عن العلاقة المستجدة بين الجامعة والشارع‬

نشر في‫:‬الخميس, تشرين ثاني 19, 2015 - 15:37
الكاتب/ة: إياد ريا.

رغم ماضٍ حافل بالحركات الطلابية ونضالها الفعّال ضمن الجامعات وخارجها، إلا أن الحاضر يشهد أن هذه الصورة تغيّرت جذرياً. الأحزاب بتعددها الطائفي باتت هي هي الطلاب. رغم محاولات محدودة في جامعات متعددة لتشكيل مجموعات طلابية بعيدة عن أحزاب السلطة إلا أن المشهد الجامعي العام بات يعكس الكل الإجتماعي بكل تعقيداته. محدودية الجهود الطلابية تنعكس شللاً سياسياً وعجزاً في حماية حقوق الطلاب بما يشمل الأقساط والقوانين الجائرة بشكل عام. هذا الواقع وإن كان أشدّ في الجامعة الرسمية حيث لأحزاب السلطة كلمة الفصل، إلا أن الأمر يماثله من ناحية الأفق في الجامعات الخاصة. ‬

لطالما تشكلت مجموعات طلابية بديلة على هامش هيمنة أحزاب السلطة. هي هامشية في تمثيلها للطلاب، لكنها تقوم بالعمل الطلابي بأكمله من مواجهة الأقساط المتزايدة إلى ربط الجامعة بالسياق المجتمعي الأوسع عبر محاولاتها تخطي أسوار الجامعة. هذه المجموعات بانت في الحراك الشعبي الأخير والمستمر إلى اليوم، ومن أبرزها ناديي السنديانة الحمراء والعلماني في الجامعة الأميركية في بيروت ومجموعة راديكال في الجامعة اللبنانية. ظهرت هذه المجموعات إن عبر المشاركة في التحركات الإحتجاجية أم في التشبيك مع مجموعات أوسع من خارج الجامعة حيث تطمح للعب دورٍ أكثر فاعلية، قاطعةً بذلك المسافة الوهمية بين الجامعة والشارع. الاصطدام بالشارع وجديته يشكل مدخلاً جديداً للطلاب إن كأفراد أو كمجموعات. كما خرج الشارع عن فولكلورية التظاهر السلبي، ينعكس هذا الواقع الجديد على الحركة الطلابية. قد يكون نعتها بـ"حركة" همساً إلا أن مقومات تفعيلها أو قل إنشائها بدأت تتشكل. قد يكون الطلاب إلى الآن لم يُدخلوا الحراك إلى جامعاتهم، لكنهم يتلمسون نبض الشارع ويشعرون بنضوج مشهد لطالما بدا نظرياً، مشهد ترابط الحركة الطلابية مع الحركة الاجتماعية الأوسع، ولا بد من أن يتسلل بعض ذاك الزخم إلى داخل أسوار الجامعة. إلى جانب ذلك، ما يتم تكوينه أيضاً هو وعي سياسي مادي بفعل الاحتكاك مع الواقع بعيداً عن رفاهية اللاموقف أو حتى سذاجة الموقف، وبهذا لا عودة من الشارع. الصورة ليست مثالية، والحركة الطلابية تبقى تنازع بين الاصطفافات الطائفية، لكن الامتياز الجديد هو بعضٌ من الممارسة، وهذا ينعكس بشكل إيجابي في الجسم الطلابي وقد يشكل خرقاً في المعادلات القائمة.‬

كثيراً ما يستحوذ موضوع الطلاب اهتماماً خاصاً، والربط بين الشباب والطلاب تلقائي، ومما لا ريب فيه أن زخم الحراك هو الشباب. كثر هم الذين شكل لهم الحراك تجربتهم الأولى وبها تلمّسوا دور الدولة كأداة تحمي النظام وفي المقابل قدرة الجماعة، تلك التي تشكلت في الشارع، على المواجهة والضغط. الخوف لدى طالب في حراكه داخل الجامعة محدود بالفصل (هذا اذا استثنينا الجامعات حيث تسيطر أحزاب السلطة بالحديد والنار)، أما في الشارع فالخوف أكبر وكذلك الغضب. حين يعود الطالب إلى حرمه لن يكون احتكاكه بالسلطة المفروضة مُحدداً بالشروط التي كانت سابقاً ثابتة. مفهوم "الجماعة" كقوة دفع فعلي نحو التغيير استُحدث ومفهوم "المواجهة" بات مادياً. في المقابل، للطلاب وقدرتهم على المواجهة انعكاس إلى خارج الجامعة حيث الجميع يجهد بالمواجهة والمحافظة على زخم الشارع. ‬‬

الجامعة بطبيعة تكوينها وبفعل العلاقات المباشرة بين الطلاب هي مكان مناسب لكسر التأطير الطائفي والعنصري. وأما الاحتكاك مع الشارع بكافة مكوناته فهو إدراك للامتيازات وابتعاد عن فوقية قد يحملها الطالب على الشارع أو حتى استشراق تجاه "الفقراء غير المرئيين". للطلاب في الحراك فعلٌ ومسؤولية. الجامعات كمساحات للعلم والمعرفة - وإن لا تخرج بالمجمل عن ثقافة السائد - أرضية جاهزة لإدخال النقاش النقدي فيما يخص الحراك كضرورة لأي تغيير. يبقى للحركة الطلابية المسؤولية في تفعيل هذا النقاش وفرض الحراك كواقع يشمل الجامعة ومرتاديها لا كحالة اجتماعية تُدرّس ولا تُمارس. للطلاب القدرة على دفع النقاش إلى خواتيمه والتي تُشرّع أبواب الجامعات على الشارع، فيغدو الحرم تلامساً مع النظرية إنما من موقع الشارع ولأجله.‬

لقراءة بقية مقالات العدد الخاص بالحراك الشعبي (خريف ٢٠١٥)، أنقر/ي هنا