من أجل فلسطين حرة وديمقراطية علمانية ثورية

نشر في‫:‬الخميس, ايلول 11, 2014 - 21:26
العمل لمحمود سلامة

بيان صادر عن المنظمات الماركسية والاشتراكية الثورية في المنطقة العربية         

لأجل فلسطين حرة وديمقراطية علمانية ثورية لكامل سكانها العرب واليهود              

          ولكي تكون الحرب الثالثة على غزة هي الأخيرة

          ينبغي أن تدفع الدولة الصهيونية غالياً ثمن جرائمها ضد الإنسانية

          ولا بد من تنفيذ القرارات الدولية المتعلقة بالحقوق الأصيلة للشعب الفلسطيني

منذ استكمال تنفيذ خطة الرئيس الأسبق للحكومة الإسرائيلية، أرييل شارون، للانسحاب من غزة، في أواسط العقد الماضي، تعرض القطاع لثلاث حروب إسرائيلية طاحنة كانت الاخيرة ضمنها- التي لا تزال قائمة، عملياً، تحت اسمها الإسرائيلي "الجرف الصامد"، في ظل هُدَنٍ معرَّضة للخرق، باستمرار- هي الاشرس بينها، والأكثر كارثية من حيث الخسائر البشرية والعمرانية التي تكبدها اهل غزة، كما من حيث بشاعة الجرائم ضد الإنسانية التي اقترفها الجيش الصهيوني بحق الاطفال والنساء والشيوخ، وغيرهم من المدنيين الفلسطينيين، بوجه اخص، الذين جرى تقدير نسبة الشهداء والمصابين منهم إلى مجموع ضحايا العدوان بحوالى الـ85%!. هذا مع العلم أن المقاومين الفلسطينيين، الذين خاضوا معركة مشرِّفةً، وبطولية، على الرغم من عدم التكافؤ الفاضح، بل الهائل، بين إمكاناتهم التسليحية وإمكانات العدو، تمكنوا من تكبيده خسائر جدية غالبيتها الساحقة بين العسكريين (65، بحسب الرواية الإسرائيلية، و120، بحسب تقديرات حركة حماس الفلسطينية).

فلقد بلغ عدد الشهداء الفلسطينيين، حتى الهدنة الاخيرة، في أواخر آب/أغسطس الحالي ما يزيد على الألفين والمئة، بينهم مئات الاطفال والنساء. أما عدد الجرحى فناهز العشرة آلاف، ونيِّفاً، فيما اضطر للنزوح اكثر من الخمسمئة ألف شخص، ولا سيما بسبب الدمار الكامل أو شبه الكامل لأكثر من أحد عشر ألف وحدة سكنية. علماً بان الدمار لم يوفر كذلك المساجد والمدارس والمستشفيات، وغيرها من المؤسسات الطبية، وسيارات الإسعاف، والجمعيات الخيرية، والجامعات، ومحطات الصرف الصحي. حتى أن القصف طال مدارس وكالة غوث اللاجئين، الأونروا، ومؤسساتها التي لجأ إليها الهاربون من الموت، ولا سيما من الاطفال والنساء. الامر الذي استدعى احتجاج المسؤولين، في المنظمة العالمية، وبينهم حتى الامين العام بان كي مون، وكان قد انحاز، مراراً، مع ذلك، وبصورة مشينة، للغازي الصهيوني، خلال ممارسته أعماله العدوانية الهمجية الاخيرة.

وقد ترافق كل ذلك مع مواقف إسرائيلية بالغة البشاعة والعنصرية من جانب غالبية كبرى من السكان اليهود، طالبت حكومة نتانياهو بمواصلة القتال حتى استكمال "طحن" اهل القطاع، فيما "اتفق الإعلام العبري على وصف سكان غزة بالذباب الذي يستحق السحق والإبادة(!!!)". وقد كان ذلك، وما يزال، يتلازم مع صعود واضح، على امتداد العقدين الاخيرين، لأقصى اليمين الصهيوني، داخل الارض الفلسطينية المغتصبة، في حين يتراجع شعور نسبة عالية من يهود الخارج، ولا سيما بين الشبيبة، وذلك حتى في الولايات المتحدة، واوروبا، بضرورة الاستمرار في الدعم الحماسي للدولة الصهيونية، فكيف الحال بالنسبة لغير اليهود!

