تحدي النسوية في سوريا: بين العزلة والانسانوية

نشر في‫:‬الخميس, نيسان 23, 2015 - 13:32
الشعب السوري عارف طريقه
الكاتب/ة: خلود سابا.

هل نحاول أن نفهم واقعنا ومجتمعاتنا وتحررنا باستخدام ما ليس لنا وما لم نصعنه ولم ننتجه؟ 

يكمن أحد أهم عوارض نكسة نشأة تيار "جديد" للحركة النسوية في سوريا في الانكسار أمام انتصار بنية اللغة القديمة- الجديدة، بوعيها التقليدي وبنيتها البطريركية والذكورية في خطاب وممارسات الحركة النسوية والنسائية، ومن الممكن الحديث عن حالة من عزل وحصار الوعي التحرري الناشئ مع بداية الثورة السورية عام 2011. يمثل هذا العارض، كما غيره، حالة مهمة لدراسة وفهم استراتيجيات القوى والسلطات المسيطرة على المشهد القائم السياسي والاجتماعي والثقافي؛ وفهم أدواتها وطرقها في إخراس وتهميش المجتمع. ويبدو حال النساء في سوريا أكثر درامية من احوال رفيقاتهن في المنطقة العربية بسبب انتشار الفاشية والظلامية في فرض السلطة والسيطرة التي تمثلت عبر ممارسات أطراف الصراع العسكري، ومستوى العنف ومأسسته، والتعقيد الحاصل نتيجة عولمة الصراع إلى حلبة تصفية حسابات جيوسياسية بين القوى الدولية (١). 

بالنتيجة، إن القوى النسوية السورية محاصرة، بين طرح جندري دولي وعنف محلي التطبيق، يحاولان تأطير صورة المرأة إما لأن تكون "ضحية" للعنف، أو "ناشطة" ضد الحرب والعنف. يتجاهل هذا الطرح الطبيعة الانسانية للمرأة والرجل. اذ تفترض الطبيعة البشرية الإختلاف في المواقف والآراء البشرية من رجال ونساء في مختلف الشؤون الانسانية. فبعض النساء، كما الرجال، وإن بدرجة أقل، يشاركن في الصراع المسلح، بشكل مباشر أو غير مباشر. ويساهمن بتعزيز القيم الأنثوية والذكورية التي تغذي ديناميكية الصراع. ان مفاهيم الذكورة السائدة لا تكفي لدفع الرجال إلى العنف، ذلك أنه، وعلى عكس ما يسود، من ربط الميل للعنف إلى الرجال، فإن القدرة على حمل السلاح والقتل والقيام بالنشاطات الحربية التي تختلف بشكل حاد مع تلك القائمة في أوقات السلام، تتطلب ما تعتمده المؤسسات العسكرية من تدريب قاسٍ  وهيكلية قمعية. وترتكز أيضا على تحطيم خصوصية الفرد وبناء ولاء مطلق قائم على طاعة الاوامر مهما كانت (٢). أما المجموعات المسلحة غير الحكومية، فتعتمد على قيم مشابهة للذكورة والانوثة. لكنها في حالة الصراعات والحروب الاهلية المؤججة على أسس الهويات الاثنية أوالدينية المركبة محلياً وعالمياً، تميل للاعتماد على الصور الجندرية المحرّكة للعصبيات الأكثر بدائية في المجتمعات البطريركية.    

تعتمد النزاعات المسلحة بشكل كبير ثقافياً واجتماعياً على قيم "الذكورة" و"الأنوثة"، وتعيد أحياناً انتاجها بشكل أكبر جذرية خدمةً لأطراف الصراع المسلح (٣). قيم الذكورة المتعلقة بـ"الشجاعة" و"الإقدام" وضرورة المشاركة في القتال والدفاع عن العائلة والعشيرة والطائفة ودور "الحامي" التقليدي المتوقع من الرجل، القوة البدنية وحتى صور جسدية معينة تصبح مرغوبة ومفضلّة، ويتم العمل على "تسويقها" كقيم وصور جذابة للنساء، وذلك لجذب الرجال والفتيان إلى العمل المسلح ولمكافأتهم على تعزيز السلطة البطريركية. وعلى الرغم من انتشار الهشاشة بفعل انتشار العنف والتعرض لآثار النزاع، الا إن هذا الاستخدام يتفاعل بالنتيجة مع الجندر كمبنى إجتماعي ويعظّم في أوقات الحروب من الهشاشات الجندرية القائمة في المجتمعات في حالة السلم.

لذا، فإن نتائج وآثار الحروب والصراعات المسلحة على النساء تتخذ أشكالاً مختلفة عن تلك التي يتعرض لها الرجال وتقتضي فهماً لحالة النساء قبل الحرب في المجتمع. فالتركيز التاريخي على تعرض المرأة للعنف خلال أوقات الحروب والنزاعات ليس بغير حقيقي، لكنه غير دقيق، إذ إن هشاشة النساء وسهولة تعرضهن للعنف والاعتداءات هي إحدى نتائج التهميش والظلم والتجاهل الاجتماعي والاقتصادي المتجذر في المجتمع، وأي محاولة لوقف العنف تجاه النساء تقتضي فهم تجاربهن الاجتماعية والاقتصادية الحياتية.

