهاك حقوق اللاجئين/ات تحت عنوان محاربة التوطين أو قمع الأصوات المنادية بالتغيير داخل مجتماعتنا. فلن نقبل بعد اليوم بشعار "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة"، الذي اتخذته الأنظمة القمعية كحجة لكتم الأصوات المعارضة. كما إننا نشدِّد على أن أساس العمل المقاوم يمرّ حتمًا بالنضال من أجل تأمين الحقوق المدنية والحياة الكريمة والعادلة للاجئين/ات الفلسطينين/ات في الشتات، وتحرير الأسرى والمعتقلين/ات، فإن هذا النضال وبناء قدرات المجتمع الفلسطيني في كلّ مكان هو أحد أركان أي مقاومة.

كما أننا ندعم حقوق جميع الشعوب في تقرير مصيرها انطلاقًا من إيماننا بأن الدفاع عن حقوق الشعوب المظلومة يسمو فوق أي مشروع قومي أو ديني. ومن هذا الموقع نعتبر أن مقاومة الاحتلال الصهيوني يرفد نضالات كل الشعوب في العالم من أجل مقاومة أي احتلال أو هيمنة سياسية و/أو اقتصادية. فالمقاومة كفعلٍ سياسي واقتصادي واجتماعي وفكري، يجب أن يتوجه بشكلٍ متزامنٍ ضد الاحتلال وضد الأنظمة القمعية بأشكالها السياسية، الاقتصادية والاجتماعية، في أي رقعة من هذا العالم.

أما في لبنان، ومنذ الثمانينات، اتّسمت أبرز قوى المقاومة المسلّحة وعلى الرغم من فاعليتها، بطابعٍ إسلامي وطائفي، وبكونها جزء لا يتجزأ من النظام اللبناني في تحالفاته ومحاصصاته القطاعيّة والطائفيّة والمناطقيّة. هذه القوى استكملت بالفعل مهمات تحرير الأراضي المحتلة في جنوب لبنان، ولكنها لن تستطيع استكمال مهمة إنهاء "الاحتلال" والهيمنة "الإمبريالية"، بصورة ناجزة، بفعل ارتباط مصالح التيارات السياسية التي تمثّلها، بشبكة المصالح البرجوازية وواقع النظام السياسي الطائفي-المذهبي. ومن ثم تحوُّل بعض أعمالها القتالية، إلى الداخل اللبناني، كما حصل إبّان احداث 7 أيار 2008 مع توظيف ذلك في الصراع على السلطة المحلية، والمساومة على موقع ضمنها. إلا أن الطامة الكبرى تمثلت بانخراطها في الحرب السورية دفاعًا عن نظام الأسد المتهاوي في وجه انتفاضة الشعب السوري على نظام البعث الشمولي، ومشاركتها بشكلٍ أو بآخر في الجرائم ضد الشعب السوري. لذلك بناءً على ما بني أعلاه نرى أن مشروع المقاومة لا يمكن إلا أن يكون تحرريًا على كل الصعد السياسية، الاجتماعية والاقتصادية من منطلق العلمانية، المساواة والعدالة الاجتماعية. فنحن ندعو إلى مقاومة شعبية في مواجهة الاحتلال الصهيوني في لبنان، الجولان وفلسطين بكل الوسائل المتاحة عسكريًا وثقافيًا ومقاطعة اقتصادية وسياسية وغيرها. وندعم حركات المقاومة في كل أشكالها في سعيها هذا مع احتفاظنا بكامل الحق لنقد ومواجهة مشاريعها متى انحرفت عن أهدافها وصبت في خدمة تدعيم أنظمة شمولية.

5- حول مواجهة العنصرية كأولوية: 

منذ عام 1990، أصبح لبنان بشكل متزايد بلدًا متلقّيًا للعمالة المهاجرة الأجنبية. لاجئون/ات وعمال وعاملات من جنسيات وأعراق مختلفة من فلسطينيين/ات وعراقيين/ات وسوريين/ات وأكراد، قدموا واستقروا في لبنان قبل عام 1990 بفترات طويلة. ومنذ نهاية الحرب الأهلية، وخلال فترة إعادة الإعمار، بات العمال السوريون يشكلّون جزءًا معتبرًا من القوى العاملة في لبنان. أما الغالبية العظمى من العمال المهاجرين غير العرب فهم يأتون من الفيليبين وسريلانكا وبنغلادش والهند... غير أن المهاجرين/ات يشكلّون ما يقرب من نصف القوى العاملة في لبنان.

غالبًا ما يتم توظيف هؤلاء المهاجرين في قطاعات اقتصادية محددة، تتّسم بغياب التنظيم، وبظروف عمل سيئة، من حيث غياب التقديمات الاجتماعية والضمانات الصحية وارتفاع ساعات العمل التي تصل إلى 14 و16 ساعة يوميًا من دون أيام راحة أو إجازات، بالإضافة إلى هزالة الأجور، لا سيما في قطاعات البناء والزراعة والتنظيف والخدمة المنزلية. هذا يعني أن العمالة الأجنبية يتم استغلالها بشكل كبير.

مع ذلك، وعلى الرغم من تزايد عدد العمال المهاجرين في لبنان وتردي أوضاعهم، خاصة في ظل قوانين وإجراءات مقيدة لحرياتهم مثل ما يُعرف بـ "نظام الكفالة"، فالنقابات التي من المفترض أن تدافع عن حقوق العمال، بمعزل عن جنسياتهم، لا تزال تعتمد خطابًا ووسائل تنظيمية تستهدف العمالة اللبنانية حصرًا، فيما يتم التغاضي عن فئات واسعة من العمال، مثل العمال المهاجرين والنساء منهم بشكل خاص من أجندات هذه النقابات. وتقوم النقابات وكذلك القوى السياسية على اختلاف توجهاتها بالترويج لخطاب عنصري يعتبر العمال الأجانب كبش فداء الأزمات الاقتصادية، وندرة فرص العمل والبطالة. فمثلًا، مع تزايد أعداد اللاجئين السوريين إلى لبنان، تصاعد الخطاب العنصري على شكل يافطات تمنع التجوّل، تصريحات تطالب بطردهم، وقرارات تمنع دخولهم، كما تم تحميلهم مسؤولية تردي الأوضاع الاقتصادية وسوء الخدمات العامة. من خلال هذه الخطابات تم خلق ثقافة شعبية كارهة للأجانب وعنصرية تجاه اللاجئين (السوريين خاصة). هذه الثقافة لا تعبّر عن ميل طبيعي نحو العنصرية لدى اللبنانيين بل هي نتيجة أزمة النظام نفسه وأزمة نخبته الحاكمة، وأزمة النظام اللبناني تصاعدت نتيجة أزمة النظام السوري.

في هذا الإطار، نفهم توظيف العنصرية المؤسسية والخطاب العنصري اللذان يسيران جنبًا إلى جنب مع تدفق العمال المهاجرين، في الحفاظ على تشغيل سوق اليد العاملة الرخيصة والاستغلال. هذه العناصر تجعل من العمال المهاجرين معرضين لجميع أنواع الاستغلال الرأسمالي. لذا، تحوّلت مناهضة العنصرية إلى أولوية سياسية بفعل الخطاب والممارسات العنصرية التي تطال الآلاف من اللاجئين\ات والعمال\ات الأجانب في لبنان. هذا ونعتبر أن الخطاب العنصري كما الطائفي يتم توظيفه إعلاميًا وسياسيًا من أجل حماية الطبقة الحاكمة ومنع فرص توحد الطبقة العاملة، على اختلاف جنسياتها وأعراقها وطوائفها، حول مصالحها المشتركة في مواجهة السلطة الطبقية. الوطنية السائدة في خطابات الدولة والحراك المطلبي تلعب دورًا متماثلًا، فالإصرار على أن الحراك هو حراك لبناني فقط ويمثل الوحدة الوطنية اللبنانية ويستثني، لذلك، عددًا كبيرًا من العمال والعاملات المهاجرين/ات الذين واللواتي يساهمن بشكل أساسي في الاقتصاد اللبناني، وهم/ن من أكثر الفئات تعرضًا للضرر والاستغلال والتهميش الاقتصادي والاجتماعي والسياسي. من هنا، نرى دورنا في التصدي بشكل منهجي وحاسم، للخطاب والممارسات العنصرية، عن طريق الضغط على المؤسسات الإعلامية والدولة وأجهزتها، وتطوير خطاب ووسائل عمل وأطر سياسية جامعة، لا تمييزية، تستقطب الناس خارج الأطر العنصرية والطائفية، من أجل النضال المشترك ضد الاستغلال في ظل القمع والحروب والقهر الاجتماعي.