هكذا فعلى الرغم من أن ردود الفعل العالمية، في الآونة الاخيرة، لم تكن بمستوى فداحة الكارثة، التي تعرض لها اهل غزة، إلا ان ظاهرة الشجب المرير للعدوان، والتضامن مع أطفال غزة، بوجه اخص، كانت، هذه المرة، مختلفة عنها في المرتين السابقتين. وهو اختلاف يمكن اعتباره نوعياً. ليس فقط في العواصم والمدن العربية، التي شهد العديد العديد منها مظاهرات كبرى ضمت الآلاف، واحياناً العشرات من الآلاف، كما الحال في اليمن، والجزائر، وليبيا، والبحرين، فيما كانت هناك مسيرات أقل اهمية، في لبنان، والمغرب والاردن وموريتانيا، والضفة الغربية، وتونس، وبلدان  أخرى بينها سوريا، والعراق، الواقعتين في لهيب صراع دموي داخلي معقد وملتبس؛ بل أيضاً في عواصم ومدن أوروبية، وأميركية وآسيوية، وأفريقية، شهدت  مظاهرات حاشدة وغاضبة متكررة (ولا سيما في باريس ولندن، وليما وسانتياغو، ومدن باكستانية وإيرانية عدة)، تم التعبير خلالها عن أقصى درجات الإدانة للدولة الصهيونية. هذا في حين بلغ عدد المتظاهرين، في مدينة كايبتاون، بإفريقيا الجنوبية، الـ150 ألفاً، وجرى تشبيه ما يجري بغزة بجرائم الفصل العنصري(الأبارتايد)، في أيام حكم الاقلية البيضاء؛ واعتبر الرئيس البوليفي، إيفو مورالس، إسرائيل دولة إرهابية، وقرر إلغاء الاتفاقات المبرمة بين لاباز وتل أبيب في العام 1972، والتي كانت تسمح للإسرائيليين بدخول بوليفيا من دون تأشيرة مسبقة. وأدان العديد من قادة اميركا اللاتينية العدوان بشدة، وأعلنت تشيلي وبلدان اميركية لاتينية اخرى سحب السفراء من تل أبيب. 

 كما أعرب الكثير من الفنانين والكتّاب، والمفكرين عن استفظاعهم للجرائم التي مارستها الدولة المذكورة. ومن ذلك ما صدر من عدد مؤثر من كبار الممثلين العالميين الإسبان، ومدراء الأفلام، وواضعي موسيقاها، وكتّاب السيناريوهات، من أمثال بينيلوب كروز، وخافييه بارديم، وبدرو ألمودوفار، الذين نددوا بالحرب على غزة، ودعوا الاتحاد الاوروبي، في رسالة مفتوحة، "لإدانة القصف الهمجي للسكان المدنيين"، مطالبين إسرائيل بوقف النار، وحاثّين إياها على "رفع الحصار الذي تكابده غزة من عشر سنوات". كما أنهم اضافوا: "تعيش غزة في الأهوال، هذه الايام، محاصرةً، ومعرضة للهجوم من البر والبحر والجو، فيما يتم تدمير بيوت الفلسطينيين فوق رؤوسهم، ويحرمون من الماء والكهرباء، وحرية التنقل إلى مشافيهم ومدارسهم وحقولهم، فيما لا يفعل المجتمع الدولي شيئاً لمواجهة ذلك".

ولقد وصلت موجة الاستنكار والشجب حتى إلى أوساط هوليوود، هذه المرة، في حين لم يكن يسمع المرء منها، سابقاً، غير التعاطف الذليل، والبائس، مع الدولة الصهيونية. ومن ضمن من أحسوا بالصدمة بعمق مقدمو برامج نقدية ساخرة، وممثلون يهود، من بينهم الممثل الاميركي ولسون بيثيل، الذي وجَّه، عبر صفحته الإلكترونية، رسالة لنتنياهو، يقول له فيها:"عزيزي السيد نتنياهو، هناك كلمة تُطلق على نسبة 80% من الإصابات بين المدنيين. إنها كلمة الإرهاب(..). التوقيع يهودي يعاني القلق". وأضاف:"إن حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها أخذ يتحول إلى حقها في إبادة غزة!".

