سياسة البلاشفة تجاه المسيحيين

نشر في‫:‬الاربعاء, شباط 18, 2015 - 18:19
الرسم للرسام يوسف عبدلكي
الكاتب/ة: دايف كروش.
ترجمه‫/‬ته الى العربية‫:‬ وليد ضو      
المصدر‫:‬      

‫عند سؤال أغلب المؤمنين عن الاتحاد السوفياتي سيعددون لائحة من الجرائم التي ارتكبها ستالين ضد الإيمان من أي نوع كان. وفي كثير من الأحيان سيوصم جميع الاشتراكيين بنفس التهمة. ومع ذلك، إن الستالينية لا علاقة لها بالحزب البلشفي خلال أيام لينين، أو خلال السنوات الأولى لحكمه في روسيا. في البداية، حين كان برنامج الحزب الحاديا بشكل علني، لم يكن الالحاد شرطا من شروط العضوية في الحزب: بالنسبة إلى البلاشفة، كان الدين شأنا خاصا لكل مواطن. عام 1905 كتب لينين نقدا لاذعا ضد إدراج الالحاد ضمن برنامج الحزب، وأصر على: "أن عدد الكتيبات أو التحريض الدعائي لا يمكنها لوحدها أن تنير البروليتاريا ما لم تنير كفاحها ضد القوى الظلامية للرأسمالية" (1)‬.

‫لذلك توقع الاشتراكيون أن يحمل أشخاص أفكارا دينية ‬عندما يتصلون بمنظمات اشتراكية، وهم سيتخلون عن معتقداتهم الدينية فقط عندما يقتنعون بقدرتهم على تغيير العالم. ماركس قال جملته الشهيرة: "الدين أفيون الشعوب" مع اعترافه بأن الدين يوفر لغة من خلالها يعبر الناس عن واقع قهرهم وعن تطلعاتهم لمقاومة هذا الظلم:

"المعاناة الدينية هي، في آن واحد وفي الوقت عينه، تعبير عن معاناة حقيقية واحتجاج على معاناة حقيقية. إن الدين هو تنهيدة الكائن المقهور، وهو القلب في عالم بلا قلب، وهو الروح في محنة بلا روح. إنه أفيون الشعوب" (2).

لينين كان واضحا عندما اعتبر أن الإصرار على العمال للتخلي عن معتقداتهم الدينية قبل الانضمام إلى حزب ثوري هو انتحار سياسي. على العكس من ذلك، فقد شجع على استقطاب المؤمنين: "نحن نعارض تماما أدنى إهانة لمعتقداتهم الدينية"، كتب عام 1909. ومن فعل ذلك، وصفهم بـ"الأطفال الماديين المبتدئين":

"أعمق جذور الدين، اليوم، هو الظرف الضاغط الاجتماعي لجماهير الطبقة العاملة وعجزها الكامل والواضح في مواجهة القوى العمياء للرأسمالية، والتي في كل يوم وكل ساعة تلحق بالعمال العاديين أسوأ العذاب وأكثره وحشية، ألف مرة أشد من تلك التي تحدثها الأحداث الاستثنائية مثل الحروب والزلازل…" (3).

فهم الماركسيون الروس أيضا أن راديكالية العمال يمكن أيضا أن تنعكس في معتقداتهم الدينية. في سيرته الذاتية ذكر تروتسكي أن العمال في أوكرانيا خلال موجة الإضرابات خلال نهاية القرن 19، قطعوا بشكل جذري مع الكنيسة الأرثوذوكسية الروسية للانضام إلى إيمان آخر، مثل المعمدانيين الذين "شنوا حربا على الدين الرسمي"، وكان ذلك غالبا خطوة أولى على طريق السياسة الاشتراكية، "مرحلة مؤقتة لهم في تقدمهم نحو الثورة" (4). ملاحظة مماثلة تكمن وراء اقتراح لينين عام 1903، لنشر صحيفة تتوجه إلى المذاهب المسيحية، البالغ عددهم عامذاك 10 مليون نسمة في روسيا. وقد صدر تسعة أعداد من صحيفة راسفيت "الفجر" خلال العام 1904 "على سبيل التجربة" (5).

مقاربة البلاشفة العلمانية غير المعادية للمسيحية وضعت موضع الاختبار خلال الإضراب العام في مدينة بطرسبرغ خلال شهر كانون الثاني/يناير عام 1905. توج ذلك في مسيرة ضمت 200 ألف عامل لتقديم عريضة إلى القيصر في 9 كانون الثاني/يناير، وانتهت بوقوع مجزرة على يد القوات القيصرية. قاد الحركة الكاهن غريغوري غابون، الذي كان يشتبه على نطاق واسع بأنه جاسوس للشرطة. ومع ذلك انضم البلاشفة إلى التظاهرة، وبعد ذلك بذل لينين كل جهد ممكن للقاء غابون، والتحدث معه وحتى محاولة استقطابه (6). كان غابون كاهنا أرثوذوكسيا روسياً والكنيسة كانت مرتبطة ارتباطا وثيقا بالدولة القيصرية، وصولا إلى أدنى التسلسل الهرمي. بعض من كهنتها قادوا المجازر بحق اليهود، ونظموا مجموعة "المئات السود"، العصابة التي كانت تهاجم العمال وأي معارض للنظام. ولكن في الواقع إن استخدام القيصرية للمذهب الأورثوذوكسي كسلاح الطبقة الحاكمة لم يعم البلاشفة إلى حقيقة أن العديد من المواطنين الروس العاديين يؤمنون بهذا المذهب لأسباب مختلفة جدا.