ندعم مطالب ونضالات اللاجئين والعمال الأجانب في لبنان من أجل نيل كافة حقوقهم الانسانية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية.

بالإضافة إلى ذلك، ندعم مطالب ونضالات كل الفئات التي تتعرّض للتمييز ضمن الأراضي اللبنانية، سواء أكان على أساس مناطقي أو ديني أم على أساس اللون أو العرق أو الجنس، كما ندعم بشكلٍ أساسي مطالب ونضالات ذوي الاحتياجات الخاصة لضمان حصولهم/ن على قوانين ترعى ممارستهم/ن كافة حقوقهم/ن الاجتماعية والسياسية دون تمييز.

6- الرأسمالية والبيئة

لقد تبيّن أن نمط الإنتاج الرأسمالي على مدى قرنين من الزمن أصبح عبئًا على كوكبنا وعلى ديمومة حياتنا وصحتنا. فلم تنتج الفوضى الرأسمالية سوى كوارث بيئية، لا يمكن بنسبة كبيرة اعتبارها طبيعية، كالاحتباس الحراري وارتفاع درجات حرارة الأرض، وتدمير الغابات وجفاف أو تلويث الأنهار مما يزيد سوءًا نوعية حياتنا، فيما ستؤدي هذه التقلبات المناخيّة إلى تغيير الحياة على الكوكب، إلى الأبد. وكل ذلك بسبب السعي الدائم إلى مراكمة الأرباح بأي ثمنٍ كان. وحتى اللحظة ما زالت الشركات الكبرى المتحكمة باقتصاديات البلدان في العالم، ترفض الاعتراف بما تقترفه من جرائم بحق البيئة والبشرية برغم كل ما نشهده وكل الدلائل التي تثبت تورطها الفاضح. فهذا الإنتاج الرأسمالي الكوارثي، مستعدّ لمقايضة حياة الناس وبيئتها الطبيعية من أجل مراكمة المزيد من الأرباح، لأن الانتقال إلى أنماط إنتاجٍ منظّمة وبيئية، يهدد هامش الأرباح الهائلة التي تحققها هذه الشركات. وإن هذه الممارسات تأتي أيضًا بسبب غياب أي نوع من الديمقراطية الاقتصادية، إذ أن الناس والمجتمعات المحلية مقصية من أي دور في المشاركة أو التقرير بما يخص أنماط الإنتاج وخيارات الإنتاج بشكلٍ عام، فتقع ضحية التدهور البيئي الحاصل. كما أن الخطر البيئي الذي يواجهه العالم هو انعكاسٌ لانعدام موازين القوى بين البلدان المتقدمة والمهيمنة (الشمال العالمي) والبلدان النامية (أو ما يعرف بالجنوب). ففيما تقدم بلدان الشمال على تطوير التكنولوجيا البديلة، ترفض نقلها إلى البلدان الأخرى، وبنفس الوقت ترمي تلوث مصانعها في البلدان النامية وتطلب منها الحدّ من التلوث دون أن يكون لديها الإمكانيات. وواقع الحال أن النتائج البيئية لنمط الإنتاج الرأسمالي تكون الأقصى في بلدان الجنوب التي تواجه التصحّر والجفاف وغيرها، مما ينذر أننا سنشهد في المستقبل القريب أمواجًا من اللجوء البيئي الكثيف. لم يعد كوكبنا يستطيع تنظيف نفسه مع تطوّر الصناعات، وتوسّع أكثرها تدميرًا للطبيعة، مثل شركات النفط والغاز والفحم والبتروكيماويات، والمحطات النووية التي تنتج النفايات عالية الإشعاع. فيما يحارب أباطرة هذه الصناعات كل الصناعات البديلة النظيفة عبر الحكومات الرأسمالية التي يتحكّمون بقراراتها، فتختلق الحكومات الرأسمالية مختلف أنواع الذرائع لوقف التحوّل نحو مصادر الطاقة البديلة.

الواقع البيئي في لبنان هو جزءٌ من الواقع البيئي المأزوم في العالم. فما زلنا في لبنان نعتمد أنماط إنتاجٍ واستهلاكٍ كارثية. فوجود التكنولوجيا المتطوّرة والآلات الحديثة ووسائل النقل في العالم اليوم، لا يبرّر بأي شكل الأنشطة الاقتصادية الكارثية للبيئة والتي تشكل أحد أساسات القطاعات المربحة والريعية في لبنان، كالبناء وما يتفرع عنه من كسارات وغيرها من طرق استخراج مواد البناء، ووسائل العزل وغيرها. كما والإفراط الجنوني في الاستهلاك. ولا يبرّر وحده أيضاً ارتفاع معدلات تلوّث الهواء إلى هذه الدرجات الخطيرة والتي يمكن أن تسبّب بسقوط الأمطار الحمضية. كما أن وسائل الإنتاج الزراعي البدائية، خاصة في ظلّ غياب أي سياسة رسمية زراعية ودعم حكومي لتنمية القطاع، تؤدي إلى استخدام غير مبرّر للمبيدات والأسمدة والمخصّبات الكيميائية والمركبات الخطرة التي تنعكس سلباً على كافة الكائنات الحية. ناهينا عن تدمير الثروات البيئية والحرجية والتحويل العشوائي للنظم الطبيعية من تدمير الغابات وسوء استخدام التربة والصيد غير المنظّم، وعن مشاريع السدود التي تقوم بها وزارة الطاقة والمياه (سد جنة، سد بسري، سد المسيلحة، بقعاتا، حمانا، بلعة، بريصا) التي تَعِد بدمار هائل لمساحات خضراء (أكثر من نصف مليون شجرة) وإضرار التعدد بيولوجي وتدمير النظم الإيكولوجية وتؤدي إلى تهجير السكان في المناطق المعنية، فضلاً عن أنها لا تنتج المياه وخصوصاً سد جنة كون طبيعة الأرض كارستية لا تحبس المياه.

التدهور البيئي في لبنان وغياب التشريعات الناظمة لذلك غير منفصل عن النظام الطائفي الريعي القائم. فالتشابك والترابط العضوي للمصالح بين أركان النظام ومالكي الكسارات وشركات الترابة ومالكي الأسهم في الشركات التي تم تلزيمها لمعالجة النفايات وغيرها، يبيّن أن لا مصلحة لهذا النظام بإرساء أي تشريعات أو سياسات استراتيجية وطنية لتدارك الأزمة البيئية التي تهدد ثرواتنا الطبيعية وصحة الناس وعيشهم. والأمثلة كثيرة في هذا المجال، فعلى سبيل المثال ليس هناك أي نية فعلية في إنتاج مصادر طاقة بديلة في لبنان، وذلك لحماية أصحاب المولدات الكهربائية، كما لاستكمال التدمير الممنهج لشركة كهرباء لبنان من أجل خصخصتها كليًّا. كما أن أزمة النفايات الدائمة بيّنت أن النظام اللبناني مستعد للتضحية بحياة الناس وغير مستعد لإرساء نظام بيئي لمعالجة الأزمة، وكل هذا من أجل صون مصالح الشركات الخاصة المرتبطة بالأحزاب الحاكمة، وشركة "سوكلين" مثالٌ واضح. كذلك الاستيلاء على الأملاك العامة البحرية وتلويثها خير مثال على جرائم هذا النظام البيئية. كما أن رفض إنشاء نظامٍ للمواصلات العامة، يعبّر أيضًا عن أن النظام بأركانه يتجنّب تخفيف معدلات التلوث المتزايدة وتسهيل حياة الناس، حفاظاً على مصالح موردي السيارات وشركات النقل الخاصة، فضلاً عن حماية الفساد الجمركي. وهناك أمثلة كثيرة غيرها تبيّن الارتباط الوثيق بين الأزمة البيئية المستمرّة والنظام الطائفي الريعي. كما أن هناك عددًا من المشاريع التي لها أثرٌ بيئي واقتصادي واجتماعي سلبي في الوقت عينه، مثل مشروع "بلوغولد" الهادف إلى خصخصة قطاع المياه وتحويلها من حقٍ عام لكل الناس إلى سلعةٍ تتحكم بها الطبقة الرأسمالية الحاكمة، ما يمكن أن يسبّب بارتفاعٍ كبير في أسعار خدمات المياه له تداعيات سلبية على القطاع الزراعي، والذي بدوره سيرتّب نتائج بيئية سلبية.

