يوم سقطت أسطورة الإعلام اللبناني

نشر في‫:‬الخميس, نيسان 23, 2015 - 12:43
الكاتب/ة: ليال حداد.

عرّت الثورة السورية الإعلام اللبناني. بكثير من الواقعية، يمكن القول إنه في شهر مارس/آذار 2011، خسر الإعلام اللبناني الهالة التي أحاطت به منذ ستينيات القرن الماضي. ببساطة، لا حرية ولا من يحزنون. لا دور طليعي، ولا منارة العام العربي. وقف الإعلام اللبناني كاملاً تقريباً إلى جانب النظام السوري. ومن وقف إلى جانب الثورة بدا إما خجولاً، إما قاصراً عن الإضاءة على حقيقة ما يجري على الأراضي السورية. 

فبعد 3 أشهر من التهليل للثورات العربية، وتوزيع بوسترات الثوار، وإخراج كليبات غنائية على صوت الشيخ إمام... عاد الإعلام خطوتين إلى الوراء مع انطلاق التظاهرات السورية. ومع ارتفاع أول هتاف سوري يطالب بإسقاط نظام البعث، خرج الإعلام بقراره النهائي: إلى جانب النظام "ضد المؤامرة الهادفة إلى إسقاط آخر قلاع المقاومة في الشرق".

ثمّ جاءت "داعش" وأخواتها، لتعطي لهذا الإعلام دفعاً إضافياً في تغطيته المخزية لجرائم النظام السوري: "إنه يحارب الإرهاب" قالوا لنا. ليصل التأييد إلى ذروته مع دخول "حزب الله" سوريا، بداية للدفاع عن المقامات الشيعية المقدّسة، كما قيل، ثمّ للدفاع عن سوريا، ثمّ للدفاع عن نظام الأسد. 

لكن لا شكّ أنه، عند كتابة تاريخ الصحافة اللبنانية الحديث، سيتوقّف المؤرخون طويلاً أمام الفترة التي شهدت إنطلاق الثورة السورية: فخلال الأشهر الأولى للثورة، حصل انقلاب تام في المشهد، غادر صحافيون مؤسساتهم، تحديداً صحيفتي "الأخبار" و"السفير" بعد انحياز الصحيفتين الأكثر انتشاراً في لبنان إلى جانب النظام. أما صحيفة "النهار" فكشفت للمرة الأولى بشكل واضح عن انحدارها التام، وغيابها عن اي إمكانية تأثير على الرأي العام.

وخلف كل هذه المواقف، أولاً وأخيراً اصطفاف طائفي حاد، يرتدي أقنعة كثيرة، منها القناع العروبي، أو ذاك القومي، أو حتى الحقوقي... لكنّ الطائفية تنضح من كل ما نقرأه من تحليلات ومقالات. حتى بالنسبة لوسائل الإعلام القليلة المؤيدة للثورة، بشكل أساسي تلك المموّلة من "تيار المستقبل". هناك، في سوريا، المعركة سنية ـ شيعية، وكل كلام آخر عن حرية شعب، وعن معتقلين، وعن براميل متفجّرة، مجرّد تفاصيل مملة أمام الثنائية الطائفية. 

في الإعلام المرئي، لم يبد المشهد مختلفاً. هالة النظام السوري بقيت ترفرف فوق قنواتنا المحلية. المحطات الحزبية التزمت بموقف احزابها: "المنار"، "أو تي في" و"أن بي أن" تكاد تشبه الإخبارية السورية بتغطياتها، وإن تميزّت بصياغة أكثر واقعية لرواية الأحداث. أما قناة "الجديد" فحسمت هي الأخرى خيارها باكراً إلى جانب "فارس العرب" بشار الأسد. وإن حاول بعض مراسليها تقديم تقارير ممتازة، متوازنة وواقعية عن حقيقة ما يجري في سوريا. "المؤسسة اللبنانية للإرسال إنترناشونال" حاولت الهروب من الشق السياسي إلى الشق الإنساني: تقارير عن النازحين السوريين، في لبنان، عن الموت جوعاً في الغوطة وفي مخيّم اليرموك... لكنّها فضّلت هي الأخرى في كثير من الأحيان "التغطية المتوازنة" فتقدّم في تقاريرها رواية "وكالة سانا" ورواية "المرصد السوري لحقوق الإنسان". 

أما القاسم المشترك بين أغلب هذه المحطات فكان التغطية المخزية لسقوط القصير وغيرها من المدن في يد حزب الله وجيش النظام السوري. يومها سارعت القنوات إلى إرسال مراسليها إلى "المناطق المحررة" في تغطية تكاد تكون مجرد "بروباغندا" أكثر من رخيصة لـ"بطولات الجيش العربي السوري في محاربة الإرهاب".

لكن الدخول إلى قلب الثورة السورية بشكل مباشر، لم يحصل إلا مع تدفّق مئات آلاف اللاجئين السوريين إلى لبنان. فجأة احتلّ الخطاب العنصري الشاشات: يفتح الهواء ساعات لوزير يطالب بإقفال الحدود في وجه الهاربين من الموت... ثمّ تدور معارك بين مسلحين والجيش اللبناني، يتمّ الاعتداء العسكري على مئات السوريين اللاجئين في خيمهم. فيصمت الإعلام صمتاً مخزيا. يشهد الإعلام على القتل وانتهاك حقوق الإنسان ويسكت: الآن نحارب الإرهاب.

لكنّ إنصافاً، لبعض هذه القنوات، فإن التقارير الإنسانية،  ظهرت بشكل أساسي على قناتي "المؤسسة اللبنانية للإرسال إنترناشونال" و"الجديد" وقناة mtv في مرحلة لاحقة. تقارير مطولة عن أزمة البرد والتدفئة، أزمة المدارس، أزمة العمل، أزمة التجارة بالسوريات... لكن كل ذلك كان يحصل بمجهود فردي في هذه المحطات، بمجهود رئيس تحرير، أو مراسل، أو مستكتب... فيما الخطّ العام كان بشكل مخيف متجاوب مع ما يردده اللبنانيون: "نحن نكره السوريين، هؤلاء يقتلوننا، يغتصبون بناتنا، ويسرقوننا". 

أما جائزة وسيلة الإعلام الأكثر عنصرية، فتنافس عليها بداية صحيفة "النهار" وقناة mtv، لتنفرد "النهار" على الساحة بسلسلة تقارير ومقالات عن "السوريين الذين يسببون زحمة السير"، "السوريين الذين يتنقلون على الجمال في بيروت"، "الأطفال السوريين الذين تحولوا إلى قنابل موقوتة" و"السوريين الذين غيروا وجه الحمرا"... 

غداً عندما تنتصر الثورة في سوريا... غداً عندما تهدأ الأوضاع، سيكتب الكثيرون عن تعاطي الإعلام اللبناني مع هذا الملف. والأكيد أن المحصلة لن تكون مشرّفة. مجدداً: الدكتاتوريات الطائفية أقوى من شعارات الحرية. صحافة بيروت شاهدة على ذلك.

--