وبالطبع، فمع ان الوحشية الإسرائيلية أصابت بالإحراج العديد من قادة الدول الإمبريالية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة الاميركية، التي اضطرت للسعي الحثيث لوقف العدوان، على الأقل بصيغة هُدَن ذات طابع إنساني، إزاء ما صاحبه من جرائم فاقعة بحق الإنسانية، فهي لم تُخْفِ تعاطفها مع إسرائيل، بحجة حق هذه الاخيرة المزعوم في الدفاع عن نفسها(!!!)، ووصلت الوقاحة والنذالة ببعضهم، وبينهم الرئيس الأميركي، حد الدعوة لتجريد غزة من السلاح. هذا فيما عمدت حكومة هولاند الفرنسية إلى تحظير مظاهرات ضد الدولة الصهيونية في العاصمة باريس، علماً بأن مظاهرة السبت 26 تموز/يوليو الماضي، بوجه أخص، التي كان بين أهم من عمد إلى الدعوة إليها الحزب الجديد لمناهضة الرأسمالية، ومجموعات ثورية اخرى، تحدَّت المنع وسار فيها آلاف المتظاهرين.

بيد أن ما لا يمكن التسامح حياله، بأي صورة من الصور، فهو الغياب شبه الكامل لما يمكن الدلالة عليه بالتضامن العربي، من جانب الانظمة التي كان العديد منها في مواقع التواطؤ مع الاجتياح الإسرائيلي. حتى انه ليس فقط لم تتم الدعوة، على امتداد أكثر من شهر من القتال الطاحن، لقمة عربية، بل بقيت الجامعة العربية مشلولة بالكامل، وغائبة عن مواقع التدخل والفعل..لا بل يمكن إبداء الكثير من الإحباط، أيضاً، إزاء عدم ارتفاع ردود الفعل الشعبية والجماهيرية، في أكثر من بلد عربي، ولا سيما في مصر، ولبنان، إلى المستوى المتوقع والمطلوب. فالجماهير المصرية كانت هذه المرة واقعة تحت تأثير الثورة المضادة التي قادها ويقودها الجيش المصري بقيادة المشير عبد الفتاح السيسي، سواء حين كان لا يزال وزيراً للدفاع، وقائداً للقوات المسلحة، منذ التدخل العسكري الساحق، في الثالث من تموز/يوليو 2013 ،أو حين أصبح رئيساً للجمهورية، والتظاهرات الجدية الوحيدة التي شهدتها شوارع المدن المصرية خلال الحرب الأخيرة، على غزة، كانت تلك التي قادها ودعا إليها الإخوان المسلمون، وهي تصب في إعادة الاعتبار لدورهم السياسي أكثر من كونها حراكاً لدعم القضية الفلسطينية.

وبالطبع، ففي حين كان جماعة ما يسمى الممانعة، في لبنان، وعلى رأسهم حزب الله، يحركون مسيرات كبرى، في المناسبات المتعلقة بهواجسهم المذهبية، ومصالحهم الذاتية، بما هم يحتكرون النطق باسم المقاومة، بقيت الشوارع والميادين اللبنانية شبه فارغة، وبدا حزب الله، بوجه اخص، تحت وطأة انشغاله بالقتال خارج الارض اللبنانية، دفاعاً عن نظام آل الاسد، الوالغ في دماء الشعب السوري، كما تحت وطأة مشاركته إياه الولوغ في تلك الدماء. هذا في حين امتنع حتى عن ممارسة ابسط مبادرات التضامن الفعلي مع اهل غزة، أو عن مجرد التهديد بمشاركة هؤلاء قتالهم للغزو الإسرائيلي المدمِّر، فكيف بخصوص المشاركة الفعلية في ذلك القتال!

