‫تغيير العالم والحياة: الماركسية التحررية بين الماضي والمستقبل‬

نشر في‫:‬الخميس, شباط 12, 2015 - 14:59
The Knifegrinder | Kazimir Malevich
الكاتب/ة: فابيو ماسكارو كيريدو.
ترجمه‫/‬ته الى العربية‫:‬ وليد ضو      
المصدر‫:‬      

‫لمدة طويلة كانت الماركسية والأناركية عدوتين معلنتين داخل الحركة العمالية. يكفي ذكر، على سبيل المثال، الخصومة بين ماركس وباكونين داخل اتحاد العمال الأممي (الذي عرف لاحقا باسم الأممية الأولى)، أو بعد ثورة تشرين الأول/أكتوبر‬ عام 1917، عند حصول "المواجهة الدموية" في كرونشتاد عام 1921. بكل الأحوال، وعلى الرغم من التباعد الذي لا يمكن تجاوزه ظاهريا، لا شك بأنه تواجد- واليوم يمكن تلمسه دون أي خشية عقائدية- كما أثبت أوليفيه بوزانسونو وميكائيل لووي في كتابهما المشترك "تقارب ثوري، نجومنا الحمراء والسوداء. نحو تضامن بين الماركسيين والتحرريين، حكاية أخرى لهذا التاريخ"، منذ أكثر من قرن وحتى أيامنا هذه، تقارب، وتضامن، وفي بعض الأحيان، انخراط في معارك مشتركة بين الماركسيين والأناركيين. وهذا ما يمكن ملاحظته في كومونة باريس عام 1871، وبعض المحطات خلال الثورة الاسبانية، أو مع الشخصية المؤثرة للويز ميشال، أو "الحساسية" الماركسية- التحررية لكتاب مثل والتر بنجامين، وأندريه بروتون ودانيال غيرين، هذا دون الحديث عن الأحدث بينهم، المسؤول والمتحدث السابق باسم الحركة الزاباتية المكسيكية، ماركوس.

مناضلان سياسيان ومفكران ماركسيان من جيلين مختلفين، أوليفيه بوزانسونو وميكائيل لووي حققا في هذا الكتاب مهمة بنجامينية [والتر بنجامين]، عبر إعادة قراءة الماضي في ضوء ضرورات وإمكانيات نضال المقموعين اليوم. بالنسبة إلى الكاتبين، ليس الأمر تأريخا بالمعنى الأكاديمي، إنما استكشاف الحاضر، الذي كان يقول عنه والتر بنجامين "الحاضر الذي يمكن معرفته" أو "بضعة مجالات لتقارب ممكن" بين التيارين المعاديين للرأسمالية. لأنه وكما أعلنا في مقدمة الكتاب، "أملنا المشترك أن يصبح المستقبل أحمر وأسود: مناهضة الرأسمالية والاشتراكية أو شيوعية القرن العشرين يجب أن ترتكز على مصدرين من الراديكالية". تحقيق ذلك يرتبط مباشرة بالنضال وبالأمل بمستقبل آخر، وبعالم آخر ممكن. لهذا السبب: "نريد زرع حبوب الماركسية التحررية، على أمل أن تجد أرضا خصبة للنمو وحتى تنبت أوراقها وثمارها".

إذا كان الكاتبان قد أبرزا في الفصل الأول أدلة على تقارب أحمر وأسود، سواء عبر أمثلة تاريخية مهمة (أيار 68 والحركة المناهضة للرأسمالية)، أو عبر ذكر بضعة الشخصيات الماركسية- التحررية من القرن 19 ومن القرن 20، لكنهما لم يخفيا في الفصل التالي التباعد والنزاع بين التيارين المعاديين بصلابة للرأسمالية، فعلى سبيل المثال، في روسيا في مرحلة ما بعد الثورة خلال بداية العشرينيات من القرن العشرين. بدعم لا يستهان به من الأناركيين، شهدت السنوات الأولى من الثورة الروسية تقاربا بين التيارين استمر حتى عام 1920، حيث- وبفعل ضغوط الحرب الأهلية ونتائجها- تبنى البلاشفة سياسة "شيوعية الحرب". وأصبح الأناركيون "تحديا داخليا"، بمواجهتهم أصبح من الضروري، وضمن سياق شديد الاستقطاب، الدفاع عن مكتسبات الثورة.

