أغنية لصراع مغيب

نشر في‫:‬الخميس, نيسان 23, 2015 - 12:35
الكاتب/ة: سامي غريب.

فهم المُنتج الفني لا يتحقق إلا في موضعته في سياقه الاجتماعي، بما هو حصيلة علاقات فاعلي المجال الفني، في استقلاليته النسبية، وعلاقة المجال نفسه بالمجالات الاجتماعية الأخرى. وهذا ما يفرض، إلى حد ما، سيادة أنماط بمعاييرها، دون غيرها. لكن السيرورة الثورية، التي تشهدها بلدان عربية، في السنوات الأربعة الأخيرة، تخلخل السائد، وتطرح بديلاً تجاوزياً، طالما أنها موجهة في الأساس ضد المجال السياسي نفسه، وآليات عمله، وهو الأكثر سلطوية في النظام الاجتماعي.

والحال إن التساؤل عن مواقف فاعلي النمط الغنائي السائد، في لبنان، حيال هذا الحراك الثوري مفيد، أقله، في محاولة فهم آلية اشتغال المجال في عمومه. مع ذلك يبدو واضحاً أن الغناء اللبناني، في ما يسود فيه، من موضوعات فردانية/ عاطفية، يبتعد عما يشكل هماً عاماً، إلا في حالات قليلة تُنتَج فيها أغان ترتبط بمناسبة أو حدث ما. في هذا المعنى لا يشكل "الصراع السياسي" مادة للكتابة والتأليف الموسيقي، خصوصاً في ظل تراجع انتاج "الفن الحزبي"، واقتصاره على توجهات محددة.

في آخر الأمر، يقرر فاعلون متعددون خيارات هذا المجال، من مؤلفين ومغنين وشركات انتاج وجماهير، وغيرهم. وتؤدي المجالات الاجتماعية الأخرى دوراً في تغليب خيار على غيره، كما في تأثير المجال الاقتصادي. هكذا، يبدو غناء مسألة اشكالية، كالسيرورات الثورية المذكورة، تجاوزاً أولياً لاستقرار يفرضه المجال على نفسه. لكن، لبنانياً على الأقل، لا يمكن الحديث إلا عن تجربة وحيدة واضحة التوجه، في هذا السياق، وهي أغنية "الربيع العربي" لهبة طوجي وأسامة الرحباني.

لا تعلن أغنية طوجي موقفاً سلبياً من الثورة بذاتها، كتغيير للعلاقات السائدة، بل من مآلات تعتقدها لهذا "الربيع العربي"، في تحوله إلى "ثورة حمراء تقتل باسم الأديان" أو "ربيع أحمر". في كل الحالات، تغيب كلياً السلطة الحاكمة في هذه البلدان، ويحضر "الشعب" عاماً، يحاول التخلص من ظروف عامة بدورها، لا تنتجها بالضرورة علاقات أو أنظمة مهيمنة. وفي مدى أبعد يظهر "الشعب" نفسه، وهو في الأغنية بمظهر أطفال وأشخاص أبرياء، في مواجهة أولئك الذين جاؤوا "من ضيع بعيدة"، أي الذين يقتلون بـ"اسم الأديان".

على أن هذا التمثيل للـ"الصراع" لا يبدو، في حد كبير، بعيداً عن إرث الرحابنة نفسه، إذا أردنا موضَعة هذه الأغنية في السياق التاريخي الذاتي لمنتجيها، بغض النظر عن احتقار مفارِق للضيع البعيدة، مما ليس معتاداً في الكلام الرحباني، مع إمكانية فهمه برده إلى انتقال السلطة إلى توجهات مدينية. 

فيما تبقى، تلتزم الأغنية رحابنية بحتة تقريباً. فالصراع بلا مسببات، وهو داخلي بين جماعتين، ولا علاقة للـ"السلطة"، في مكانتها الفوقية، به، رغم اعترافها بمأزق هذه الشعوب وسعيها للحرية. فـ"الأيديولوجيا مضطرة لأن تعترف ببعض الواقع من أجل إحكام عملية توريته أو إزاحته من صعيد إلى آخر. (...). بل هي مضطرة أحياناً لبث رسائل متفاوتة بل ومتناقضة. على أن الايديولوجيا لا تسأل نفسها عن تماسك قولها، إنما تسأل نفسها عن فاعلية ذلك القول. وليست الأيديولوجيا معنية بالمعرفة. إنها معنية بالتأثير والنفوذ وتوازن القوى"، على ما كتب فواز طرابلسي في كتابه "فيروز والرحابنة" (دار الريس، 2006)، عن مسرحية "جسر القمر"، التي عرضت في بعلبك عام 1962، وكان النزاع فيها مناكفة قروية يتطلب حلها سحراً واعجازاً.

--