أكثر من ذلك، لقد كان موقف العديد من الانظمة العربية، ولا سيما مصر والاردن، يشي بتضامن معاكس، هو، هذه المرة، وبصورة فاضحة، مع إسرائيل!!! وهو ما يمكن ملاحظته في الدور المصري، بقيادة عبد الفتاح السيسي، الذي كشف الكثير من التنسيق الفعلي مع العدو الصهيوني، كما يمكن استجلاء ذلك من مشروع التسوية ووقف النار الذي قدمته الحكومة المصرية، في البدء، وأيدته إسرائيل، فيما رفضته المقاومة الفلسطينية، فضلاً عن قيام الجيش المصري بمنع القافلة الشعبية المصرية،  التي كانت تحمل مساعدات لأهل غزة، في معرض التعبير عن تضامنها معهم ضد العدوان الصهيوني، من مواصلة طريقها إلى غزة، وإجبارها على العودة من حيث أتت. هذا في حين عمد النظام الاردني إلى تقديم كل التسهيلات للمسافرين الإسرائيليين، جيئة وذهاباً، لشل مفعول الصواريخ التي اطلقها المقاومون الغزاويون على المدن والمطارات الإسرائيلية، والتي جعلت شركات الطيران العالمية، وحتى شركة العال الإسرائيلية، تمتنع عن اعتماد مطار بن غوريون، مستغنية من ذلك باعتماد مطار عمان، كبديل مؤقت يضمن تنقلات الإسرائيليين، والقادمين إلى إسرائيل!!

ولكن على الرغم من هذه الأوضاع والمواقف المخزية، لم يستطع الذئب الصهيوني أن يبتلع المقاومين الفلسطينيين، الذي قاتلوه ببسالة منقطعة النظير على مدى شهرين، تقريباً، تقطعهما هُدَنٌ قصيرة، من دون أن يرفعوا العلم الابيض. وهم يقولون له وللعالم إن الشعب الفلسطيني سيظل يقاتل، على الرغم من الخيانة الموصوفة لمن القوا السلاح ، في تاريخ سابق من نهايات القرن الفائت، ويعبر عنهم إلى الآن، امثال أبي مازن، وياسر عبد ربه، وصائب عريقات، وجبريل رجوب، وغيرهم وغيرهم ممن يتربعون، في أعلى مواقع السلطة الفلسطينية، التي أنتجتها اتفاقيات أوسلو البائسة، والتي عمدت، مراراً، إلى قمع تظاهرات تضامن مع غزة، في أكثر من مدينة. هذ علماً بأننا في حين نحيِّي الشجاعة الرائعة، والتضحيات الكبرى للمواطنين الفلسطينيين، ومن ضمنهم أولئك المنتمون لحركة حماس، لا نعتقد أن الممارسة اليومية من جانب هذه الاخيرة، في القطاع، وبرنامجها الرجعي اليميني، بما فيه بخصوص حل القضية الفلسطينية، يمكن أن يشكلا منطلقاً جدياً للتحرير الحقيقي، وإن كان إصرار الحركة، كما باقي الفصائل الرافضة لاتفاق أوسلو، ونتائجه على مواصلة الكفاح المسلح، يلعب دوراً أساسياً في تعميق مأزق الكيان الصهيوني.

لقد كتب آري شافيت، واضع التحقيقات الاساسي في جريدة هآرتس، الإسرائيلية، "إن إسرائيل في بداية حزيران/يونيو هي غيرها في نهاية تموز/يوليو. فلم يكن فيها إطلاق قذائف صاروخية ولا عملية برية ولا صفارات إنذار. ولم يكن فيها جنازات شبان إسرائيليين، ولا مشاهد مرعبة لأولاد فلسطينيين موتى(...). وكان يمكن أن نؤمن في الهدوء المطَمْئِن لبداية الصيف بأن إسرائيل آمنة، وحماس مردوعة، والفوضى العربية بعيدة(...). ولكن كل هذا تبدد، في شرق أوسط متطرف اصبح عنفه محكماً".

وأضاف شافيت: "المعنى الاستراتيجي لما يحدث هو أن الدولة التي سماؤها مفتوحة، ومجالها الجوي مخترق، ومواطنوها ينزلون إلى الملاجىء دائماً هي دولة عندها مشكلة(...). يضاف إلى ذلك(...) العجز عن التغلب بشكل حاسم على كيان إرهابي صغير وفقير وجريء". 