عندما وصل البلاشفة إلى السلطة في تشرين الأول/أوكتوبر عام 1917، وأعلنوا أن الدولة السوفياتية ستكون غير دينية، ولكن غير معادية للدين. في كانون الأول/ديسمبر جرى فصل الارتباط بين الكنيسة الأورثوذوكسية والدولة وبالتالي فقدت حقوقها بالملكية الخاصة، وأصبح تسجيل الولادات والزواج والطلاق والتعليم غير ديني ومن وظيفة الدولة. واستعملت الكنائس كمدارس ومراكز إيواء…، ولكن كان يمكن للجماعات الدينية ملء الحرية لتقديم التماسات للمسؤولين المركزيين أو المحليين لاستخدام أي مبنى شاغر للعبادة. المدارس كانت علمانية، ولكن غير معادية للدين.

إصدار مرسوم يختلف تماما عن فك الارتباط مع الكنيسة تمارس شعائرها. في بعض الأماكن كان الإيمان الأرثوذوكسي كبيرا وحصلت حالات اشتبكت فيها الأبرشيات مع البلاشفة حول السيطرة على ممتلكات الكنيسة. وقد جرى انخفض الدعم الشعبي للمذهب الأرثوذوكسي، ولكن في نهاية العام 1921، عندما رفض البطريرك تيخون بيع المقتنيات الثمينة الضرورية لرفع قيمة العملة اللازمة لإطعام ضحايا المجاعة الذين كان عددهم بالملايين. كان هذا هو السياق الذي أدى إلى إعدام نحو 45 كاهنا لتنظيمهم المواجهة ضد حملة تروتسكي لمصادرة ثروة من الكنيسة. هذه السياسة القاسية يجب أن ينظر إليها في سياق حملة طوارئ لمواجهة المجاعة، وليس كهجوم ضار ضد الكنيسة (7).

في الواقع، ازدهرت بعض الكنائس المسيحية تحت حكم البلاشفة. الحركة الانجيلية البروتستانتية- التي تشمل عددا من المجموعات الدينية منها المعمدانيين والمسيحيين الانجيليين والخمسينيين والسبتيين- الذين تزايد عددهم من مئة ألف إلى مليون نسمة خلال العقد الأول من الحكم السوفياتي. عمل الإنجيليون على نطاق واسع، وبشروا بمعتقداتهم بنشاط، واستفادوا من إصرار الدستور السوفياتي على حرية الدعاية الدينية. ونشروا مجموعة من الأعمال الدينية، وأداروا مدارس الكتاب المقدس لتدريب الكهنة، ونظموا برامج خيرية وأنشأوا تعاونيات زراعية وصناعية (8).

أحد الأسباب الكامنة وراء نمو الدعوة الانجيلية كان القرار المذهل الذي أصدره تروتسكي في تشرين الأول/أوكتوبر عام 1918 (بدعم من الحكومة بعد بضعة أشهر) للسماح للناس الذين يثبتون أن معتقداتهم الدينية تمنعهم من الخدمة العسكرية بأداء الخدمة الطبية عوضا عن تلك العسكرية. وقد جاء هذا القرار وكانت الحرب الأهلية يزداد أوجها. الأكاديمي، بول ستيفز، الذي كتب عن الكنيسة الانجيلية والمعادي للبلاشفة، لاحظ أنه من المستحيل إقامة علاقة مباشرة سببية بين السلامية وتوسع الحركة، ولكنه أشار إلى أنه، مع إيلاء اهتمام خاص بالمعمدانيين، "الفترة المميزة [1917-1926] عندما سيطرت وجهة نظر سلامية على إدارة الاتحاد الروسي المعمداني الذي تزامن مع نمو لافت لعدد المشاركين في الحركة المعمدانية" (9). وبعبارة أخرى، انضم الشباب إلى الكنيسة الانجيلية هربا من الخدمة العسكرية. وبعد ذلك قررت القيادة البلشفية أن هذا هو الثمن الذي يتعين عليها دفعه لاحترامها المبدأ السياسي للحرية الدينية.

