رفيق الحريري يتمشى في غابة وسط بيروت عام ١٩٨٣‬

نشر في‫:‬الاربعاء, تشرين ثاني 25, 2015 - 15:38
عن صفحة الشعب يريد على الفايسبوك
الكاتب/ة: هنري إدة.

"يبلغ الأربعين أو يكاد. مستدير وضخم، مشيته مطمئنة، شعره كثيف أسود. شارباه سميكان. يلفت النظر بعينيه الكبيرتين اليقظتين اللامعتين، وابتسامته الضارية والساحرة في آن، وقربه الودود. لقد حاز رفيق الحريري، المولود في صيدا، من عائلة متواضعة، دبلوم محاسبة مكنه من السفر إلى السعودية الغنية. وحين كانت أحداث لبنان في بداياتها، نجح، في وقت يسير، أن يُنجز واحداً من أهم أعمال المملكة السعودية، وأن يُكوِن ثروة ضخمة، إلا أن ذلك لم يُنسِهِ بلده الأصلي، بل كان يتطلع، وقد بدا أن السلام يعود، إلى أن يرجع إليه مع طموح المشاركة في إعادة إعماره. وقد طلب إلي أن أرافقه لأدله على وسط المدينة الذي لم يعرف منه، في مراهقته، إلا أطرافاً، وأن أعرض له مشروع إعادة إعماره.‬

كان يمشي الهوينا ويداعب بالنظرة والحركة، بناءً هنا، قد دمر تدميراً شديداً لكنه ما زال قائماً وكومة هناك من الركام، وكأنه مالك لهذا وذاك. كان على الأرجح، ووحده تقريباً يحلم بإعادة إحياء تلك المدينة شبه الميتة، ويكتشفها مختلفة عما كانت عليه، ويجتهد، بقدر ما أمعن في الشرح والوصف، أن يستعيد، على طريقته، مرأى المباني والشوارع والساحات بصورةٍ ما كان يتمنى أن يبعثها بها.‬

قال لي: "أترى ذلك الشارع، عند زاوية "التياترو الكبير". ذاك هو الحد الذي لم أستطع تخطيه وأنا شاب، لأنه لم يكن لدي الوسائل. وأنا اليوم، وللمرة الأولى، في الجانب الآخر الذي لم أعرفه والذي باستطاعتي، مع ذلك، أن أعيد إعماره".‬

...‬

كنا، في أثناء ذلك، قد قفلنا راجعين، بعد أن وصلنا إلى مدخل سوق الطويلة، وسوق أياس، وسوق الجَمِيل، حيث كانت تُعْرَض، في الماضي، كل بضائع العاصمة، الشعبية منها والفاخرة. لم يبقَ من الأبنية الصغيرة المتواضعة، المكونة من طابق أو طابقين، ولا من الدكاكين التي تحاذي الممرات، سوى الجدران وقناطر الحجر. رأيت يومها "أبو بهاء"، هكذا كان يدعى، يفتح ذراعيه كما لو أنه يمسح كل ما يحيط به، لِيُسِرَ لي: "ألا يَصْلُح هنا كموقع مثالي لمجمع حديث كبير للمكاتب والشركات؟"

هنري إده، المال... إن حكم، تر: يوسف بن علي، شركة المطبوعات للتوزيع والنشر (ص. ١٣-١٤)‬

لقراءة بقية مقالات العدد الخاص بالحراك الشعبي (خريف ٢٠١٥)، أنقر/ي هنا