عن خطة شهيب الالتفافية على الحراك الشعبي ‬

نشر في‫:‬الاربعاء, تشرين ثاني 11, 2015 - 15:53
الكاتب/ة: هاني عضاضة.

بعدما تبنّت أحزابٌ عدّة في السلطة مطالب الحراك و"باركتها"، خوفاً من تسرّب أجزاءٍ من قواعدها المناصِرة تحت تأثير رياح التغيير التي بدأت تلفح وجوه كل المتضرّرين من النظام القائم، أتت خطة شهيّب لتقلّب الرأي العام وتضلّله، بهدف إضعاف الحراك ووضعه أمام الأمر الواقع: الابتزاز في صحة الناس، والتذرّع بإنقاذهم من الخطر الداهم، عبر خطةٍ ترقيعية، لا ترقى إلى مستوى المعالجة البيئية والحل الحقيقي، وتؤجّل الأزمة وتُفاقمها في السرّ مستبدلةً المطمر الواحد بعدة مطامر، متجاهلةً وضع استراتيجية وطنية لإدارة النفايات الصلبة، وفي صلبها حقّ البلديات برفع يد سلطة المحاصصة الفاسدة عن أموالها، وفتح حساب خاص باسم الصندوق البلدي المستقل، يضمن توزيع عائدات البلديات، ويكفل قدرتها الذاتية على معالجة أزمة النفايات ولعب دورها الطبيعي في التنمية المحلية. هو نفسه الأسلوب الذي اعتمده النظام لِلَيِّ ذراع هيئة التنسيق النقابية في حراكها المطلبي عام 2014 بعدما بدأت تحرّكاتها بتهديد مصالح الهيئات الإقتصادية وجمعية المصارف: التذرّع بإنقاذ مستقبل الطلاب عبر إعطائهم إفادات، وبالتالي ضرب الشهادة الرسمية وإحداث خللٍ أعمق في البنية التربوية المختلّة، والتي ينبغي تجاوزها أساساً. هكذا ينتجُ النظام السياسي الطائفي الأزمات عاماً بعد عام، معتمداً على ديناميكيته الطائفية لإثارة الانقسامات العمودية وتفتيت الحركات المطلبية على اختلافها.‬

تنطلق خطة شهيّب (9 أيلول 2015) من تصوّرٍ سياسي ضيّق ومحدود الأفق، لا يخرج عن سياق تدوير الزوايا المعهود، محاولاً لعب دور المخلّص للنظام المأزوم، مهرّباً إياه من مأزقه السياسي، ولكن عبثاً. سقطت خطة شهيّب، خلال أيام قليلة من طرحها، وعلى أكثر من مستوى:‬

1- على مستوى الثقة: من المعروف أن صاحب الخطّة، أكرم شهيّب، كان وزير البيئة عام 1997، وهو الذي وضع بنفسه "خطة الطوارئ" يومها، والتي أدّت إلى إيجاد "مطمر الناعمة - عين درافيل"، بعدما أقدم أهالي العمروسية على إحراق "محرقة العمروسية" التي كانت تهدّد حياتهم وصحّتهم وبيئتهم، واعداً بحلٍ حقيقي ومستدام لأزمة النفايات. لم يتحقّق الحلّ، ولم تقم الحكومات المتعاقبة بتقديم أي حلول طبعاً، وكان التمديد غير الشرعي والمستمر لـ"سوكلين" هو الحلّ. فالحلول الفعلية، في أي ملفٍ كان، تتنافى مع مبدأ الخصخصة - المحاصصة، وتقلّل من نسبة أرباح الشركات المستفيدة والمرتبطة بالطبقة الحاكمة، ليصبح المطمر في الناعمة، الناتج عن خطة شهيّب عام 1997، أمراً واقعاً.‬