وبالطبع، نحن نشارك كاتب التحقيقات الأساسي في هآرتس الكثير من وصفه للمأزق الإسرائيلي، وإن لم نكن نتفق معه على وصف مقاومة وطنية باسلة تلعب اليوم دوراً بالغ الاهمية في خلق هذا المأزق لدولته، بالإرهاب، بل نميل بقوة إلى أن نرى في الإرهاب سمة دامغة للدولة المذكورة، وحكراً عليها. وإزاء هذا المأزق الذي لا بد سيتفاقم، لاحقاً - كلما عاد ما اعتبره  الصحافي الإسرائيلي "فوضى عربية"، و"شرقاً أوسط متطرفاً أصبح عنفه محكماً"،  إلى المسار الاساسي الذي بدأ قبل ثلاثة اعوام ونصف، في المنطقة العربية والمغاربية، كسيرورة ثورية حقيقية -، نعتقد أن ثمة حاجة قصوى للعمل بصورة حثيثة لأجل حدوث ذلك التحول الهائل، المفترض "أن لا يغير المنطقة المذكورة وحسب، بل العالم بأسره"، وفقاً لكلام عدوٍّ جدي مؤثِّرٍ جداً لذلك التحول هو الرئيس الاميركي اوباما، في مؤتمره الصحفي، في 23 شباط/فبراير 2011. ذلك أن تحرر الشعب الفلسطيني يرتهن، بين ما يرتهن، بقيام حركات ومنظمات وجبهات وأحزاب فلسطينية تدفع، على عكس تلك الموجودة حالياً، باتجاه التلاحم مع نضال الشعوب العربية والمغاربية لأجل تحررها، بمواجهة أنظمتها الدكتاتورية المجرمة والفاسدة والتابعة، كما يرتهن كذلك بنجاح تلك الشعوب في إسقاط تلك الانظمة، لصالح أنظمة تقدمية حقيقية تنجز بالفعل الشعارات والمطالب التي سبق ان طرحتها تلك الجماهير، في السنوات الاخيرة، خلال انتفاضاتها لأجل "العيش، والحرية والكرامة، والعدالة الاجتماعية"، وذلك بالتلازم مع إنجاز شعار بقي غائباً ومفتقداً، هو شعار السيادة الوطنية، والقضاء على الهيمنة الاستعمارية، بشتى اشكالها، وعلى الدولة الصهيونية، بالذات، بما هي أحد تجليات تلك الهيمنة.

في شتى الاحوال، فإن المأزق الإسرائيلي يتوضح أكثر فأكثر من ضمن واقع أن الحرب الاخيرة على غزة، إذا كانت كرست، أياً يكن، قدرة إسرائيل، إلى الآن، على إنزال أفدح الخسائر في الشعب الفلسطيني المقاوم، وبوجه خاص، على مستوى المدنيين، فهي أكدت كذلك ان الخسائر السياسية للدولة الصهيونية تزداد بصورة كثيفة، يوماً بعد يوم، وتصبح هشاشتها وعزلتها، وسط شعوب العالم، بديهيتين أكثر، أيضاً. وهو ما ينبغي العمل على تعميقه، باستمرار، والبناء على نتائجه، ومن ضمن ذلك السعي للدفع، أكثر فأكثر، باتجاه إقرار عقوبات دولية مؤثِّرة، بالطريقة نفسها، التي كانت معتمدة حيال حكم الأقلية البيضاء، في إفريقيا الجنوبية، فضلاً عن العقوبات الشعبية، والجماهيرية، المتمثلة، منذ سنوات، بحملة المقاطعة ونزع الاستثمار، وإنزال العقاب، المعروفة دولياً بحملة الBDS.

في سياق ذلك كله، نرى ان في مقدمة الخطوات التي يجب الضغط لأجل القيام بها، والدعوة الجادة لحصولها، ما يلي:

•إسقاط كل من اتفاقات كامب دايفيد، ووادي عربة وأوسلو، وكل الإجراءات التي سبق ان اتخذتها البرجوازيات العربية الرثة الحاكمة، والخائنة والعميلة، للتقارب مع الدولة الصهيونية والاعتراف بها، وإقامة هذا الشكل او ذلك من العلاقات معها. فضلاً عن العودة لإحكام المقاطعة العربية ضد إسرائيل وكل الشركات العالمية المتعاملة معها.

