تعسير تسجيل التلامذة السوريين: استمرار الحرب على الفقراء

نشر في‫:‬الخميس, تشرين اول 23, 2014 - 18:55
العمل لتمام عزام | الصورة لمظفر سلمان
الكاتب/ة: وليد ضو.

إلى ع. الذي انتظر ذات يوم قوس القزح

كان كافيا أن تنال وزارة التربية في لبنان تنويها من الرئيس الأميركي الأسبق، بيل كلينتون، حيث هنأها على "صوابية قراراتها"، قرار إصدار الإفادات لتلامذة الشهادات، مثلا، لكسر إضراب هيئة التنسيق النقابية خلال صيف العام الماضي، والذي حظي بغطاء حكومي. كان كل ذلك كافيا، حتى تصدر الوزارة سلسلة من القرارات تتعلق بـ[تعسير] تسجيل التلامذة غير اللبنانيين/ات في المدارس الرسمية.

في ٢٦ تموز من هذا العام، وفي عز انشغال الرأي العام بإضراب هيئة التنسيق النقابية صدر التعميم رقم ٢٢ حيث طلبت فيه الوزارة من مديري/ات المدارس الرسمية (بمختلف مراحلها) بأن يقتصر "التسجيل في فترة العطلة الصيفية… على التلامذة اللبنانيين/ات فقط"، وما لبث التعميم عينه إلا أن "طمأن" المعنيين بأنه سـ"يصار لاحقا إلى إعلام المدارس وبصورة خطية بمواعيد وأصول" تسجيل التلامذة غير اللبنانيين القدامى والجدد. 

هذا التعميم لم تتكلم عنه هيئة التنسيق، ولم تنتقده بالطبع، وكيف تفعل ذلك، وهي بالكاد تعرف بلسمة جراحها بعد الضربة التي تلتقتها من النظام اللبناني، التي أكثرت من التودد إلى أطراف داخله، حيث اعتبرت أن السيء أفضل من الأسوأ، فجاءت الضربة بإجماع الطبقة الحاكمة التي أصرت على لي ذراع الهيئة إثر أحد أطول الإضرابات في المدارس الرسمية.

وعلى الرغم من أن النظام التربوي اللبناني بوزارته وإداراته يعلم أن العام الدراسي يبدأ نظريا في أواسط شهر أيلول أو في أسوأ الحالات، في الأسبوع الأخير منه كما هو الحال هذا العام. أصدرت الوزارة متأخرة تعميما حمل الرقم ٢٥ تاريخ ١٧ أيلول، منعت فيه مدراء المدارس من تسجيل التلامذة غير اللبنانيين/ات في مرحلة الروضة، واقتصر التسجيل، بموجب التعميم، على التلامذة غير اللبنانيين/ات الذين تابعوا الدراسة منذ أكثر من ثلاث سنوات، والتلامذة غير اللبنانيين/ات المولودين/ات من أم لبنانية، ومكتومي القيد، وغير اللبنانيين/ات الذي يحمل أهلهم إقامات "صالحة" صادرة عن الأمن العام.

طبعا بحسب هذا التعميم لم تعد ورقة الدخول كافية لقبول التلميذ/ة في المدرسة الرسمية، إنما، ولزيادة التعقيدات البيروقراطية، بات على أهله/ا الاستحصال على بطاقة إقامة من الأمن العام، الجهاز الأمني نفسه الذي أصدر ورقة الدخول.

كما أن المدة الزمنية المحددة بثلاث سنوات تعني بأن من تهجر بفعل حرب نظام الأسد على الشعب السوري، لن يتمكن من دخول المدرسة، حتى الآن.

واللافت بما يتعلق إغلاق الروضات أمام غير اللبنانيين/ات هو تغاضي "تربويي" هذا القرن عن الحجة التي استعملوها العام الماضي والتي تعتبر أن التلامذة السوريين لا يتقنون لغة أجنبية، كما لو أن أقرانهم اللبنانيين/ات يحسنون ذلك، فالتعليم بدءا من الروضات لغير اللبنانيين/ات يمكن أن يعدهم بشكل أفضل، وفق منطق الحجة المستعملة. 