2- على المستوى الشعبي: تعرّضت الخطّة لرفض أهالي القرى والمناطق المتضرّرة من مطمر الناعمة - عين درافيل، بعدنا فرّطت السلطة بصحتهم وصحة أولادهم لمدة 18 عاماً. كما رفض الخطّة أهالي المناطق المهدّدة بإقامة مطامر جديدة في مجدل عنجر وعكّار وبرج حمود، وذلك بالرغم من الجهود الحثيثة التي بذلتها السلطة، وعلى رأسها الوزير شهيّب، في محاولة إغراء السكان والأهالي، بالكهرباء والمال والخدمات (الحقوق البديهية!). فخطّة شهيب تستهدف المناطق المهمّشة والأكثر فقراً والمحرومة من الخدمات، ثم تعتمد منطق الرشوة، مقلّبةً الأهالي ضد الحراك الشعبي وضد حقّهم بالمطالبة بالحلول المستدامة، عبر مفاتيح السلطة من فعاليات وبلديات وشخصيات تربطها بهذا الزعيم/الحزب أو ذاك علاقات نفعية زبائنية.‬

3- على المستوى البيئي: رُفِضَت الخطّة من قبل الخبراء البيئيين المناهضين للفساد، والذين وضعوا تحفظاتهم الأساسية عليها: التناقض بين المرحلة الانتقالية والمرحلة المستدامة، وإعادة فتح مطمر الناعمة واستحداث مطامر جديدة بدل التركيز على الفرز من المصدر، كما إعادة تلزيم "سوكلين" بكنس وجمع ونقل النفايات خلال المرحلة الإنتقالية، إضافة إلى ردم البحر وإحياء مشروع "لينور". كما طرح خبراء بيئيون، بصفتهم موكّلين من الحراك الشعبي، خطةً بديلة في 28 أيلول 2015، لم تلقَ تجاوباً من السلطة.‬

4- على المستوى الإداري: تكليف مجلس الإنماء والإعمار اتخاذ إجراءات تجهيز وتشغيل المواقع المقترحة للمعالجة والتخلص من النفايات وهو غير خاضع للرقابة والمحاسبة، تماماً كالهيئة العليا للإغاثة والتي خُصّص لها بحسب الخطّة سلفة خزينة بمبلغ 150 مليار ليرة لبنانية لإقامة مشاريع تنمية لمنطقة البقاع، واستكمال التعدي على الانتظام العام في المؤسسات وعدم تفعيل دور البلديات على مستوى إدارة النفايات خلال المرحلة "الانتقالية".‬

5- على المستوى الاقتصادي: استكمال نهج الفساد الذي أدّى إلى سرقة وهدر مليارات الدولارات، ووضع اليد على أموال البلديات عبر التمنّع عن فتح حساب خاص للصندوق البلدي المستقل وبالتالي استمرار استبعاد خيار تطبيق اللامركزية الإدارية. ارتفاع الفاتورة الصحية الناتجة عن التأخر في تطبيق خطة الطوارئ التي يطالب بها الحراك. غياب طرح إعادة تدوير النفايات للاستفادة منها في مجالات التصنيع وإنتاج الطاقة، فالبديل في الخطّة هو استحداث المطامر والتخلّص من النفايات بشكلٍ يخرجها من نطاق الدورة الاقتصادية.‬

خطة وزير الزراعة أكرم شهيّب، كانت ردّ الطبقة الحاكمة على إسقاط الحراك المطلبي الشعبي للمناقصات، والتي كانت تصبّ في مصلحة عدة شركاتٍ يملكها عدة متموّلين متحزّبين أو مرتبطين بأحزاب السلطة. المناقصات كانت نتيجة الأزمة، لذا أتت خطة شهيّب كمحاولة للالتفاف على الحراك إنقاذاً للنظام السياسي الطائفي من أزمته البنيوية التي تحكمه، والتي تتمظهر في أشكالٍ مختلفة، منها أزمة النفايات البالغة الخطورة على المستويين البيئي والصحي، بعد 23 عاماً من الفساد والسرقة والخصخصة في ملف النفايات.‬