الإعلام البديل في مواجهة آلة القمع‬

نشر في‫:‬الجمعة, تشرين ثاني 20, 2015 - 14:16
تصوير بات سي
الكاتب/ة: محمد زبيب.

يعتقد الكثير من الناس أننا نقيم في دولة تميل إلى أن تكون "بوليسية"، تستبيح خصوصياتنا وحرياتنا الشخصية ولا تحترم حقوقنا وحرياتنا العامة. قد لا يكون وصف "الدولة البوليسية" في لبنان دقيقا بالاستناد إلى قواميس المصطلحات ومعاييرها، ولا سيما أن الدولة هنا لا تحتكر وحدها العنف، وهي خاضعة في إدارتها للشأن العام الى تنظيمات دون مرتبتها، طائفية- حزبية وطبقية. ولكن ردود فعل الناس وتعبيراتهم تجعل من هذا الوصف معبرا عن تجارب واقعية يمرون بها ولا يعكسها الإعلام بصورة كافية أو واضحة، بل يتجاهلها أحيانا كثيرة تجاهلا تاما، أو يبررها، تبعا لمصالح المسيطرين عليه وتهديدات النافذين وإرضاء لمصادر التمويل والخوف من العقاب. ‬

لا تنحصر هذه التجارب بما تواجهه الحركة الاحتجاجية الجارية من ممارسات قمعية موصوفة تهدف إلى وأدها ومنع تطورها، بل هي تجارب يومية تحصل هنا وهناك في أماكن العيش والعمل وعلى ما تبقى من الحيز العام والمشترك، من دون أن تثير ردّات فعل تتناسب معها. ‬

هناك، مثلا، مئات المعتقلين والمعتقلات في السجون من دون محاكمات. وتقوم أجهزة إنفاذ القانون بممارسات تعسفية موصوفة بحق الأفراد غير الخاضعين لحماية قانونية خاصة أو لحماية الزعماء وقوى الأمر الواقع ومراكز النفوذ. وتوجد أدلة كثيرة على انتهاج التعذيب خلال التحقيق وفي السجون وامتهان الكرامة الشخصية للموقوفين والتعرّض لخصوصياتهم وإجبارهم على إجراء الفحوص الشرجية أو فحوص المخدرات. ويخشى المتضررون والمتضررات من اللجوء إلى القضاء لتحصيل حقوقهم خوفا من الانتقام. وتخضع الأعمال الفنية لرقابة مسبقة يتولاها جهاز أمني، ويقيّد حق التجمع بالترخيص المسبق، لا سيما حق التنظيم النقابي والانضمام إلى النقابات. وتترسخ قناعة عامة أن حرية التخابر غير مصانة والخصوصية غير محترمة، فما زالت داتا الاتصالات تُسلّم كاملة إلى المحكمة الدولية وأجهزة امنية محلية. ويعمل جهاز مشكوك بشرعيته، تحت مسمّى "مكتب مكافحة جرائم المعلوماتية"، على مراقبة النشاطات على الانترنت وشبكات التواصل الاجتماعي ويفرض على من يلاحقهم توقيع تعهدات "باطلة" تقيّد حرية الرأي والتعبير والنشر، ... الخ. ‬

في التجربة الشخصية، يمكنني القول أن أكبر عدد من التحذيرات، التي تلقيتها منذ استدعائي إلى النيابة العامّة التمييزية بعد نشر صورة شيك يربط وزير الداخلية نهاد المشنوق بفضيحة بنك المدينة الشهيرة، يتعلق بالتنصت، كأن حصوله بديهيا. وثم المخاوف من السجن، باعتبار أن ذلك يمكن أن يحصل تعسفيا أو عبر حكم قاض غير نزيه. وبعدهما تأتي نصائح "عدم الذهاب بعيدا"، لأن في ذهن الناس أن المنظومة القائمة قادرة أيضا على ممارسة البلطجة من التلفيق حتى الأذية الجسدية.‬

يربط البعض هذه الحالة "البوليسية" بالفساد المستشري، باعتبار أن اصحاب النفوذ، سواء كانوا زعماء أو اثرياء أو عصابات أو رجال دين أو وزراء أو نواب أو ضباط أو قضاة أو موظفين عامين أو مسؤولين حزبيين...  يمتلكون قوة الدولة ويستخدموها على هواهم وفي خدمتهم. وبالتالي، هم يسيطرون على القضاء وأجهزة إنفاذ القانون والاعلام. يعينون الأتباع في المواقع الرئيسة أو عبر شراء الذمم وبيع الولاءات أو عبر الإخضاع، ويمارسون من خلال ذلك سلطة حاسمة خارجة على القانون. ولكن هذه الحالة كما هي قائمة تبدو أكثر من حالة فساد. لا شك أن الفساد شرط أساس لها ولكنه غير كاف. ففي لبنان، كما في الكثير من الدول التي تصف نفسها أنها "ليبرالية"، تقوم أنماط مختلفة من القمع الاجتماعي المقنّع، بهدف مكافحة أي تهديد، مهما كان، لمصالح الطبقة الحاكمة وديمومة حكمها. هو قمع أيديولوجي بالدرجة الأولى، ولذلك لا يكون معمما بل موجّها ومدعوما بآلة ثقافية وإعلامية شديدة التأثير.‬