هذا التعميم سبقه، تصريح لوزير التربية، الدكتور الياس بو صعب في ١٥ أيلول، استعجل فيه أهالي تلامذة اللبنانيين/ات إلى تسجيل أولادهم في المدارس الرسمية لأن "نسبة تسجيل اللبنانيين فيها لا زالت متدنية". ولم ينس الوزير عينه من تنبيه الأهالي ودعوتهم إلى المحافظة على مقاعد أولادهم قبل "أن يفتح الباب أمام تسجيل التلامذة غير اللبنانيين".

اللافت في تصريح الوزير هو عبارة "نسبة…. متدنية"، ولكن تترافق مع هذه العبارة جملة أسئلة: من هو المسؤول عن تدني نسبة التلامذة بشكل عام في المدارس الرسمية قبل العام ٢٠١١؟، من الذي أصدر المناهج التربوية؟، ما هو مستوى هذه المناهج؟ ما هي نسبة التسرب والرسوب في المدارس؟، من أقفل باب التوظيف في القطاع العام، وتحديدا في المدارس؟ من أوقف إعداد المعلمين/ات في كلية التربية ودور المعلمين؟، واستعاض عنها بدورات تدريبية قصيرة المدى لا تسمن ولا تغني من جوع؟ من اعتمد سياسة التعاقد الوظيفي؟ من هي الجهة التي تصدر قرارت نقل المعلمين/ات من حاجة إلى فائض؟ وما هو موقف التفتيش التربوي من هذه القضية من خلال تقاريره السنوية؟

أما بالنسبة إلى الجزء الثاني من تصريح الوزير فتبرز فيه كلمة "المحافظة" وتلحقها الجملة التي من شأنها أن تثير "حمية لبنانية" بأنه سيفتح الباب على مصراعيه أمام غير اللبنانيين/ات، الذين سيجلسون على مقعد لم يُحافَظ عليه. 

بالطبع إن الإجابة عن الأسئلة الواردة منذ قليل، يمكن أن يحدد الأسباب الحقيقية الكامنة وراء تدني نسبة التلامذة اللبنانيين/ات في المدارس الرسمية، وبكل سهولة يمكن تحديد المسؤولين عن هذا الواقع "الزهري" للقطاع العام. إن سلطة المدفع والرشاش التي تحكمت وقتلت وأماتت وأفقرت الآلاف من اللبنانيين وما لبثت أن تطعمت بمليشيات مالية، فانطلقت العصابة تنهش بما تبقى من خدمات عامة وحقوق اقتصادية واجتماعية مكتسبة بفعل نضال دام عشرات السنوات، حتى خلال الحرب الأهلية. فمن أفرغ المدارس الرسمية من تلامذتها (٢٩،٢ بالمئة من مجمل تلامذة لبنان، خلال العام الدراسي ٢٠١١- ٢٠١٢) ليس التلامذة غير اللبنانيين/ات؛ إنما هذا النظام بكافة رموزه.

وفي الوقت الذي كان من المتوقع أن تتدخل فيه الروابط للدفاع عن الحق بالتعليم للتلامذة الذين تعلمهم فضلا عن الحفاظ على انطلاقة "سليمة" لعام دراسي جديد، أو إلى حث المعلمين/ات لتسجيل أولادهم في المدارس الرسمية التي يعلمون فيها، اكتفى مسؤول الدراسات في رابطة التعليم الأساسي، الأستاذ عدنان برجي، بالتصريح لجريدة السفير، يوم ١٠ أيلول، بالتالي: إن "الرابطة نبهت في السابق إلى أن قبول التلامذة السوريين في المدرسة الرسمية سيؤدي إلى نفور بعض التلامذة اللبنانيين، وإلى تراجع في المستوى التعليمي، خصوصاً أن النازحين لا يتقنون اللغة الأجنبية، ما يؤثر على زملائهم اللبنانيين". 