لقد ساء الوضع في لبنان إلى درجة بات فيها الحفاظ على البيئة والأنواع البيولوجية مهمةً ملحّة ومرتبطة بشكل مباشر بمعركتنا ضد النظام السياسي الطائفي. كما أن هذه المهمّة ترتّب علينا مسؤولية التغيير الجذري، نحو اقتصاد بيئي منتج، يكون خزّانًا لإنتاج فرص العمل اللائقة عبر إنشاء الصناعات والزراعات الخضراء فضلًا عن أنظمة الحماية الصحية وتطويرها. وأيضًا يمرّ ذلك عبر دمقرطة الخيارات الاقتصادية، بحيث تصبح السياسات الاقتصادية وخيارات الانتاج بيد الناس والمجتمعات المحلية، مدفوعة بحاجتها وبضرورة حفظ وترميم البيئة الطبيعية.

7-  العدالة الجندرية:

أ) العدالة الاجتماعيّة من منظور نسوي مادّي تقاطعيّ: 

إن العنف والظلم الاجتماعي والقمع والرقابة والعنف بأشكاله المتعدّدة، وصولًا إلى انعدام المساواة في توزيع الموارد والثروات، هي من سمات الأنظمة الأبوية والرأسمالية. فالأبوية والرأسمالية نظامان لا يتقاطعان فحسب، بل يتغذّيان من بعضهما البعض ويشكّلان بعضهما البعض بهدف حصر الامتيازات والقوّة والسّلطة والثّروة في يد فئاتٍ معيّنةٍ وأفرادٍ معيّنين وحماية موازين القوى لصالح هؤلاء. وفي لبنان، تُضاف البنية الطائفية إلى النظامين سابقَي الذكر، لتخلق معًا نظامًا مركبًا من القمع الاجتماعي الذي يعاني منه الجميع، لا سيما الفئات المهمّشة تاريخيًا مثل الفتيات والنساء والعمال والعاملات الأجانب واللاجئين/ات والمثليين/ات والكويريين/ات والمتحولين/ات جنسيًا، وتحديدًا أولئك المنتمين/ات إلى الطبقات العاملة والمجرّدة من الامتيازات الاقتصاديّة والسياسيّة والاجتماعيّة. لكن ما علاقة الجندر (أو النوع الاجتماعي) بالنظام الأبوي والرأسمالي والطائفي، وتاليًا، بالعدالة الاجتماعيّة؟

"الجندر" هو النوع الاجتماعي الذي يُحدّد في المجتمعات الأبويّة وفقًا للجنس عند الولادة (ذكر يعني رجل، وأنثى يعني امرأة). وقد أثبتت النظريّات النسويّة في العقود الماضية أن "الجندر" و"الجنس" في حدّ ذاتهما ليسا مفهومان طبيعيّان يرتبطان بالطّبيعة، بل هما مفهومان مركّبان اجتماعيًا، يختلف تعريفهما وممارستهما باختلاف الزمان والمكان والسياق الثقافي والسياسي والاقتصادي. وبحسب المفهوم الأبوي، يولد الفرد رجلًا أو امرأةً بحسب التكوين الجسدي، باختلافاتٍ واضحةٍ متفقٍ عليها اجتماعيًا، تميّز بين الرجال والنساء وتفرض على كلّ من الجنسين منظومةً مختلفةً من الحقوق والواجبات التي تعيد إنتاج الفروق الجنسيّة والجندريّة، وبالتالي تعيد إنتاج مفهوم الجندر نفسه من المنظور الأبوي، لتفرضه على الأجيال الآتية. وبالطبع، يتلازم هذا التمييز الصارم مع توقّعات صارمةٍ من كل جنسٍ على حدة: "الرجال يعيشون ويتصرّفون ويشعرون هكذا"، و"النساء يعشن ويتصرّفن ويشعرن هكذا". من الواضح أن هذا المفهوم الأبوي للجندر ينتج نظمًا قيميّةً واجتماعيّةً وعاطفيّةً قمعيّةً وعنيفةً ضد الجميع، رجالًا ونساءً، وغير ذلك ممن لا يخضعون/يخضعن لقيود وتعريفات الجندر، إذ يقولب الأفراد والجماعات ويضغط عليهم/ن ويعنّفهم/ن بغرض فرض الحدود الجندريّة والتوقّعات الأبويّة عليهم/ن، وإسكات وتهميش كلّ التجارب الإنسانيّة المتنوّعة والثريّة في هذا المجال، بهدف فرض "ما يجب أن يكون" على ما هو كائن. أما من المنظور النسوي، فإن الحدود الجندرية ليست واضحة ومحدّدة بين "الرجال" و"النساء" كما يُراد لنا أن نصدّق، لا فيزيولوجيًا، ولا هورمونيًا، ولا ذهنيًا ولا نفسيًا. الجندر كما الجنسانيّة (لاحق)، هو مفهوم مرنٌ ومتغيّرٌ ومتقلّبٌ بحسب السياق وبحسب كلّ جماعةٍ وكلّ فرد وتجربته/ا ورغباته/ا، فهناك الكثير من الأفراد الذين/اللواتي يختبرون/يختبرن تجارب جندريّةٍ وجسديّة متغيّرة ومتنوّعة وغير ثابتة في خلال مراحل الحياة، ومنهم/ن من يغيّرون هويّاتهم/ن الجندريّة والجسمانيّة لتنسجم مع مشاعرهم/ن وتجاربهم/ن.
كما ينتج عن هذا النظام الأبوي أشكال قمع متنوّعةٍ ومتعدّدةٍ تستهدف الأشخاص بأشكالٍ ونسبٍ مختلفةٍ بحسب موقع وخلفيّة وتجربة كل فرد وجماعة، ومكانه/ا في ميزان القوى السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي. من هنا، تتحدّث النظريّات النسوية عن تعدّد أشكال القمع، وتقاطعها بحسب السياق المادّي الموجود، لتولّد أشكالًا مختلفةً من الظّلم. فعلى سبيل المثال، يتقاطع القمع الذّكوري والطبقي والعنصري ليولّد تجارب ظلمٍ مختلفةٍ لكل من النساء والرجال اللاجئين/ات والعاملين/ات في لبنان، فيما تتلف تجربة الظلم هذه لامرأةٍ لبنانيّةٍ مثليّةٍ من الطبقة الوسطى، أو لرجلٍ مغايرٍ ثريٍّ يمتلك امتيازاتٍ وموارد تمنحه قدرًا وافرًا من القوّة والحماية والسّطوة. هكذا إذًا تتوزّع الامتيازات ونسب القمع بحسب موقع الفرد في موازين القوى الماديّة: إنها نظريّة "التقاطعيّة" التي تحدّثت عنها المحامية النسوية السوداء كمبرلي كرينشو في العام 1989. إن تقاطعيّة القمع تستدعي تقاطعيّة النضال والمقاومة أيضًا، ومن هنا إيماننا بتقاطعيّة القضايا والنضال بين مختلف الفئات المقموعة والمهمّشة، فالقمع بنيويّ، وتوزيع الامتيازات بطريقةٍ غير عادلةٍ هو توزيع بنيويّ أيضًا قائم على التراكم المادّي التاريخيّ للقوّة والسلطة والثروة لدى فئات معيّنةٍ. لذلك على نضالنا أن يستهدف بنية النّظام الرأسمالي والأبوي في ذاتها وفي مختلف مجالات القمع التي تنتج عنها، لا البحث عن الحلول المؤقّتة والمجزّأة لكلّ فئةٍ على حدة فيما تستمرّ وتتصاعد أشكال القمع والعنف الأخرى.
وللقمع البنيوي أوجهٌ متعدّدةٌ منها ما تفرضه الدّولة بقوانينها وقواها الأمنية ومحاكمها، ومنها ما تفرضه النظم الاقتصادية والسياسيّة، ومنها ما تفرضه النظم القيميّة والاجتماعيّة والثقافيّة والدينيّة. وتتقاطع هذه النّظم مع بعضها البعض لتنتج هذا القمع البنيويّ وتعيد إنتاجه وحراسته وتحاول حمايته من محاولات الاختراق والتغيير والمقاومة بمرور الزّمن. ويتجلّى القمع وكذلك الامتيازات في مختلف مجالات الحياة ومساحاتها من البيت إلى الحيّ فالمدرسة والجامعة والسجّون، فمكان العمل ومؤسسات الدولة والقضاء، وطبعًا المساحات العامّة. كما أن الأفراد يعيشون/يعشن القمع في حياتهم/ن اليوميّة، وفي الحياة الجماعيّة حين تتعرّض جماعات أو فئات معيّنة للعنف والاضطهاد والقمع على أساس خصائصها الجندريّة أو الطبقيّة أو العرقيّة أو الجنسيّة أو الاثنيّة أو الدينيّة أو القدرات الجسديّة (مثلًا، الاضطهاد والتهميش التاريخي للنساء، والطبقات العاملة، والمثليين/ات، والمتحوّلين/ات، وذوي/ات الحاجات الخاصّة، والجماعات ضحايا الحروب الطائفيّة والإبادة الجماعيّة كالمجازر الأرمنيّة على يد السلطنة العثمانية أو حملات الإبادة التاريخيّة ضد الأكراد في سوريا والعراق).