القضية المأساوية لهذا الانقسام كان انتفاضة بحارة كرونشتاد عام 1921، الذي أصبح "نقطة الشقاق بين التحرريين والماركسيين"، وخاصة بين الأناركيين والتروتسكيين. وعبر دعوتهم لانطلاق "ثورة روسية ثالثة"، قمع الجيش الأحمر التمرد بقوة. بالنسبة إلى أوليفيه بوزانسونو وميكائيل لووي، في القسم الأكثر إثارة للجدل من كتابهما، وجهتا النظر المعتادتين للنزاع (بين الماركسيين- التروتسكيين والأناركيين- التحرريين) أحاديتا الجانب: فبالنسبة للطرف الأول، القمع كان- بحسب كلمات تروتسكي عام 1937- "ضرورة مأساوية" بمواجهة حركة يحتمل أن تكون معادية للثورة، وبالنسبة للطرف الثاني لقد عنى الهجوم انتصار قوى الثورة المضادة بقيادة البلاشفة أنفسهم. في الواقع، وبحسب الكاتبين، "النزاع بين كرونشتاد والسلطة البلشفية ليس معركة بين الثورة والثورة المضادة (نقطة مشتركة لوجهتي النظر، كل وجهة تبدل الصفتين وتلصقها بذاتها وبالآخر!)، إنما مواجهة مأساوية وأخوية بين تيارين ثوريين". وقد كتبا- بنقد واضح للتفسير "الكلاسيكي" لتروتسكي-، أنه إذا كانت "المسؤولية مشتركة عن هذه المأساة"، فإنها تقع على "بشكل أساسي، من هو في السلطة…"، أي البلاشفة.

في تقييمهما، أكد أوليفيه بوزانسونو وميكائيل لووي، بعيدا عن الجدال العقيم الذي ساد خلال القرن العشرين، أن سحق بحارة كرونشتاد لم يكن "ضرورة مأساوية"، إنما "غلطة وخطأ"، وقد أوضحا: "لم نعيد كتابة التاريخ، ولم نبحث للتخفيف عن الجزء المؤلم من إرثنا- علما أنه لا يوجد أي خجل في فعل ذلك. إنما لأخذ العبر من هذه الأحداث بهدف تصور المستقبل". وعلى الرغم من صعوبات تلك المرحلة، الخيار العسكري "يبقى لا يقاس مع مسؤولية البلاشفة الثقيلة لهذه المأساة الأخوية". وبحسب رأي الكاتبين، قد تكون مجريات هذه الأحداث قد ساهمت لنمو لاحق للتبقرط، الذي تغذى من مشاكل بلد معزول، والذي يعيش حربا أهلية مع القوى المعادية للثورة بشكل فعلي: "الجيش الأبيض". بعد ذلك، يتساءل الكاتبان "هل يمكن أن نقرأ في ثورة كرونشتاد برهانا، محتملا، لوجود قوى في قاعدة الثورة، جاهزة لخوض المعركة ضد البيروقراطية؟".

بحسب أوليفيه بوزانسونو وميكائيل لووي، هذا "الجرح" بين الماركسيين والأناركيين "لم يلتئم بعد"، من هنا، لا بد لإعادة فتح النقاش وقراءة التاريخ لتلك الحقبة المأساوية من الثورة الروسية، "من دون المبالغة في وصف طرف بجلادين دمويين أو وصف الطرف الآخر بمناصرين غير واعين لإعادة الحياة للنظام القيصري". إنما يعود الكاتبان إلى قراءة التاريخ بعين نقدية- تاريخ يتشاركه الكاتبان من خلال انتمائهما إلى الماركسية الثورية، أو اللينينية- التروتسكية. المسألة الأساسية، هنا، في تحليل لأي مدى كانت سياسة البلاشفة في السنوات الأولى للثورة "قد وفرت أرضية لنظام ستالين المعادي للثورة"، بعيدا عن القطع الواضح مع الستالينية المناهضة للثورة بدءا من أواسط العشرينيات من القرن الماضي. ومتأثران بفهم ديمقراطي للثورة الاشتراكية، هذا التساؤل هو بالنسبة للكاتبين، "شرعي" بشكل تام، بالإضافة إلى ضرورته اليوم، في سياق إعادة تشكيل يسار ثوري مناهض للرأسمالية.

وكما نعرف، فإن مسار الكاتبين تأثر بشكل أساسي بالماركسية: فانطلاقا من فهم نقدي وديالكتيكي للنظرية الاشتراكية لماركس يقرآن الأناركية التحررية. "انطلاقتنا، هي عبر تاريخنا وتكويننا، أي الماركسية؛ وعبر الأخيرة نهتم بالتجربة التحررية". ولكن المسألة هي بإجراء تفسير "مفتوح" للماركسية، بعيدا عن القراءات الدوغمائية، الأمر الذي سمح لهما بإجراء حوار صريح وصادق مع بعض المواضيع التحررية الأساسية. ويشيران إلى "اقتناعهما" بأنه على الماركسيين "أن يتعلموا الكثير من الفكر، والثقافة والنضال والآراء التحررية"، كما إلى معارضتهم لكل هيمنة، وقمع و"فكرهم الراديكالي عن الحرية" (والتر بنجامين) و"روحهم الثورية العنيدة المعادية بشدة للرأسمال والدولة". من هنا، يساهم الكاتبان لإنعاش متبادل بين الماركسيين والأناركيين، لبناء ماركسية تحررية حقا، قادرة على تجاوز الشطط "الدولتي" التسلطي في بعض الأوقات، المتمحور بشدة حول فكرة القبض على سلطة الدولة على حساب النضال- الأوسع بشكل عام، المعقد والمهم والضروري- من أجل التحرر الذاتي الواسع للعمال والعاملات ومجمل المقموعين.