إن مفاهيم الذكورة والأنوثة المستخدمة في أوقات الحروب (والسلم) لا تعتمد فقط على توزيع القوى الجندري في المجتمع، بل ايضاً بشكل كبير على أنظمة صناعة الخطابات والمفاهيم والمعنى واللغة السائدة والمتجذرة في المجتمعات. وتفسر سيطرة المؤسسات البطريركية على إنتاج المعنى والمقبول من الأدوار في المجتمع، فهدر الكيان الانساني للمرأة وهو شرط تحقيق وديمومة سيرورة الهدر الانساني عامة (٤).   

بعض الأمثلة السائدة هي ارتباط الحرب بالذكورة وبالتفوق والقوة والحزم والحماية والشجاعة وكونها الحل الناجع للمشاكل الوطنية والقومية، وارتباط السلام بالأنوثة والتفاوض وحلول اللحظة الاخيرة قبل الهزيمة في الصراعات. وفي مثال آخر، ترتبط  رمزية المرأة والأم (وجسدها) بالوطن والأرض في كثير من الايدولوجيات الوطنية، وتستخدم هذه الرمزية لدفع الرجال إلى الانضمام للدفاع عن الوطن/المرأة من أي "اجتياح" أو "اختراق" أو "اعتداء". بالإضافة إلى ذلك، يرمز جسد المرأة إلى قدرة المجموعة العائلة/العشيرة/المذهب على التكاثر والبقاء والاستمرار في وجه الاعتداءات ومحاولة "الإبادة".   

يعزز هذا الخطاب الأفكار الجندرية الثابتة عن دور المرأة كفاعل سلام والرجل كفاعل حرب. وأيضا عن "الميل الطبيعي" للرجل الى العنف والمرأة الى السلام. وبالتالي الحفاظ على القيم والادوار الجندرية التقليدية في المجتمع، وتفويت الفرصة على تغيير وتعديل النظم الحاكمة على اساس الجندر واللامساواة في المجتمع. فصل الحراك النسوي عن الحراك المجتمعي عامة يعتمد هذه الاستراتيجيات في الطرح حيث عزل النساء في ادوار محددة جندرياً، وبالتالي يعزل النسوية عن مجالها الحيوي: القوى الشعبية التي تعمل على تغيير موازين القوى الحاكمة للمجتمع.  

إن تحدي ونقد ما يسميه ماركس بـ "الوعي الزائف" وما يصفه سِن بـ "الأوهام الموضوعية" (٥) كتقدير المظلوميات مجتمعياً، حتى من قبل المظلومين أنفسهم يجب أن يكون تمريناً روتينياً، إذ أن تركيب هذا الوعي متأثر بدرجة كبيرة بالشروط السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية في المجتمع وبالتالي فإنه قد يكون انعكاسا غير دقيق أو غير حقيقي عن الواقع. إن أي محاولة لفهم الظلم والتفاوتات اللاحقة بالنساء عليها الاعتماد بشكل كبير على الرؤى المختلفة للنساء لذاتهن وعلى تجاربهن، ولكن عليها ان تأخذ بعين الاعتبار أن القدرات والحريات التي تنعكس في الوعي المشكِل للأفراد المتكون من عملية تراكمية ومعقدة ومحددة بالشروط المايكروية السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية. 

إذن، للمعرفة دور مركزي وحيوي في أي نضال نحو مجتمع أكثر عدالة ومساواة بين أفراده. تراكم الوعي والمعرفة حول الظلم وآلياته وكيفية انتاجه ومسارات هذا الانتاج يفسر القبول والإذعان المجتمعي للظلم والتفاوتات والتمييز والعنصرية. ويساعد في أن يطور وينضج فهمنا للوضع الأكثر عدالة. إن شرط هذه المعرفة الإنسانية أن تكون مبنية على حرية استقلال الفكر والانفتاح لبناء القدرة على التقييم والعلم بالأوضاع الذاتية للتفاوت والتمييز ولمراجعة المعتقدات المجتمعية السائدة. عند ذلك، ستكون هذه المعرفة "محررِة" لكل من المظلومين والظالمين إذ أنها ستقدم مساراً للقطيعة مع حلقة الاستبداد التي عادة ما تعيد إنتاج ذاتها حتى لو تغير موقع القامع والمقموع (٦). ولربما مع فداحة الهدر الانساني في سوريا، ستلقي النسويات السوريات عن كاهلهن خطاب المساواة الكاذب، ويعدن إلى الدور الأصيل للنسوية كفضاء معرفي للتحرر الانساني من القهر والظلم. 

-- 

الهوامش:

(١) االمركز السوري لبحوث السياسات، 2014."الأزمة السورية وقوى التسلط" 

(٢)  Cohn, “women and wars”, 2013. Polity Press
 
(٣) المصدر السابق
 
(٤)  مصطفى حجازي، 2006: "الانسان المهدور: دراسة تحليلية نفسية أجتماعية" الطبعة الثانية. المركز الثقافي العربي 
 
(٥)  Sen, 2009. “The Idea of Justice”. Harvard University Press.
 
(٦) Freire, 1996. “Pedagogy of the Oppressed”. Penguin Education.
 
--