ب) لكن ما علاقة العدالية الاجتماعيّة بالعدالة الجندريّة وبحقوق النساء تحديدًا؟

في ظل المنظومة القمعيّة سالفة الذكر، يتم النظر إلى المرأة كتابعة للرجل، للأب، للزوج، للأخ وللابن، وليس كشخص ذات كيان مستقل. هذه العقلية هي التي تحكم علاقة السلطة في جانبها الاقتصادي والسياسي والاجتماعي والايديولوجي مع النساء. هذا، ولطالما تم التعامل مع قضايا النساء على أنها هامشية، سواء من قبل قوى النظام أو من القوى المعارضة له. ويتحمل اليسار التقليدي جزءًا من المسؤولية من خلال فصله لقضايا التمييز ضد النساء عن صراعه من أجل التغيير الاجتماعي، السياسي والاقتصادي، واعتبارها قضايا "ثانوية". فمن ناحية تمّ عزل النساء وقضاياهن في أطر لجانية ملحقة بالتنظيمات الأساسية ومجرّدة من أي صفة تقريرية أو موارد، ومن ناحية أخرى تجاهلت النقابات العمالية تنظيم النساء العاملات، وإن فعلت، فغالبًا ما تكون النقابات التي يتم تأسيسها في القطاعات التي تطغى عليها النساء، برئاسة وإدارة الرجال. كما تم الترويج لفكرة أن تحرّر النساء يأتي تلقائيًا مع تحرر الطبقة العاملة وسقوط النظام الرأسمالي، وبالتالي أعفت هذه القوى نفسها من مسؤولية التدخل من أجل تغيير البنى الاجتماعية والايديولوجية الأبوية القمعيّة لاسيما للنساء.

بالإضافة إلى ذلك، يتجلّى القمع البنيوي من خلال قوانين الدولة وأنظمتها الاجتماعية، التي تمارس الرقابة على الخيارات الجنسية لكلّ المقيمين/ات تحت سلطتها، ولكن بشكل خاصّ للنساء، لكي تتوافق مع المعايير المجتمعية المرتبطة بدور المرأة داخل الأسرة، وتمارس قمعًا على كل ذوي/ات الهويات والميول الجنسية غير النمطية التي لا توافق نُظُم المغايَرة الجنسيّة. فأي علاقات عاطفيّةٍ أو جنسيةٍ لا تصبُّ في نهاية المطاف في إنتاج الأسرة بشكلها البرجوازي، كوحدة إنتاجية عمومًا، واستهلاكية على وجه الخصوص، تعتبر تهديدًا للمنظومة الاجتماعية وتُحارَب قانونيًا وأمنيًا. ولنا أمثلة على ذلك، منها تجريم المثلية الجنسية أو العلاقات خارج إطار الزواج، وفرض الزواج الرسمي لتنظيم العلاقة الجنسية والعاطفيّة (تحديدًا الدّيني في لبنان للإبقاء على سلطة الطوائف على الأفراد)، ووضع قيودٍ دينية واجتماعية رجعيّة على العلاقات بشكل عام، وهي كلها قيودٌ تكبّل الأفراد وتمنعهم/ن من ممارسة حقوقهم/ن الطبيعية وحرياتهم/ن الشخصية واتخاذ قراراتهم/ن دون التعرّض لضغوطات مادية ومعنوية تصل حدّ تهديد الحياة في كثيرٍ من الأحيان (جرائم "الشرف"، الإعتداء والإيذاء الجسدي).

العنف ضد النساء لا يعني بالضرورة العنف الجسدي المباشر، على الرغم من أنه أحد أنواعه التي يتم تسهيلها عبر قوانين تشرّع الاغتصاب وبسبب غياب الآليات والتشريعات لمكافحة التحرّش بكل أشكاله، بل هو أيضًا عنف بنيوي يؤدّي إلى تعنيف النساء في مختلف مجالات حياتهنّ الشخصيّة والمهنيّة والأسريّة والسياسيّة. فعلى سبيل المثال، يتمثّل العنف الاقتصادي في التمييز ضدّهن لناحية الأجور، والنظم الضريبية، والخدمات الاجتماعية والصحية والامتيازات الوظيفية مثل فرص الترقي الوظيفي وغيرها. يعود ذلك بشكل كبير إلى الأدوار الاجتماعية التي تُنسب إلى النساء، بحيث يتم اعتبار عمل النساء، بالأخص في القطاعات التي تغلب عليها اليد العاملة النسائية، كامتداد للدور الرعائي للمرأة في المنزل، فيتم الاستهتار بقيمة عمل النساء خارج المنزل، وفي نفس الوقت يكون عملهنّ داخل المنزل غير مثمّن وغير معترف به اقتصاديًا، أي أنه دون مقابل. يُضاف إلى العنف الجسدي المباشر والعنف الاقتصادي، أشكالٌ أخرى من العنف، مثل العنف القانوني، ومثالٌ على ذلك حرمان النساء من حقهن من منح جنسيّتهن إلى أفراد عائلاتهن، ومن خلال قوانين الأحوال الشخصية الطائفيّة الرجعيّة، بالإضافة إلى العنف السياسي والاجتماعي الذي يمنع النساء من الوصول إلى مراكز القرار والقيادة والتأثير على الصّعيدين الاجتماعي والسياسيّ. وأيضًا يمارس النظام سيطرة كبيرة على أجساد النساء في حيواتهنّ الشخصيّة من خلال طرق عدّة، أبرزها عبر السياسات الصحية الخاصة والعامة، إذ تنحصر التغطية الصحية للنساء بالأنشطة الإنجابية، ويتم إهمال الحقوق الجنسية، فالنساء لا يمكنهنّ الاستفادة من تغطية أنظمة الضمان والتأمين بكل ما يتعلق بالحقوق الجنسية إلا في الإطار الإنجابي، ناهينا عن حرمانهنّ من حقهن بالإجهاض، ومن حقّهن في التصرّف بأجسادهنّ وحيواتهنّ كما يرغبن نتيجة القيم والأعراف الأبويّة الحاكمة. 

