‫إلى باسم شيت، رسالة ثانية بعد عام‬

نشر في‫:‬الاربعاء, ايلول 30, 2015 - 14:03
باسم شيت
الكاتب/ة: باسل ف. صالح.

‫عام على الرحيل، ولم ترحل. يراك الجميع في أزقة بيروت، في الشوارع الضيقة، بشكل يومي، يرى ملامح وجهك تهيم بين الناس في الشوارع التي انتفضت، وإن بشكل مرحلي. عام على الرحيل، وها هي المحاولة الثانية، بعد محاولة اسقاط النظام الطائفي، تخط ملامحها على امتداد المناطق، وفي الأزقة، وفي الشوارع الضيقة، وكأن قرار المواجهة بدأ يتبلور أكثر من السابق. وكأن جيوش المضطهدين والعاطلين عن العمل تعي سبب مأزقها المتمثل في سلطة تعلم جيداً آلية الالتفاف على مصالح الناس، من خلال تراشق الاتهامات، في محاولة منها لتضييعهم وتشعيب المسؤولية، بحيث يضيع معها السبب الحقيقي الكامن، أي يضيع معها الثابت الوحيد خلف هذه المعادلة، وهو أنها سلطة سياسية تعبّر عن مصالح طبقة واحدة تابعة كانت قد أرسست أسسها وبنت مقوماتها حملات الاستعمار المتتالية. ‬

‫عام على الرحيل والنفايات الآن تنتشر في شوارع لبنان، حيث أخذت المعركة طابعاً محتدماً بين أناس غير مستفيدين من القائم، وقلة مستفيدة تحارب بكل ما أوتيت من قوة. فالطابع الطبقي للمعركة، كان قد خطه نقولا شماس، أي ممثل الطبقة التي تدير مصالح نفسها وتتحكم برقاب الناس، والتي تعبّر عنها طبقة سياسية حاكمة موزعة بين تيارين يقسمان الناس على أساس طائفي ظاهرياً وطبقي بنيوياً. فالانتقال من الأول إلى الثاني هو انتقال من أحد أوجه التورية إلى الشكل الحقيقي المباشر، إلى السبب الكامن خلف كل محاولات التشتيت. فالبلاد التي تعرفها لم تعد كما كانت، بل أصبحت أقرب إلى ما يجب أن يكون، بات عدد من ناسها في صدام مباشر مع المعيق لتطور حياتهم والتمتع بأبسط حقوقهم الانسانية. ‬

‫عام على الرحيل وكأننا عشية محاولة 1905 التي أسست إلى انتصار ثورة 1917. وكأن كل محاولات التحرر تعاد من جديد، ليس لتعيد نفس التاريخ بشكل مأساة أو مهزلة، بل لتخط انتصار المضطهدين على من يقوّض حريتهم وحياتهم وطموحاتهم وآمالهم. وفي غمرة كل هذا ما زالت بعض المجموعات تحارب عن هذا الطرف أو ذاك، وفق المنطق ذاته، وفق معايير مذهبية ترى أن الزعيم خارج إطار الفساد وذلك على خلاف بقية الزعماء. وهو أمر ليس بجديد، بل متوقَّع لأنه دائم، فالأكثرية لم تكن يوماً قوة تغييرية، بل إن أولئك الذين ينتفضون هم دائماً من يحارب عن الجميع، وهم دائماً من يفتح الطريق أمام الانتهازيين والمنافقين وكل آفات المجتمع الطبقي. ‬

‫عام مضى، والأصدقاء الذين كانوا على الهامش يحاولون من جديد، فمنهم من أعاد إحياء مجموعة قديمة في نفس جديد، ومنهم من انخرط في مجموعات كانت ناشطة أساساً، ومنهم من يحاول المواجهة المباشرة التي أدّت، ولو لدقائق معدودة، إلى عودة مؤسسات الشعب إلى الشعب نفسه. فالجميع ناشط، منهم من نتفق معه، ومنهم من نختلف. لكن، وكما دائماً أيضاً، كان من الضروري أن تخوض هذه المجموعات تجاربها، وأن تتصادم مع من يقوّض حياتها. فالتجارب هي التي تراكم الوعي عبر التاريخ، وهي التي تكشف عن السبب الحقيقي الكامن، بعد أن تزيل، وبشكل تدريجي، كل القشور التمويهية. ‬

‫كل هذا وأكثر، كل ما كنا نعتقد أنه سيأتي بدأ يظهر في الأفق، فاليسار العالمي بدأ يكتسح الساحات، واليسار المحلي بدأ يخط مشروعه في الممارسة، وينعكس، ولو بشكل خجول، على مستوى النظرية. عام مضى ولأول مرة منذ سنوات، تتفق عموم المجموعات الشعبية وتتصادم القوى السياسي التي لم تتصادم من قبل. إنها الظاهرة الأكثر وضوحاً الآن، القوى السياسية المكونة للنظام تتراشق الاتهامات في حين أن المضطهدين في الشارع يوجهون أصابع الاتهام عليهم بالتساوي. ‬

‫عام مضى، والرقص الثوري بدأ بحنجلة الناس في الشارع. فهناك على تخوم المناطق، وفي قلب العاصمة، تنتصب مجموعات الحراسة لتحمي مناطقها من القاذورات، بعد أن تخلت عنها كل المؤسسات الرسمية، وكل الهيئات التمثيلية بدايةً من البلديات وصولاً إلى السلطة التنفيذية. وكأنها تنسيقيات، أو كومونات، ارتأت أن تسهر في الشارع وليس في المنازل حيث لا مياه ولا كهرباء، وحيث تنتشر روائح النفايات والجراثيم والفيروسات المتطورة جينياً. ‬

‫عام مر على 1 تشرين أول 2014 يوم توقّف قلبك بعد أن قرر الانتقال إلى أحد أشكال الحياة الأخرى، وها نحن نحاول مسايرتك، وخوض الطريق الطويل المنطلِق من مملكة الضرورة إلى مملكة الحرية.‬