نعم، إن توالي كلمات مثل: "نبهت"، "نفور"، "تراجع"، "المستوى التعليمي"، "لا يتقنون" و"يؤثر" من قبل مسؤول الدراسات في هذه الرابطة يمكن أن يثير مشاعر القراء، خاصة وأن كاتب المقال في السفير لم يسأل القيادي النقابي عن دور هذه الرابطة في الاعداد لإضراب يتيم، ووحيد، لفرض تعديل المناهج التربوية، التي لم يكتبها بالطبع التلميذ السوري، أو لإعادة فتح دور المعلمين أو كلية التربية، أو أن ينشر الدراسات التي أجريت خلال السنوات الماضية التي تبين بوضوح مدى إتقان معلمي/ات اللغات الأجنبية للغة التي يعلمونها في المدارس الرسمية، وأسباب هذا الضعف ولمصلحة من استمراره، بالطبع كل ذلك لا يندرج في إطار عملية إعادة الانتاج ضمن النظام التربوي القائم بطبيعته على الإقصاء والتهميش، لأن النظام التربوي في لبنان هو بطبيعته عادل وغير مميِز، إلى أن جاء "الغريب ونزع الطبخة الطيبة".

من جانب آخر اتضح أن هذه القرارات "السيادية" جاءت للضغط على المجتمع الدولي لدفع الأموال "المتوجبة" عليه لتعليم السوريين والتي على ما يبدو لم تُسدَد بكاملها عن العام الماضي. فالمجتمع الدولي، الإنساني بطبيعته، مشغول اليوم بخوض غمار معركة من أجل الديمقراطية وتخليص البشرية من خطر داعش، والذي تغاضى في الوقت عينه عن مجزرة الكيماوي وصواريخ السكود والبراميل المتفجرة والاعتقال والإخفاء والاغتصاب، التي يستمر نظام الأسد في ارتكابها.

هذا المجتمع الدولي خيب أمل وزير التربية، فبعد عودته بأيام من الجمعية العامة لتأمين تعليم النازحين، تلقى الوزير وعودا خطية من الجهات المانحة لتأمين ٥٦ مليون دولار فقط لتسجيل حوالي مئة وألفين طالب (٤٥ ألف في الدوام الصباحي، و٥٧ ألف في الدوام المسائي)، ويبقى بذلك حوالي ٣٠٠ ألف تلميذ خارج مقاعد الدراسة، مع العلم أن رقم مئة وألفين تلميذ يمكن استقباله في المدارس الرسمية بكل سهولة، دون أي عبء، بسبب تدني عدد التلاميذ فيها.

إلى أن أصدر وزير التربية تعميمين جديدين في ١٧ تشرين الأول، سمح بموجبه تسجيل التلامذة السوريين في المدارس الرسمية، من غير الذين تابعوا الدراسة في مدارس بعد الظهر خلال العام الدراسي المنصرم، كل ذلك شرط اجتماع الشروط التالية: توافر القدرة الاستيعابية في الصف والمدرسة، وعدم ترتيب أي كلفة إضافية سواء عبر استحداث شعب جديدة أو زيادة ساعات المتعاقدين، عدم تجاوز نسبة التلامذة غير اللبنانيين الـ٥٠ بالمئة في الصف الواحد من التعليم الأساسي، و٢٠ بالمئة في مرحلة الروضة.