إن أشكال القمع هذه وعلى الرغم من استهدافها بشكلٍ واضحٍ ومباشرٍ وتاريخيّ للنساء وإن بنسبٍ وأشكال مختلفةٍ باختلاف الزمان والمكان وتجارب النساء كأفراد، الا أنها تعبّر عن القمع البنيويّ الذي وصفناه أعلاه، وتتداخل فيها وتتقاطع معها أشكالٌ متنوّعةٌ من القمع والعنف الذي يطال فئاتٍ عدّة كما ذكرنا (مثلًا حرمان المرأة من حقّها بمنح الجنسيّة يطال أولادها وزوجها أيضًا وكذلك قوانين التغطية الصحّية). ومن وجهة نظر تحالف "الشعب يريد"، يعبّر تقاطع القمع هذا وتناوله لفئاتٍ متعدّدةٍ، عن حقيقة وواقع المنظومة الأبويّة الرأسماليّة القائمة والحاكمة، وبالتالي يستدعي اعتماد التقاطعيّة النضاليّة والجذريّة والمقاربة الكليّة للعمل السياسي، وبناء تنظيماتٍ سياسيّةٍ ترفض منطق "الأولويّات" وهرميّة القضايا والحلول المجتزأة، وتعمل على نقد وتفكيك ومقاومة بُنى القمع نفسها، بدلًا من السّعي إلى الاستفادة من فُتاتها وتناتش الامتيازات اليسيرة على حساب حراسة المنظومة القمعيّة واستمرار القمع ضدّ فئاتٍ واسعةٍ أخرى. لذا، إننا في تحالف "الشعب يريد" نناضل ضدّ كافّة أشكال القمع، ومن ضمنها كراهيّة النساء والتمييز الجندري والجنسي كجزءٍ من منظومة القمع الكليّة، وندعم النساء وكافة الفئات المهمّشة والمقموعة دعمًا مطلقًا غير مشروطٍ من أجل تحقيق العدالة الجندرية وانتزاع حريّاتهن الشخصيّة وحقوقهنّ/م الإقتصادية والإجتماعية والسياسية والقانونية كاملة.

8-  سياسات الجنسانية والجنس والحريات الشخصية:

نؤمن في تحالف "الشعب يريد" بالارتباط البنيوي بين السياسات الجنسانية من جهة، والسياسات القانونية والاقتصادية والاجتماعية والقيمية في الدولة والمجتمع من جهة أخرى. فهذه السياسات بتشعّباتها وتقاطعاتها تشكّل وتعرّف الجنسانيات والممارسات الجنسية "المقبولة" والمسموح بها، وتلك المرفوضة والمنبوذة والممنوعة. وفي مجتمع محكوم بالسياسات الاقتصادية الرأسمالية والأبوية المحافظة، تغدو الجنسانية الحسَنة والمحميّة والموصى بها كـ "طبيعة بشرية"، هي تلك التي تضمن الإنجاب (إنتاج الموارد البشرية) ضمن إطار الأدوار الجندرية التقليدية والزواج المغايِر (رجل وامرأة) المنظّم من قبل الدولة ومؤسساتها القانونية والدينية حصرًا، فيما تغدو كل جنسانية أو ممارسة خارج قيد الإنجاب والزواج والمغايرة الجنسية، "شذوذًا" عن الطبيعة يجب قمعه ومنعه ومعاقبته. في هذا الصدد، نحن نؤمن بالحريات الشخصية والجنسية كافةً طالما أنها تتمّ بين راشدين/ات وبرضاهم/ن التام دونما أذىً أو إخضاع لأي من الأطراف، ويرفض معاقبة الأفراد والجماعات ومحاسبتهم/ن بناءً على هويتهم/ن الجنسية أو ممارساتهم/ن أو تفضيلاتهم/ن طالما لم يعتدوا/يعتدين على أحد. كما نرفض ثنائية "الطبيعة/الشذوذ" التي تُعرَّف دائمًا وفقاً للقوى الحاكمة الموجودة في السلطة سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا، وتُوظَّف من أجل قمع كل من لا يطابق/تتطابق حياتهم/ن وممارساتهم/ن مع هذا التعريف الإقصائي والإلغائي، وبغرض التحكّم في أجساد وخيارات وحيوات الأفراد. إن الجنسانية هي في الواقع جنسانيات، ولا تعريف "طبيعيًا" لها، إذ أنها تتغيّر وفق الزمان والمكان، ومن سياقٍ إلى آخر، وهي مركّب مرن يتغيّر حتى في حياة الفرد الواحد/ة بحسب المراحل والظروف.

ولأننا ننطلق من مبدأ التحليل السياسي المادي التقاطعي، فإننا نستخدمه كأداة في تحليل السياسات الجنسانية أيضًا. إن إيماننا بالتحرر والحريات الجنسانية والجنسية، يتضمّن أيضًا نقديّة سياسية صارمة للأجندات والخطابات الحقوقية لمثليي/ات الطبقتين الوسطى والعليا صاحبتَي الامتياز، والتي يغيب عنها النقد الكلي للنظام العالمي والمحلي على صعيد العنصرية والطبقية والذكورية وسياسات الاحتلال والاستعمار والاستغلال المادي، ويُحصر فيها تعريف القمع بحرمان المثليين/ات من الزواج أو من الحقوق القانونية أسوة بالمغايرين/ات، فيما تُغفَل قضايا العنف والتمييز والحرمان ضد المثليين/ات والمتحوّلين/ات جنسيًا من الفقراء والمهمّشين/ات واللاجئين/ات والأجانب/الأجنبيات وذوي/ات الاحتياجات الخاصة والمنتمين/ات إلى أعراق مهمّشة تاريخيًا أو الشعوب المحتَلة، كما تُغفل سياسات الاستعمار والاحتلال والاستغلال العالميّة. إنها مساومة مرفوضة بالمطلق، تلك التي تحابي النظم العالمية والمحلية والدولة لتؤمّن الحماية والامتياز لفئات مهمّشة معيّنة على حساب فئات مقموعة أخرى من دون أن تقدّم نقداً شاملاً لبُنى النظام والدولة، وطبيعة ونوعية الخدمات التي تؤمّنها، وطريقة توزيع وتداول القوة والثروة والامتيازات في داخلها وعلى صعيد عالمي.

إن هذه الأجندات المساوِمة لا تسعى إلى نقد النظام وتغييره، بل إلى "إصلاحه" والدخول في كنفه للحصول على المزيد من الامتيازات، بدلًا من مناهضة القمع والعنف البنيوي القائم على توزيع الامتيازات على "الضحايا" ممن يراهم/ن النظام "صالحين/ات" للتمتع بامتيازاته، وقادرين/ات على إفادته وتغذيته بدلًا من تهديده وتغييره (أي الطبقتين الوسطى والعليا، والأفراد الملتزمين/ات بالقيم المحافظة كالزواج والأدوار الجندرية التقليدية والأنماط السائدة من الاستهلاك والإنتاج، الخ.). كما أن بعض هذه الأجندات تساعد الأنظمة والدول التي تتبنّاها على تبييض صفحتها، عن طريق إظهارها بمظهر الدول الديمقراطية المتقدّمة الراعية لحقوق الإنسان، بما يغطي جرائمها وسياساتها التوسعية والاستعمارية والاستغلالية (على سبيل المثال الولايات المتحدة الأميركية وحلفاؤها من الدول الأوروبية ذات التاريخ الاستعماري في آسيا وأفريقيا وجنوب أوروبا وأميركا اللاتينية، و"إسرائيل" في فلسطين المحتلة بما يعرف بالغسيل الزهري أو pinkwashing).

