فن التجنب والمجانبة

نشر في‫:‬الخميس, نيسان 23, 2015 - 12:22
الكاتب/ة: روجيه عوطة.

يتجنبون قذائف وصواريخ وبراميل ورصاص نظام البعث في سوريا. بعد أن فروا من معتقلاته، ها هم يتقون عودته، ابتلاعه لهم من جديد. القتل يحاصرهم، الخطر، المجاعة، والصقيع. لا أحد يراهم، ولا أحد يكترث لهم. يصنعون مما عندهم، ومن لا-رؤيتهم، ممكن بقائهم على قيد العيش، هذه هي المواجهة الأولى. ويبدعون مما عندهم، ومن اللا-إكتراث لهم، ممكن بقائهم على خط الحياة، هذه هي المواجهة الثانية. بين المواجهتين، يقاومون الأبد، ويجانبون الموت، كي لا يقعوا فيه. 

هؤلاء السوريون، الذين لا يرسمون، لا يصورون، لا يغنون، لأنهم يمارسون تلك الأفعال دون أن يقوموا بها، على اعتبار أنها اكتسابات معرفية، أو تقنية، أو مؤسساتية. هؤلاء هم الفنانون، القائمون، والممكنون، نتيجة تحركهم في الوسط، هناك، بين أبد النظام وتأبيده، وموت الجهاد الديني وتمويته.

ما عاد الفن محصوراً في أمكنة وأشخاص بعينها، تستخدم "تقنيات التعبير" و"أدواته وعناصره"، كالألوان، والكاميرات، والآلات الصوتية إلخ. ما عاد الفن محصوراً بـ"فناني الثورة"، أي الذين يخطون لوحة، أو يصورون فيلماً، أو يسجلون أغنية، موضوعها الثورة السورية. المحاصرون بين أرض الأبد وأرض الموت هم فنانو الأحداث، بلا أن يتكلموا عنها، بلا أن يكرروا الكثير من المقولات عن هذا الحدث أو ذاك، فيعيقوا التفاعل معه أو خوضه. هم يتفنون في التعامل مع أوضاعهم، استخلاص إمكانات مغادرتها، بدون أن يكون الإنتاج الفني والتسويق له غايتهم.

الفن بلا فن، هذا هو الفن السوري. هدفه بمثابة سبيل إلى تجنب الأبد ومجانبة الموت. تجنب التعالي نحو النظام ومجانبة الوقوع في التطرف. تجنب العودة ومجانبة السقوط. لقد نزل السوريون، في آذار 2011، من سماء البعث الإعتقالي. كان النزول حليفهم. أما اليوم، فالسير هو سلاحهم، الذي يصوبوه نحو السماء، وعبره، لا يقعون في الهاوية المحفورة في الأرض، التي بلغوها.

لا شك أن في الفن السوري صعوبة، تنم عن الضغط الشديد، الذي يأتيه من أغلب الجهات المحيطة به. السوريون يتعرضون للإبادة على أيدي بشار الأسد والنظام العالمي، ورغم ذلك، لا زالوا يمارسون عيشهم كأنه مقاومة. ومقاومتهم كأنها عيشهم. وهذه الممارسة، المواجهة، يخوضونها بأجسادهم، بقدرتها، التي يتمرنون عليها، ويحاولون تفعيلها، أي جعلها فعلية، بعد أن كانت ملجومة. القدرة في مواجهة القوة، والأسلحة، من النكات المؤلفة في حمص إلى ذلك الطفل، الذي خرج من ركام منزله، مفتشاً عن بعض أغراضه، ومن ثم مشاركاً في مظاهرة فوقها.

أن يتعرض المرء للقصف اليومي، ويخرج من بعده، ناظراً، ومعايناً، فهذا هو الفن أيضاً. استعمال العين، الأذن، وكل عضو من أعضاء الجسم، هو ما تبقى للسوريين. بذلك، يبدأ الفن، ومعه السياسة، التي ترى، وتشعر، وتخطط، وتحاول حماية ممارسيها، ودفعهم إلى مبارحة كل ما خلفه الأبد فيهم، من خلال صناعة احتمالات وإمكانات حيوية أخرى. النظر في عالم أعمى من شدة نظره، والإحساس في عالمٍ، استنقعت انفعالاته من إفراطه بها، وإصرار على الحياة في عالمٍ، أنظمته، ودوله، لا ترغب سوى في الأبد، وتعمل على تأبيد المحكومين. 

الفن في سوريا ليست "أسلوب حياة" على ما يُقال مدحاً في مسيرة فنية. إنه سبيل إلى الحياة، بحيث يُمارس على خطها، بتجريب وسائل المقاومة، والتمرن عليها. الانطلاق من الصفر، من الوجود، ومحاولة الإقدام به والتقدم عبره. فعلياً،  ما عاد السوريون، اليوم، يحتاجون إلى فن يصف مُعاشهم، أو يتوجه من واقعهم إلى الآخرين، دافعاً إياهم إلى التفاعل الشعوري مع "الأزمة" أو "الحرب".

فعلياً، السوريون، الخارجون من الأبد وعليه، يصنعون أنفسهم من جديد، ويتفنون في ذلك. وما يحتاجون إليه، ليس البكاء على أحوالهم، بل مساندتهم فيها، والتحرك بجانبهم لطرد النظام من كل تفصيل يومي. فعلياً، الذين فروا من الأبد، يخلقون شعباً جديداً، متحركاً، غير مجمد. إنه شعب من الفنانين، الذين، يوماً ما، سيسقطون عالماً، أبى إلا أن يسقط في عالمهم.

--