بوصوله إلى السلطة، كان لينين معنيا بأن البروباغندا الالحادية يجب أن تكون معتدلة. "يجب أن نكون حذرين للغاية في محاربة الأفكار الدينية المسبقة؛ بعض الناس سيسبب لهم ذلك الكثير من الضرر في هذا الصراع من خلال الإساءة إلى المشاعر الدينية. يجب علينا استخدام البروباغندا والتعليم. عن طريق انخراطنا بشكل حاد في الصراع فإن ذلك سيثير استياء شعبيا فقط"، كتب في تشرين الثاني/نوفمبر عام 1918. عام 1921 أقنع لينين اللجنة المركزية في الحزب أن تصدر تأنيبا لأعضاء الحزب الذين انتهكوا مشورته: "تجنب صارم لكل ما من شأنه أن يوفر أساسا لأي شخص من أية جنسية كان، ولأعدائنا بأن يقولوا أننا أعدمنا أشخاصا بسبب إيمانهم الديني". (10)

وقد سجلت حالات خرجت فيها مجموعات من الشيوعيين وأساؤوا فيها إلى المشاعر الدينية، حيث نظم اتحاد الشباب الشيوعي "الميلاد الأحمر" في 6 كانون الثاني/يناير عام 1923 حين انطلقت مواكب الطلاب والعمال الشباب وارتدوا ملابس المهرجين، وغنوا نشيد الأممية وحرقوا دمى لشخصيات دينية. ولكن هذه الأحداث كانت الاستثناء على القاعدة وقد هاجمتهم القيادة البلشفية (11). وعلاوة على ذلك، كانت الدعاية الالحادية فاشلة، كما كان متوقعا إثر تبدد الموجة الثورية عقب الحرب الأهلية الروسية وهزيمة الثورة الألمانية. رأى البلاشفة أن القضاء على الدين ممكن، فقط، عبر بناء "الحياة الجديدة"- النظيفة والدافئة والحياة الصحية، وتوفر الكهرباء والزراعة المتطورة وارتفاع مستويات المعيشة. ولكن في منتصف العشرينيات من القرن الماضي كان البلاشفة ما زالوا يكافحون للتغلب على العواقب الوخيمة لسبع سنوات من الحرب.

مقال لينين "أهمية النشاط المادي" نشر في آذار عام 1922، وقد صدر العدد الأول من جريدة الملحد في وقت لاحق من ذلك العام، أول جريدة ملحدة، جماهيرية ومتواصلة. ولكنها كما بقية المنشورات فشلت في الحصول على أي تأثير حقيقي. وقد تأسست عصبة الملحدين من مجموعة من الملحدين المحبطين عام 1925، لكنها كانت غير فعالة في سنواتها الأولى. وأصبح اسمها عصبة المناضلين الملحدين عام 1929 عندما حظر ستالين النشاط الديني. بعد ذلك ارتفع عدد أعضاء العصبة إلى 5 مليون عضو عام 1931. (12)

هذا النص هو جزء من نص أوسع نشر باللغة الانكليزية في مجلة الاشتراكية الأممية العدد 110 (ربيع عام 2006)، وقد ترجم تنظيم الاشتراكيين الثوريين- مصر الجزء المتبقي والأوسع منه، على يد الرفيقة نادية عبد القادر، ونشر في مجلة أوراق اشتراكية، في 1 نيسان/ابريل عام 2007.

الهوامش:

1: ‘Socialism and Religion’ (1905). All Lenin’s articles cited here are available at www.marxists.org/archive/lenin 

2: K Marx, Contribution to the Critique of Hegel’s Philosophy of Right (1843—emphasis in the original), available at www.marxists.org

3: ‘The Attitude of the Workers’ Party to Religion’ (1909).

4: L Trotsky, My Life (Harmondsworth, 1984), ch 6.

5: T Cliff, Lenin vol I: Building the Party (London, 1986), pp84-86.

6: As above, pp157-158.

7: W Husband, Godless Communists: Atheism and Society in Soviet Russia 1917-1932 (Illinois, 2000), pp54-57.

8: P Steeves, Keeping the Faiths: Religion and Ideology in the Soviet Union (New Jersey, 1991), pp85-86. In April 1929, all these activities, which had so facilitated the growth of the Protestant evangelical movement, were banned as Stalin consolidated his power.

9: ‘Russian Baptists and the Military Question, 1918-1929,’ in P Brock and T P Socknat (eds), Challenge to Mars: Essays on Pacifism from 1918 to 1945 (Toronto, 1999), pp21-40. 

10: Quoted in P Steeves, as above.

11: W Husband, as above, pp58-59.

12: See W Husband, as above, pp59-66. Under Article 17 of the law ‘concerning religious associations’: ‘Religious societies are prohibited from the following activities: a) creation of funds for mutual aid, cooperatives, industrial associations; and, in general, the use of property placed at their disposal for any other goals than the satisfaction of religious needs; b) providing material support to members; c) organising either special children’s, youth, women’s prayer and other meetings, or general Bible, literature, handicraft, labour, or religious study meetings, groups, circles, departments, as well as organising excursions and children’s playgrounds, opening libraries and reading rooms, and operating sanatoria and medical clinics...’