إن إيماننا بالحريات الفردية والشخصية، يقابله التزامٌ عميق بتقاطعية العمل السياسي وضرورة مناهضة كافة أشكال القمع والعنف والاستعمار التي تطال كافة فئات المجتمع وكافة الشعوب. كما يصاحبه رؤية للجنسانية لا كفئة هويّاتية ثابتة راسخة تميّز الأفراد والفئات المنضوية تحتها (أي مثليين/ات في مقابل مغايرين/ات)، بل كمركّب لزج ومرن، يتغيّر ويتبدّل بحسب الزمان والمكان، ويتبدّل في حياة الفرد أيضًا بحسب الظروف الشخصية والبُنى الماديّة المحيطة به/ا. وتجدر الإشارة إلى أن النظام الأبوي الرأسمالي لا يقمع المثليين/ات فقط، بل المغايرين/ات أيضًا في جنسانيتهم/ن، عن طريق تقييدهم/ن وقمعهم/ن باسم القوانين والقيم والموروثات الاجتماعية والدينية التي تحدّد الجنسانية الصحيحة بالجنسانية الهادفة للإنجاب ضمن الزواج حصرًا، والتي تقوم على مركّبات بالية وعنيفة مثل العذرية والحشمة والزواج الإجباري والنمطية الجندرية، ومعاقبة كل من لا يلتزم/تلتزم بها ويعيد/تعيد إنتاجها (على سبيل المثال، ينص قانون العقوبات اللبناني في المادة 534 على أن "كل مجامعة على خلاف الطبيعة يعاقب عليها بالحبس حتى سنة واحدة"، وهي مادّة تستخدَم لتجريم المثلية ولكن أيضًا لتجريم أنواع معينة من الممارسات بين المغايرين/ات حتى المتزوجين/ات منهم/ن، والتي لا تلتزم بالأدوار الجندرية النمطية ولا تهدف إلى الإنجاب).

لكل ما تقدّم، يلتزم تحالف "الشعب يريد" بإنتاج ونشر الخطابات والسياسات التقدّمية والتحرّرية ذات النظرة النقديّة الشاملة، بما يعني مسائل الجنسانية والجنس، وبمناهضة كافة أشكال القمع والتمييز على أساس الجندر أو الجنسانية أو الهوية الجندرية/الجنسية أو الممارسة الجنسية بما في ذلك العقاب القانوني على يد أجهزة الدولة. كما يرفض منطق "ترتيب الأولويات" الذي يضع الحريات الجنسية في آخر سلّم الأولويات، أو يغفلها تحت ذريعة عدم جهوزية الدولة والمجتمع لمناقشة هذه المسألة، فالمجتمع والدولة منغمسان تاريخيًا وحاضرًا في تنظيم وتشكيل وقوننة وقَولبة الجنسانيات، ولسنا نحن من نفرضها عليهما. إن تحالف "الشعب يريد" يرى في النضال من أجل الحريات الشخصية والجنسية والفردية، معركة في صلب معركتنا من أجل الحريات والحقوق العامة ومناهضة الفساد والقمع والنهب في كل أشكاله، وهو نضال يعني الجميع دون استثناء.

9-  لماذا هذا النظام غير قابل للإصلاح؟ 

أثبت النظام اللبناني الريعي الطائفي، على مدى العقود، أنه عصيّ على التغيير بفعل عوامل عدّة أهمها تعددّ أركانه وتركيبته التحاصصية، حيث أن الدولة تلعب دور الميسّر بين مختلف مكونات النظام، فتنتدب وظائفها إلى الرأسمال الطائفي لكي يوزعها بدوره لرعايا هذه الطوائف. فبذلك تُباع و/أو توزّع الحقوق والخدمات على الناس عبر المتنفذين في كل طائفة، الذين هم بدورهم يتحكمون بالدولة وبمؤسساتها. كما أن أدوات النظام اللبناني الإقناعية والإكراهية متينة، تمرّ عبر التخويف الطائفي واللعب على وتر "الأقليات"، توزيع الخدمات الأساسية عبر العلاقات الزبائنية، كما القمع الجسدي (عبر الميليشيات والقوى الأمنية) والذكوري، بالإضافة إلى فرض القوانين والإجراءات غير العادلة التي تمسّ العمال والعاملات اللبنانيين/ات وبالأخص النساء والعمال والعاملات المهاجرين/ات. وتمرّ سيطرة النظام بالدوائر الصغرى من الأحياء والبلديات إلى الأكبر منها كالمناطق والمؤسسات الوطنية، وكما أنها تنخر بالأطر والتنظيمات التي من خلالها يسعى الناس إلى تحصيل حقوقهم ومصالحهم كالنقابات العمالية، الأحزاب والجمعيات. فبهذه الأدوات يمتهن النظام ابتداع الانقسامات بين الناس على مختلف الأصعدة: بين الطوائف، بين العاملات والعمال، بين العمال والعاملات اللبنانيين/ات والعمال والعاملات المهاجرين/ات، بين العمال النظاميين والعمال غير النظاميين، بين المناطق، بين عمال القطاع العام وعمال القطاع الخاص، بين النساء العاملات في سوق العمل والنساء العاملات في المنزل دون أجر، الخ. 

إذن يعمل النظام على هذه الأصعدة ليفرق ويضع الناس بمواجهة بعضها. وأثبتت الأجسام التنظيمية القائمة فشلها في إحداث تغيير نوعي. فالأحزاب ببنيتها القائمة أثبتت عن هرمية وأبوية شبه مطلقة، وجمود عقيم في بنيتها، كما عن عدم قدرتها على مقاربة الأمور بشكل انسيابي وتقاطعي. أما النقابات فأيضًا علقت ببنيانها التقليدي وأغفلت وتجاهلت فئات جديدة من العمال ولم تعترف بهم كعمال وعاملات، أي أولئك الذين لا يعملون بظروف وشروط تقليدية كالعاملين لحسابهم الخاص، الباعة المتجولين، وغيرهم، فضلًا عن إقصائها للنساء والعمال والعاملات المهاجرات. أما الجمعيات والمؤسسات غير الحكومية فقد أظهرت محدوديتها نظرًا لتخصصيتها المفرطة، وعدم قدرتها وحتى رغبتها بالتشبيك ما بين القضايا المختلفة. علاوة على ذلك، نجح النظام بسياساته الاقتصادية والاجتماعية بتفكيك المساحات الاعتيادية للنضال، وذلك عبر تصفية القطاعات التي كانت تجمع العدد الأكبر من الناس الذين يتشاركون المصالح الاقتصادية والاجتماعية كما في المجال الصناعي والمؤسسات الكبرى بشكل عام، فأصبحت معظم أماكن العمل ذات الحجم الميكرويّ والصغير التي تمنع العمال من التنظّم الذاتي والعمل المشترك. كما أن الكتلة الأكبر من القيمة المضافة في ظلّ الاقتصاد الريعي أصبحت تُنتج خارج أماكن العمل التقليدية نتيجة تضخم الريوع، مما يخفّف كثيرًا من أثر الحراكات العمالية التقليدية على أذية النظام. إضافةً الى ذلك، تمّ تطييف وتفريغ المساحات التي كان الطلاب والطالبات يتنظّمون من خلالها، لا سيّما الجامعة اللبنانية، وتعميق الهوة مع الجامعات الخاصة التي إن كانت تتمتع بهامشٍ أكبر من النشاط الطلابي، إلّا أنها تبقى أسيرة الطبقات المتوسطة العليا أو الغنية. هكذا يكون النظام قد عطّل جميع الأدوات التاريخية التي كانت تحوي النشاط المطلبي والنضالي، من القوى التي تحمل الرؤى الإصلاحية إلى القوى الثورية التي تستمدّ قوتها وزخمها من تقاطع النضالات الواعية للطبقة العاملة والحركات الطلابية والنسوية.

