وجوديون في بيروت

نشر في‫:‬الاربعاء, ايلول 9, 2015 - 16:30
من مظاهرة 29 آب | تصوير فرات الشهال
الكاتب/ة: خضر سلمان.

هذا الزمان هو في حِلٍّ من نفسه، لدرجة أن تلك اللحظة غير الملهمة إطلاقا، متمثلةً في حراك بعض النشطاء اللبنانيين شبه الحكوميين، أو «غير» الحكوميين، هي نفسها، انطوت على صورةٍ غاية في الأصالة، تكاد تكون طالعةً من حكاية أو فيلم، وتحيل إلى مشهديةٍ ثورية من ماضٍ يبدو اليوم بعيداً وغير ذي صلة.


بمعزلٍ قدر الإمكان عن ليونة «طلعت ريحتكن» وإصلاحيتها، بمعزل مكاناً وموقفاً، هاهم فنانو راب ثوريون قادمون من بيئات طرفية، ينتجون من قلب وسط بيروت التجاري، فن شارعٍ دافقاً بعفويةِ أصحاب الأرض، مستغلين اللحظة أوقح استغلال، ويغنّون أمام جدار الفصل الذي شيده «حراس الأرز» الجدد:


‏‫«الأرزة بللا، واشراب ميتا..»، وبعد ذلك مباشرةً، وقبل أي شيء آخر: «قلي مين نحنا بجملة.. كلّنا للعلم».


لوهلة، يبدو الأمر أشبه بمشهدٍ من مسرحية لسارتر أو ما شابه، يقف فيها «ناصر دين الطفار»، ورفيقه «الراس»، ليَغضَبَا غناءً، أو يُغنيا بما يشبه الهتاف، في وسط بيروت حيث المظاهرات، أغنيةً قديمة لهما، هي «لبنان 2».

جاء في ذروة الأغنية: «بدي قلك قراري، بلدنا عبارة عن شبكة مجاري، ولحافظ ع وجو الحضاري، بشخ بسوليدير.. بنص الوسخ التجاري».


لقد فعلاها فعلاً في «نص» الوسخ التجاري، وكأن الأغنية صُنِعَت من أجل هذا اليوم، وكأن أقدارا عنيفة هي قيد التحقق ضد إرادة الواقع.


و«ناصر دين الطفار» هو اسم تبناه ناصر ليقول نفسه بتكثيف: أنا أنصر دين الطُفار. والطُفار هم مطاريد زراعة الحشيش في البقاع، الملاحقون من قبل الدولة الضعيفة هناك بطبيعة الحال. عمد ناصر وأصدقاؤه إلى تسييس أن تكون طافراً، لتعني أن تكون مسلحاً في وجه الدولة دفاعاً عن الحقوق وضد الانتهاك والاحتلال والإكراه، فالطُفار ليسوا ضعفاء.


وبكونه ناصرَ دينِ هؤلاء، يعلن الرابر الغاضب، عبر هذا الاسم- البيان، يعلن «خياره»، ويصنع «قَدَره»، ويملأ وجوده المُرَّ بالمعنى، وهي كلها من حقل مفردات واحد تقريبا، آن كانت هذه الأسئلة والسرديات الكبرى، محرضا نظريا لغضبة الشباب المجيدة منذ النصف الثاني من ستينيات القرن الماضي. لربما أن «الراس» و«ناصر» ليسا في وارد استحضار شيء من ذلك، أو هذا هو الاحتمال الأرجح، لكن مقطعاً آخر على الانترنت، يغري باستكناه هذه المشهدية أكثر.


للناصر أغنية أخرى اسمها «براءة»، تحكي تجلي الله، إنساناً محاصراً في مخيم اليرموك، وطفلاً من أطفال درعا، وقلباً يرتجف من الخوف في حلب، كما تراه أيضاً «صوب بعلبك، موجود بكل ضيعة، ع الرصيف مع شغيلة الفاعل عالبحصاص»، ومن ثم يمرّ في الأغنية تجلٍّ آخر لافت، لهذا الإله اليساري جداً: واحداً من الطُفار، ممن فضلوا العيش مع السلاح على العيش مع عائلة، والعيش على تماس مع عدوه، بدل العيش في جيرة جاره: «طافر بسهول ما بتتسعر بالمال، مبدل أهلو بسلاحو، وجارو باحتلال».


لا أعتقد بأن ناصر يعرف عن أي طافرٍ، أكثر مما يعرف عن نفسه، لذلك فإن لنا أن نحزر، أو نسيء الظن عمداً، عن أي طافرٍ بالتحديد يتحدث، درى أو لم يدرِ.



ولأن المغالاة والاعتباط يصعدان كهرمونٍ في آخر الليل، يجب أن أتذكر شيئاً آخر متعلقاً. في مقابلةٍ شهيرة أجراها سعد الله ونوس مع جان جينيه، يحكي جينيه أن سيمون دي بوفوار، أخبرته بأن سارتر الليلة الماضية، «شرب عدداً كبيراً من كؤوس الويسكي»، ليعلن في آخر السهرة «أنه الله»، أيضاً!، وآمن سارتر بكلامه، مخبراً جينيه بأنها «ليست أول مرة»، وأنه شعر بذلك فعلا.


ولكن هذا التصريح بالامتلاء بالمعنى، هو في حالة الطفار أكثر دلالة وغنىً من حالة ذلك الفيلسوف العجوز السكران، حيث يواصل ناصر والراس والآخرون، من قلب ثورتهم على الأرض، صناعة أغنياتٍ تغلي، يرُدَّون في آخرها على الجميع، وبينهم -وهذا شافٍ للغليل وإن يكن ردا ضمنيا- على «طلعت ريحتكن» وأفقها العقيم:


«ما في ريحة بسوليدير. ما في زبالة بسوليدير. هيي زبالة سوليدير».


المشكلة ليست في القمامة ولا القمامة القابعة تحت قبة البرلمان كما يطيب لبعضهم أن يقول، بل تكمن المشكلة في أساسات التعاقد الذي يجمعنا، وبالتحديد في التوزيع المرعبِ للثروة، والمشكلة في المصرفيين والرأسماليين والمافيا الحاكمة والبيروقراطية والشركات التي تطحن الناس في شرهها الرهيب للربح.

هيي زبالة سوليدير..


وهكذا، قريباً من أزمنةٍ كثيرةٍ أخرى تتراكب بشكل جنوني في راهننا الصاخب، فإن لنا نحن أيضا حكايتنا الخاصة التي تجدد نفسها نحو التغيير. وأصدقاؤنا الحالمون يعيدون ضخ الحياة في فكرة ربط الاقتصادي بالسياسي، مثل كل ماركسي عنيد، على «أرض الشام» عام 2015، ويعرفون ماذا لديهم ليفعلوه، ويعرفون عدوهم جيداً، ومثل كل مرة، ليس لديهم ما يخسرونه غير أغلالهم. ولم لا؟