الحراك الشعبي ومعركة توسيع الحيز العام‬

نشر في‫:‬الأثنين, تشرين ثاني 23, 2015 - 08:48
تصوير فرات الشهال
الكاتب/ة: فرح قبيسي.

أحدث تدفق آلاف المتظاهرين/ات خلال شهري آب/أغسطس وأيلول/سبتمبر إلى الشوارع إيقاعا جديدا للمدينة، باتت الحياة، ونشرات الأخبار ووجوه الناس أقل رتابة، واكتسبت السياسة مع حركتهم رمزية ومضامين جديدة، يتعلق جانب منها ببدء معركة توسيع المشاركة في صناعة الحيز العام. ‬

فقد نجح النظام بسياساته الاقتصادية والاجتماعية بتفكيك وتفتيت المساحات المشتركة للنضال التي شكلت سابقا أطرا جامعة لأعداد كبيرة حول مصالح اقتصادية واجتماعية وسياسية. فتم على سبيل المثال، تطييف وإفراغ ممنهج للمساحات التي انتظم من خلالها العمال والعاملات، والطلاب في الجامعة اللبنانية وغيرها من الجامعات. وليس من المبالغة القول بأن الحيز العام- أي المساحة التي يخلقها ويتفاعل معها الناس حول مشاكلهم ومصالحهم المشتركة والمتعارضة- هو حيز مُصادَر من قبل سلطات الأمر الواقع، من الميليشيات الحزبية الطائفية والمصالح الرأسمالية، التي (أي السلطات والمصالح) تتداخل ببعضها البعض حتى حدود التلاشي. فالمسار النيوليبيرالي الذي أخذ بالتوسع بعد انتهاء الحرب الأهلية، كان بحاجة لآلية لضبط الشارع وكبحه، فلعبت الميليشيات الحزبية الطائفية هذا الدور. فالأخيرة هي الأذرع السياسية والأمنية للبرجوازية في لبنان.   ‬

إذا، تم إغلاق الحيز العام بشكل كبير في بيروت، إن عبر سطوة الميليشيات أو ما يسمى بقوى الأمر الواقع على أحيائها، أو عبر خصخصة الأماكن العامة من شواطئ  وحدائق  فجرى هدمها أو ردمها وتشييد مبان ومولات تجارية وبنى عملاقة للشركات المحلية، الإقليمية والعالمية. أما المساحات العامة المتبقية، فلم تعد متاحة للعامة بشكل كامل بعد وضعها تحت أعين كاميرات المراقبة وشركات الأمن الخاص. أي أنها لم تعد موضوعة فعليا بخدمة قضايا عامة. فحاجة الرأسمال إلى البحث المستمر عن أرضية مُربحة بهدف مراكمة فائض القيمة، وما رافق ذلك من ارتفاع في أسعار الأراضي والإيجارات دفع ويدفع بسكان العاصمة من العمال والفقراء إلى خارجها بشكل مستمر؛ أي إلى الضواحي أو خارج حدود المدينة حيث تستكمل قوى الأمر الواقع مسار الضبط والسيطرة على الناس.‬

لذا، فإن الحراك الشعبي أعاد طرح مسألة علاقتنا بالحيز العام وبحقنا به. وهذا الطرح ليس بجديد، بل تصاعد في السنوات الأخيرة على شكل حملات منظمة مثل "الحملة الأهلية للحفاظ على دالية الروشة" و"هذا البحر لي" وغيرهما، وبطرق غير منظمة بل عفوية تمثل بالتحول التدريجي لمنطقتي برج حمود والدورة إلى مكان التقاء العمال والعاملات من مختلف الجنسيات، وهذا ما أعتبرُهُ شكلا من أشكال استعادة الحيز العام لفئات مهمشة تاريخيا. ‬

أما الحراك الشعبي ففتح هامشا إضافيا في هذه المعركة. وتبلور هذا الأمر من خلال عدة تحركات منها تعطيل عدادات البارك ميتر على طول كورنيش عين المريسة منعا لتحويله إلى مكان إضافي لمراكمة الربح، ومن خلال توجه المتظاهرين والمتظاهرات الى الدالية في الروشة ونزع السياج الشائك عنها مثبتين موقعها كمساحة عامة  بعد وضع مالكي الأرض سياجا في محاولة منهم لتحويلها إلى مكان خاص. فتحت إذا هذه المعارك، على محدوديتها، النقاش حول الملكية الخاصة والمنفعة العامة وسيطرة الأولى على الثانية بشكل يصل إلى حد خنقها.

كما شكل الحراك في الشارع بنفسه حيزا عاما. إلا أنه علينا العمل على دمقرطة هذا الحيز بشكل أكبر لفتحه أمام الفئات الأكثر تضررا من هذا النظام من نساء وعمال ولاجئين. فهنالك من يتبجح اليوم بمشاركة النساء في الحراك، وبالصور التي التقطت لهن خلال مواجهتهن للعنف الأمني، كدليل على "تحرر النساء" في لبنان، إلا أنه يُطلَب منهن السكوت متى علت أصواتهن رفضا للتحرش الجنسي الذي تعرضن له في الشوارع منعا لـ"تشويه صورة الحراك". كما أن الخطاب السياسي الذي يشدد على "لبنانية" الحراك، يستثني مئات الآلاف من غير اللبنانيين من المتضررين والمتضررات من هذا النظام والذين يعانون ما يعاني منه اللبنانيون، وأكثر، من أزمات اقتصادية واجتماعية بالإضافة إلى عنصرية ممأسسة شديدة البشاعة. أما انخراط فئات اجتماعية جديدة في المواجهة مع السلطة مثل شبان مُفقَرين ومعطلين من الأحياء الشعبية فواجهته أصوات تتهمهم بـ"الاندساس" مع ما يحمله هذا التعبير من مضامين طبقية وعنصرية ساهمت في المزيد من توسيع لدائرة الاستثناءات بدل من تضييقها. لذا من واجبنا مقاومة أي نزعة لتسلط "الحراك" على الحيز العام، وتشجيعه ليكون أكثر انفتاحا وأكثر تمثيلا لكافة الفئات في المجتمع، خاصة تلك التي تقع ضمن مستويات متعددة من الاستغلال والاضطهاد. فليس من المقبول أن نعيد انتاج نفس الممارسات السلطوية للنظام من داخل الحراك الذي يشكل إطارا لمواجهته. ‬

ختاما، هناك حاجة لتعميق النقاش العام حول أي مدينة نريد. فالصراع حول اكتساب المزيد من الحيز العام هو صراع اجتماعي تنخرط فيه طبقات اجتماعية مختلفة تحاول كل منها الدفاع عن مصالحها وإعادة رسم الحدود بينها أو تجاوزها. لا شك أن الحراك الشعبي اليوم مكننا، ولو بهامش لا يزال ضيقا من استرجاع جزء مما نطمح أن تكون عليه مساحاتنا المشتركة، خاصة بعد أن صادرها التحالف الدموي للبرجوازية وميليشيات السلطة. إلا أن المعركة ما زالت طويلة، وإن مستمرة، من أجل مدينة أكثر ديمقراطية بعلاقتها مع قاطنيها وأكثر ترحيبا بهم على اختلاف تنوعاتهم الجنسية، والطبقية وأصولهم الوطنية.‬

لقراءة بقية مقالات العدد الخاص بالحراك الشعبي (خريف ٢٠١٥)، أنقر/ي هنا