أظهر النظام اللبناني بأركانه على مدى عقود أنه عصيٌ على التغيير ورافض له، وممارساته لإفراغ الأطر النضالية، حتى الإصلاحية منها وتلك ذات السقف السياسي المنخفض، هي أكبر دليل على ذلك. وتجلى ذلك بمقاومته الشرسة لكل محاولات التغيير والاصلاح، فدائمًا ما تقابل الطبقة الحاكمة مطالب الناس إما بضربها أو بتشويهها بكل السبل الممكنة. أركان النظام السياسي كانوا دائمًا متعنتين أمام كل الحركات الحقوقية والمطلبية، ولا يقبلون بأي إصلاحات جدّية من شأنها إحداث اختلالات وتغيّرات لصالح الطبقات المتضرّرة في البنية الاقتصادية – الاجتماعية مهما كلّف الأمر. ويبيّن تاريخ لبنان الحديث، أن النظام اللبناني الطائفي الريعي، مستعدٌ لفرض الحرب والاقتتال الداخلي عبر أدواته الميليشياوية إذا عجز عن استيعاب ورشوة القوى التغييرية لتصبح جزءًا من المنظومة التحاصصية، فإن تعذر ذلك يحاول كسرها، أما أركانه ورموزه فهي مستعدّة للتضحية بحياة الناس وافتعال حروب أهلية من أجل إعادة إنتاج هذا النظام ولكن بغلاف جديد عبر تسويات إقليمية ودولية كما جرت العادة دومًا. فالحروب الأهلية المتكررة التي افتعلها أركان النظام لم تنتج إلّا محاصصات طائفية جديدة، ومنحت النظام حياة جديدة لقمع الحركات الحقوقية والمطلبية دون أي تغيير بنيوي حقيقي لصالح الناس. وكل ذلك يشير إلى أن النظام اللبناني غير قابل للإصلاح السياسي والإداري والمؤسساتي، والتغيير الحقيقي لا يمرّ إلا عبر إسقاطه بجميع رموزه وسياساته وإداراته ومؤسساته وشبكاته الريعية والزبائنية والمصالح الطبقية التي ينسجها. نحن في تحالف "الشعب يريد" لا نسعى إلى إصلاح هذا النظام بل إلى تغييره بشكلٍ جذري، ومن هذا المنطلق نرفض نظريات الإصلاح التي تسعى إلى تحسين وترسيخ استمرارية هذا النظام. انطلاقاً من وعينا أن تغيير النظام هو مسارٌ اجتماعي شعبي وتراكمي لن يتحقق بين لحظةٍ وأخرى، وهو يمر ضرورةً عبر إصلاحاتٍ تصبُّ في مجرى التغيير الجذري، وهي الإصلاحات الثورية التي يرافقها ويوازيها تقوية وتمتين الحركات العمالية والطلابية والنسوية والأطر التنظيمية والنضالية المختلفة، وهي الإصلاحات التي تترافق أيضًا مع جهود فضح محدودية الأطر المؤسسية القائمة وإثبات الحاجة إلى تغييرها، وهذا كله دون إعطاء أملٍ زائف بأن المسار الإصلاحي التقليدي يمكنه توفير الحلول الحقيقية، والذي عادةً ما يتّسم المنحازون إليه برفع راية "مكافحة الفساد" أو شعار "الأولويات" انطلاقًا من رؤية مبتورة ومجتزأة.

10- ما هي أدوات التغيير؟

أمام الواقع الذي استعرضناه أعلاه، لا يبقى لنا إلّا ابتداع أدوات وسبل جديدة من أجل النضال التغييري، وذلك ليس فقط عبر بنى جديدة تقطع مع الجمود التقليدي، ولكن أيضًا من خلال استكشاف وخلق مساحات جديدة، والتأكيد على التقاطعية في النضال كي نعمل جدّيًا على تعطيل أدوات النظام التي استعرضناها أعلاه. بدايةً، يجب القطع مع مبدأ النشاط أو المناصرة بالوكالة، أي تلك التي تتولّى بها فئة معيّنة من الناس الدفاع عن فئة أخرى تحت حجة أنها مستضعفة، أو هشّة وغير قادرة على تنظيم نفسها. كما أننا علينا التصدّي لهيمنة الكثير من المفاهيم والأوهام التي يروّج لها النظام، كفكرة أنه على كل فرد السعي لكي يكون صاحب/ة عمل وأن الخروج من الفقر والعوز يكون عبر الحلول الفردية وليس الجماعية. ففي وجه ازدياد البطالة وتردي الأجور وظروف العمل يتم دفع الناس إلى التوجّه ليكونوا عاملين/ات لحسابهم/ن الخاص عبر القيام بأنشطة اقتصادية بقائية، بالكاد تؤمن العيش، ولا توفّر أي ضمان صحي أو أمان وظيفي. فهؤلاء حتى لو لم يكونوا أُجَراء وأجيرات هم/هنّ أيضًا عمال وعاملات وجزءٌ لا يتجزأ من القوى العاملة، وهؤلاء غير مركزين/ات في أماكن عمل محددة. كما أنه لا يمكننا تجاهل النساء اللواتي ينتجن قيمة مضافة غير مثمّنة اقتصاديًا، أي من يُطلَق عليهنّ عادةً تسمية "ربّات منازل"، لأن النظام الرأسمالي لا يعتبر عملهن منتجًا للقيمة وبالتالي فهو غير مدفوع الأجر، فالقيمة بالمفهوم الرأسمالي تنحصر بالسلع المدرّة للأرباح. كما أننا لا يمكننا الاستمرار بالتغاضي أو التنازل والتضحية بقضايا ومبادئ أساسية في نضالنا كالعدالة الجندرية ومناهضة العنف بكل أشكاله داخل تنظيماتنا وخارجها.

وبناء على ما سبق، نشدد على أن أدوات التغيير تتخذ عدّة أشكال. أولاً من الناحية التنظيمية، يجب أن نستعيد أطر الفعل السياسي التاريخية ونعيد تجديد بنيتها وعملها، أي تشجيع كل فئات العمال والعاملات على تنظيم أنفسهم/ن من خلال النقابات العمالية غير التمييزية والتي تحمي مصالح جميع العمال والعاملات من دون تمييز وتستخدم أدوات عمل جديدة تحاكي الواقع الاقتصادي – الاجتماعي الجديد ولا تأسر نفسها بالنضال ضمن حدود مكان العمل. بالإضافة إلى إعادة الاعتبار للعمل الطلابي المنظم غير الطائفي والمذهبي الذي يتحدى قوى النظام وأحزابه داخل حرم الجامعات، وذلك عبر العمل النقابي الطلابي الذي يستجيب لطموحات وحاجات الطلاب المباشرة وغير المباشرة، وربطه بنضالات مختلف القطاعات خارج الحرم الجامعي. كما أن دعم وتشجيع المجموعات والأطر ذات الاهتمام الخاص (ذوي/ات الاحتياجات الخاصة، النوع الاجتماعي، المستأجرين/ت، الخ.) أساسي من أجل تدعيم كل الجهود التغييرية.