يلعب الإعلام دورا مهما في عمل هذه الآلة. لا يتولى التبرير فحسب، بل التمهيد للقمع أيضا. لعل بث الكراهية والعنصرية ورهاب المثلية والتحريض المذهبي ومناهضة النسوية واحتقار الفقراء ووصمهم بالعار والعنف والإجرام وتعاطي المخدرات وتسخيف الطبقية وشيطنة اليسارية وتصويرها من عالم آخر غريب...، كلها أمثلة عن وظيفة الإعلام في جعل ممارسة القمع الاجتماعي أمرا عابرا، أو مطلبا عاما تماما كمطلب القضاء على "عبدة الشيطان"، الذي تتخصص به وزارة الداخلية بين الحين والآخر لتعيد من خلاله تجنيد الأسر في ضبط أولادها وبناتها والحد من "انحراف" الشباب والشابات نحو تحدي قواعد الانتظام العام والأيديولوجيا المسيطرة.‬

على الرغم من الاستثناءات المحدودة (المؤسسة اللبنانية للارسال والجديد) لأسباب ليس هنا مجال التطرق إليها، لعب الإعلام دوره في التمهيد لقمع الحركة الاحتجاجية الجارية، من إشاعة وجود "المندسين" و"المشاغبين" إلى ربط بعض الناشطين والناشطات بالسفارات والأجندات الاجنبية مرورا بتمويلات "الدولة العربية الصغيرة" وأهداف "الشيوعيين المنقرضين". إلا أن الأهم أن الإعلام (من دون استثناءات) أدّى وظيفة سلبية بتحويل الحركة الاحتجاجية من برنامج مطالب اجتماعية إلى برنامج "تلفزيون الواقع". حتى فصول القمع واستخدام العنف والاعتقالات العشوائية التعسفية وممارسة التعذيب والإهانة للكرامة الشخصية وملاحقة المتظاهرين والمتظاهرات لم تخرج عن كونها مشاهد تنطوي على تطورات درامية كما في الافلام. لا يكفي البث المباشر وتخصيص صفحات عدّة في الصحف والمجلات كي يكون الإعلام ايجابيا. المحتوى هو الأساس، وهذا ما افتقدته الحركة الاحتجاجية حتى الآن في علاقة الإعلام معها، وهذا ما استفادت منه الطبقة الحاكمة على الرغم من توترها وخوفها من خروج الأمور عن سيطرتها.‬

لا يوجد في لبنان وسائل إعلام مستقلة، والحرية الصحافية، كجزء من الحريات العامّة، مقيّدة بالقانون. إلا أن الحركة الاحتجاجية، أو أي حركة، تحتاج إلى الإعلام كي تتمكن من الوصول إلى الناس ومواجهة أيديولوجيا الطبقة الحاكمة وفضحها وتدميرها. لذلك، تبدو ساحة الإعلام ساحة مهمّة لا بد من خوض معاركها من أجل حماية الحركة وتقدّمها نحو تحقيق أهدافها، أولا: من خلال السعي إلى كسر احتكار وسائل الإعلام عبر محاولة فرض كسر نظام الامتيازات الحصرية. وثانيا: من خلال الانخراط في معارك انتزاع حرية الصحافة وعبر توفير الدعم الكامل لكاشفي الفساد وأصحاب الرأي المعرضين والمعرضات للملاحقات القضائية. وثالثا: عبر دعوة الصحافيين والصحافيات للانخراط أكثر في الحركة وخلق وسائل إعلام بديلة لا تتطلب إدارتها أكلافا مالية باهظة.‬

تشير التقديرات المقبولة إلى أن 60٪ من المقيمين في لبنان يستخدمون الانترنت. 90٪ منهم يستخدمونه يوميا، و75٪ منهم يستخدمون شبكات التواصل الاجتماعي، ولا سيما الفايسبوك وتويتر. ويوجد في لبنان نحو 2.5 مليون اشتراك في خدمات الجيل الثالث (والرابع) على الهواتف الخلوية، قسم كبير منهم يستخدم الواتسآب وتطبيقات الاتصال الأخرى بالإضافة إلى شبكات التواصل الاجتماعي المعروفة وتطبيقات الأخبار. بمعنى ما، يوفر الانترنت فرصا ثمينة جدا لازدهار إعلام بديل. إلا أن شروط تحقق هذه الفرص كثيرة، أهمها (ربما): استخدام الحركة الاحتجاجية نفسها لفرض مقاربة مختلفة في مجال حماية "حرية إبداء الرأي قولاً وكتابة وحرية الطباعة وحرية الاجتماع وحرية تأليف الجمعيات"، التي كفلتها المادة 13 من الدستور كلها، وإنما "ضمن دائرة القانون". يبدو الوقت مناسبا للعمل من أجل انتزاع حق مستخدمي الانترنت بالحماية من الملاحقة الأمنية أو القضائية عند تداولهم الأخبار والمعلومات والوثائق والآراء والأفكار، أقلّه التي تتناول شأنا عاما أو شخصا عاما. ‬

وللحديث تتمة.‬

لقراءة بقية مقالات العدد الخاص بالحراك الشعبي (خريف ٢٠١٥)، أنقر/ي هنا