في الفصل الثالث، يستعرض الكاتبان أفكار بعض "المفكرين الماركسيين التحرريين" مثل والتر بنجامين، وأندريه بروتون، ودانيال غيرين. متأثرا بالنقد الرومنطيقي والخلاصي للحداثة الرأسمالية، طور بنجامين عدة محاولات لربط الماركسية وفهم أوسع للأناركية، أو الفكر التحرري على وجه التحديد. هذه المحاولة المحطمة للتقاليد كتب عنها في مقاله عن السورياليين عام 1929، "الوثيقة الماركسية- التحررية الأكثر أهمية لنجامين"، وفي كتابه "أطروحات حول مفهوم التاريخ" الصادر عام 1940، حيث شدد فيه الفيلسوف الألماني على الدور الرئيسي للعمل الثوري للمقموعين، لقطع الطريق أمام تقدم التاريخ الذي يقودنا نحو الكارثة. أندريه بروتون، مؤسس الحركة السوريالية، كتب مع تروتسكي عام 1938، في المكسيك، بيانا "نحو فن ثوري مستقل"، حيث اعتبر الثوريان أنه "على الثورة… بما يخص الخلق الثقافي، أن ترسي منذ البدء وتضمن نظاماً فوضوياً من الحرية الفردية".

في الفصل الرابع والأخير، يحاول الكاتبان معالجة، بشكل مرحلي، بعض الأسئلة المفصلية حول إمكانية عقد تحالف فعلي بين الماركسيين والتحرريين، مثل مسألة التخطيط الديمقراطي، والإدارة الذاتية والعلاقة بين الحزب والنقابة… بالنسبة إلى بوزانسونو ولووي، على عكس ما تدعيه بعض التيارات الأناركية، التخطيط الديمقراطي [على العكس من التخطيط البيروقراطي] لا يتناقض مع الإدارة الذاتية وكسر الهرمية السياسية، وفي الوقت عينه التمثيل السياسي لا يعني استبعاد أهمية بناء آليات الديمقراطية المباشرة. بكلمة أخرى، التخطيط الديمقراطي ضروري، على سبيل المثال، لمواجهة عالمية للمسألة البيئية من وجهة نظر اشتراكية-بيئية: "من دون تخطيط ديمقراطي، لا ثورة اشتراكية-بيئية"، يكتبان.

يبقى أن نعرف- وهو أمر لم يتطرق له الكاتبان- كيف يمكن أن نتجاوز في الممارسة المناهضة للرأسمالية بعض التناقضات الموجودة بين الماركسيين والأناركيين، من بينها مسألة طبيعة التنظيم، وخاصة، القبض على سلطة الدولة. في النهاية، كما يعترف الكاتبان أن تجاوز المحاولات السباقة أو الاستبدالية، كما تجاوز الإصرار المبالغ فيه للاستيلاء على سلطة الدولة كما هي، لا يعني أننا لسنا بحاجة إلى منظمات الطبقات المستغلة ضمن مقاربة مناهضة للرأسمالية، كما لا يمكن الاستمرار في النضال من أجل الاستيلاء وتدمير سلطة الدولة- كما يدافع هذه الفكرة جون هولواي في كتابه "تغيير العالم دون الاستيلاء على السلطة". إنما على العكس، التحدي اليوم هو، وبعيدا عن أي شطط سلطوي، بناء أو إعادة بناء منظمات مناهضة للرأسمالية، وثورية ومناهضة للبيروقراطية منخرطة في الصراع الطبقي والسياسي الملموس للعمال والطبقات المسحوقة، في سياق تدمير ثوري للدولة البرجوازية وتحويل الحياة الاجتماعية بمجملها. من داخل الماركسية، روزا لوكسمبورغ، من خلال إصرارها على ثورة بروليتارية من الأسفل، يتمكن الثوار من تغيير العالم من خلال تغيير ذاتيتهم، يمثل هذا المنطق، بحسب الكاتبين، نقطة مرجعية.

ألا يشبه هذا الإلهام الذي عبر عنه بوزانسونو ولووي إلهام أندريه بروتون، خلال خطابه أمام مؤتمر الكتاب عام 1935، الذي يلخص المعنى العميق للخلاف الماركسي- التحرري عندما قال: ""تغيير العالم"، قال ماركس؛ "تغيير الحياة"، قال رامبو‪:‬ العبارتان لا تشكلان بالنسبة لنا سوى معنى واحد"؟

النص أعلاه نشر في النسخة الورقية لمجلة contretemps العدد 24 شتاء عام 2015