أما الأهم، فهو عبر استحداث أدوات تغيير جديدة تتخذ أشكالاً عدّة من أجل أن تتمكن من إيذاء النظام وعطبه في مكامنه الأساسية، أي في الأماكن التي تشعر فيها الناس بأعلى مستويات الغبن، والتي تشكّل ثغرات حقيقية بالنسبة للنظام، أي في الأحياء وأماكن السكن حيث تتمثل الريوع وتتجلى الزبائنية بأفضح أشكالها (الكهرباء، الماء، السكن، النفايات، الأماكن العامة، الإنارة، البلديات ومستوى التمثيل الفعلي للناس...). كما أن التنظيم على مستوى الأحياء يؤدي إلى مشاركة فئاتٍ أوسع من المتضرّرين، حيث يمكن انخراط العمال والعاملات اللبنانيين/ات والمهاجرين/ات، كما العاملات في المنزل دون أجر، والعمال والعاملات لحسابهم/ن الخاص، الخ في النضال نفسه. بالإضافة إلى أنه في هذه الأماكن يمكن العمل على القضم التدريجي للقواعد المناصرة لأحزاب النظام، وحيث يكون تحدّي قوى الأمر الواقع المحلية بشكلٍ فعلي عبر تصاعد التحركات، من تحركات مطلبية مباشرة (تحسين الإنارة والأرصفة وإصلاح شبكات المياه...)، مرورًا بتحركات أكثر تهديدًا (كتنظيم النساء العاملات في المنزل دون أجر، أو النساء بشكل عام على قضايا عدة)؛ إلى أشكال أكثر تصاعدية تمسّ بمصالح الفئات المسيطرة بشكل مباشر (كمواجهة مافيات المولّدات الكهربائية والمطالبة بالتيار الكهربائي، والمطالبة بتحسين شروط السكن وضبط الإيجارات، والتمثيل على مستوى البلديات، إلخ.). بنفس هذا المنطق، يمكن اختبار مساحات جديدة وغير مستكشفة من أجل التنظيم والاستقطاب، عبر النوادي المحلية وغيرها من أماكن ارتياد الشباب والشابات. ومن هذا المنطلق يتوزّع وينتشر ويتصاعد التنظيم والتحرك من الدائرة الصغرى (الأحياء) إلى الدائرة الأكبر (مناطقيًا ووطنيًا)، بالإضافة الى استمرار محاولات التنظيم في أماكن العمل والجامعات والمدارس والمعاهد. ولا يمكن رفد ذلك إلا بقيام تنظيم يساري نسوي يبني قاعدته على هذا الأساس من أجل رفد القضايا على اختلافها وتقاطعيتها، تنظيم سياسي يستطيع دعم تأجيج التحركات الحقوقية والمطلبية وتصويبها في الاتجاه نفسه، ويستطيع أن يخلق أسس التضامن والعمل المشترك بين الناس المهمشة على اختلاف مواقعهم/ن وخصائصهم/ن، وذلك من خلال اكتشاف وخلق جميع المساحات المختلفة للتنظيم والتحرّك، وعبر اعتماد استراتيجية القضم التدريجي في أماكن ضعف النظام.

نؤكد أن الجهود التغييرية لا يمكن أن تتحقق من دون إنتاج خطاب وأدوات ومواد معرفية ثورية بديلة، كما طرق عمل تنطلق وترتبط بالواقع المادي للناس ولا تكون منفصلةً عنه. يتطلب ذلك إنتاج إعلامٍ بديل مرتبط عضويًا بواقع وحاجات الناس، يتزامن معه التأثير والخرق على مستوى الثقافة من فكرٍ ومسرح وموسيقى وفنٍ بشكل عام. وننطلق في عملنا هذا من القدرات والطاقات والموارد الموجودة عبر مكوّنات تحالف "الشعب يريد"، التي من خلالها سنركّز جهودنا على إنتاج أطرٍ تنظيمية ومعرفية بديلة، فضلًا عن توسيع التحالف نحو الأطر والمجموعات والتنظيمات التي تشاركنا الأهداف والمبادئ.

11- التصور البديل عن النظام القائم

أ) في العلمانية:

نعتبر في تحالف "الشعب يريد"، أن أحد الحلول الأساسية للتخلّص من النظام القائم هي بتحقيق العلمنة الشاملة وعدم الاكتفاء بطرح إلغاء الطائفية السياسية، ويتمثل ذلك من خلال الفصل التام للدين عن الدولة، وضمان حرية الاعتقاد أو عدمه، وتحقيق المساواة في الوظيفة لكل المواطنين أيًا كانت طائفتهم/ن أو مذهبهم/ن أو أصلهم/ن القومي أو جنسهم/ن. ويتطلب ذلك أيضًا إعادة النظر بكافة القوانين الجزائية والمدنية والإدارية، ووضع قانون مدني إلزامي للأحوال الشخصية، وعلمنة التعليم، وتحويل أملاك الأوقاف إلى ملكية عامة. ونؤمن بأن مبدأ العلمانية الشاملة يطال الأسس التي تحكم علاقاتنا الاجتماعية، فنحن نرى أن العلمانية كطرحٍ سياسي في وجه النظام الطائفي ضرورة للوصول إلى مجتمعٍ يحترم حرية المعتقد ولا يحتكم إلى الطائفية كأساسٍ للتمتع بالحقوق والوصول إلى الخدمات الأساسية كالتعليم والطبابة والعمل وغيرها. فالعلمانية في نهاية المطاف مبدأ أساسي لتحقيق المساواة.  

ب) في المساواة:

نعتبر في تحالف "الشعب يريد" أن المساواة هي من أسس مشروع التغيير، ويتم ذلك من خلال إقرار قوانين الأحوال الشخصية المدنية والموحدة، وإقرار الحق في إعطاء المرأة الجنسية لأولادها وزوجها دون أي استثناء، وتجريم كافة أشكال العنف ضد النساء والأطفال والمثليين جنسيًا، والحق في التمثيل السياسي العادل، وعبر إلغاء كل أشكال التمييز في القوانين السارية المفعول، وتحقيق المساواة في قوانين العمل والوظيفة العامة والضمان وفي المساواة في كافة الحقوق الاجتماعية والاقتصادية. ونؤمن بالعدالة الاجتماعية التي تؤمّن الفرص المتساوية للأفراد بعيدًا عن الامتيازات الطبيعية منها والمجتمعية. نرى أن النضال السياسي لا ينفصل عن النضال الاجتماعي والاقتصادي، وانطلاقًا من مبدأي المساواة والعلمانية نرفع شعار العدالة الاجتماعية الذي يعني تأمين حاجات كل أفراد المجتمع وفسح المجال أمام قدراتهم وطاقاتهم.

ج) في العدالة الاجتماعية:

نعتبر في تحالف "الشعب يريد" أن تحقيق العدالة الاجتماعية يتمثل في التالي: تحقيق توزيعٍ عادل للثروات بين كل الفئات المكوّنة للمجتمع، مع إتاحة تكافؤ الفرص في الوصول إلى الوظائف، وتأمين الضمانات الصحية والاجتماعية وتوحيدها ضمن صندوقٍ واحد يشمل كل السكان دون أي تمييز، ويكون تحت الرقابة الشعبية والنقابية. بالإضافة إلى تأميم المستشفيات الخاصة، وزيادة الضرائب المباشرة وخاصة على الدخل وأرباح الشركات والمصارف وعلى الإرث، وإلغاء الدين العام، وإعادة النظر بسياسات النمو للنمو وتحقيق الأرباح وزيادة الاستغلال، عبر السعي إلى تحقيق أكبر مشاركة عمالية في السيطرة على وسائل الإنتاج والثروات المنتجة، لتكون خيارات الإنتاج مشتركة مع العمال، وكذلك مع المجتمعات المحلية. كما نعتبر أن النضال لتحقيق العدالة الاجتماعية لا بدّ أن يمرّ بالمطالبة برفع الحد الأدنى للأجور بشكل عادل وتحديد السقف الأعلى للأجور، واعتماد سياسة إسكانية تؤمّن المسكن اللائق لكل السكان وهذا يتطلب إزالة كل مخيمات اللجوء. وكل ذلك يتطلب بشكلٍ أولي منح جميع العمال والعاملات حرية التنظيم النقابي، أي الحق في تشكيل تنظيماتهم/ن من دون أي قيدٍ أو شرط أو ترخيصٍ مسبق. كما إتاحة المجال أمام كل الناس لتنظيم أنفسهم بحرية في أطر مختلفة وأحزاب وتنظيمات على جميع المستويات بهدف الدفاع عن حقوقهم ومصالحهم. إن تحقيق العدالة الاجتماعية يتطلب مشاركة كل الناس، بالأخص العمال، في رسم السياسات الاقتصادية والاجتماعية على جميع المستويات. فالعدالة الاجتماعية تعني بالدرجة الأولى تأمين ديمقراطية الاقتصاد وتشاركيته وتضامنيته.

لا تراجع، لا يأس، لا استسلام!

كل السلطة والثروة والحرية للشعب!

تحالف "الشعب يريد"

كانون الأول/ديسمبر 2015