من آثار هذا التعميم أنه فرض شروطا إضافية وقلص من عدد التلامذة السوريين، فبدأت أجهزة الوزارة بمطالبة إدارات المدارس بإقفال الصفوف "غير المستوفية" الشروط، وبالتالي تهجير التلاميذ إلى بيوتهم.في هذا الإطار طالبت رابطة التعليم الأساسي بتعديل التعميمين الأخيرين لوزير التربية خاصة لناحية إلغاء النسب المئوية المحددة لجنسية التلامذة. لم يزيد هذا القرار من ساعات المتعاقدين/ات إنما على العكس من ذلك، فقد تبلغ المئات منهم/ن، على أقل تقدير، اقتراب موعد الاستغناء عنهم/ن، هم/ن الذين/اللواتي لا يتمتعون/ن بأي استقرار وظيفي، وفي ظل تأخر دفع ساعات تعاقدهم/ن وغياب أي ضمانة اجتماعية أو صحية لهم/ن. مع العلم أن عددا من إدارات المدارس، قد أقفل باب التسجيل بوجه السوريين/ات، قصدا وعمدا، ومنهم من نفى وجود أي تعميم وزاري حتى لأولئك الذين "يستوفون الشروط"، عملا بمقولة "يكمن في كل سوري داعشي صغير". 

بالعودة إلى نيويورك، يكمل بيل كلينتون مديحه لبو صعب: "صديقي التربوي الياس بو صعب الذي اتخذ القرارات المناسبة عندما كان في الجامعة الأميركية في دبي، يتخذ اليوم القرارات المناسبة ليكون مخلصا لوطنه لبنان، فهذا البلد الوحيد في الشرق الأوسط الذي يوجد فيه دستور يحفظ حرية المعتقد للجميع".

نعم الوزير يتخذ القرارات المناسبة خاصة عندما تتناغم مع حرية التعليم وليس مع الحق بالتعليم، فطريقة تصرفه مع هيئة التنسيق النقابية خلال معركة سلسلة الرتب والرواتب غير المنتهية خير مثال. وكما أن الوزير لم ينسَ أن يشير خلال استقبال اتحاد المؤسسات "التربوية" الخاصة [الطائفية] إلى أنه مصر: "على المحافظة على العدالة ووحدة التشريع وعلى قدرة المؤسسات التي تستوعب نحو ٧٠ بالمئة من التلامذة أي نحو ٦٠٠ ألف في المدارس الخاصة". وأكمل الوزير مديحه للمدارس الخاصة مقدما صك غفران للمدارس التي ترفع أقساطها سنويا قائلا إن: "الغالبية العظمى قد التزمت بتطبيق القانون ...، وهناك تسعون بالمائة من المؤسسات الخاصة تعمل بصورة جدية ومنتظمة، والاتحاد [اتحاد المؤسسات "التربوية" الخاصة] لا يوافق على عمل المخالفين فالمدارس الخاصة مهمة وأساسية وتحتضن ثلثي تلامذة لبنان [يقصد سبعين بالمئة]". بعد ثلاثة أيام نشرت جريدة الأخبار دراسة شملت مدارس خاصة التي زادت إداراتها الأقساط ما نسبته ٥٠ بالمئة خلال ٥ سنوات.

نعم ملوك الطوائف يستحقون صكوك الغفران عن تجارتهم بالتعليم وزيادة التحريض الطائفي، كما استحقها حزب الله والجماعات التكفيرية خلال انخراطهم في المعارك في سوريا، كما تستحقها الميليشيات التي أعادت تزييت بنادقها بحجة حماية "الرعايا" من داعش، كما استحقها محتلو الأملاك البحرية والبرية، كما استحقها ناهبو المال العام ومجرمو الحرب. أما أنت، أيها الفقير/ة، اللبناني/ة أو السوري/ة أو العراقي/ة أو الفلسطيني/ة أو الإفريقي/ة أو الآسيوي/ة فالنظام سيدلك إلى طريق الموت حيث "كل من يسير منا 

بحذاء ممزق عبر الزحام 

هو شاهد على العار الذي يلطخ الآن بلدنا".

لكن "... الكلمة الأخيرة

لم تُنطق بعد" (برتولد بريخت).