•الضغط الدائم والجماهيري، بشتى الوسائل، لأجل تحويل الحكام، والجنرالات، والضباط، الإسرائيليين ، الذين اتخذوا القرارات بالحروب على غزة، ولبنان من قبلها، ومارسوا جرائم ضد الإنسانية خلالها، إلى محكمة الجنايات الدولية، وإنزال العقاب المناسب بهم.

•العمل الحثيث على تفعيل الضغط الجماهيري، العربي والعالمي، من أجل الوقف الفوري لكل من الحصارين، الإسرائيلي والمصري، لغزة، مع استجابة كل المطالب السبعة التي طرحها المقاومون الفلسطينيون، في حركتي حماس والجهاد، والجبهة الشعبية وفتح، وكل المقاومين الآخرين في الحرب الاخيرة.

•الضغط، عالمياً، لأجل فرض تفكيك كل أسلحة الدمار  الشامل الإسرائيلية، ولا سيما السلاح النووي، تحت طائلة حصار عالمي جدي ضد الدولة الصهيونية، وعقوبات كافية لردعها.

•الضغط لتقديم كل التسهيلات المادية والمعنوية لأهلنا في الضفة الغربية لأجل المباشرة بانتفاضتهم الثالثة، على ان يكون بين أولى وأهم الخطوات لأجل ذلك البدء باستخدام شتى الوسائل لهدم الجدار الحاجز الذي تستكمل بناءه الدولة الصهيونية، في الضفة المشار إليها، على الطريق لفرض خروج الإسرائيليين ومستوطنيهم الكامل من مجمل الاراضي المحتلة عام 1967، من دون قيد أو شرط.

•العمل الحثيث، على المستويين الفلسطيني والعربي، والدولي، لطرد إسرائيل من جديد من كل مؤسسات المنظمة العالمية، ولفرض تنفيذ الجزء الاكثر جذرية من القرارات الدولية، وبالتحديد تلك المتوافقة مع الحقوق الاصيلة للشعب الفلسطيني، والمتخذة منذ العام 1948، وحتى ما قبل سنوات غير بعيدة، والقاضية بعودة اللاجئين الفلسطينيين إلى وطنهم التاريخي، فضلاً عن استصدار قرار جديد بذلك من جانب الجمعية العامة للامم المتحدة، على اساس آلية "الاتحاد من اجل السلام"، مع وضع الآليات والشروط الكفيلة بوضع ذلك موضع التنفيذ، كخطوة جبارة نحو قيام الدولة الوحيدة الكفيلة بتقديم حل جذري لكل من القضية الفلسطينية والمسألة اليهودية، دولة فلسطين الديمقراطية العلمانية الثورية. وهو الامر الذي يفتح المجال واسعاً أمام قيام منظور تحرري اشتراكي لكامل المنطقة العربية- المغاربية، وانطلاقاً منها للبلدان المجاورة، ولا سيما منها إيران وتركيا.

•ومن ضمن هذا المنظور، بالضبط، لا بد من توجيه الثوريين، في المنطقة المعنية، النداءات والدعوات المتكررة إلى الطبقة العاملة في دولة إسرائيل، وإلى كل السكان، هناك، ممَّن يتعرضون للتمييز، على اساس أصولهم العرقية، ومن ضمنهم، بوجه أخص، اليهود الشرقيون، للتخلص من تأثيرات الإيديولوجيا الصهيونية، ولمكافحتها، تمهيداً للانخراط في المنظور التحرري الثوري، المنوَّه به أعلاه، الذي يشكل وحده صيغة الخلاص من حروب وصراعات قد يؤدي استمرار أسبابها، وبالتالي استمرارها، إلى دمار المنطقة المذكورة بأسرها. 

•السعي اليومي لفضح تعامل الأنظمة العربية، والأطراف المتحالفة معها، وتواطئها، مع الكيان الصهيوني، ولإسقاط كل الأوهام حول دورها المفترض في تحرير فلسطين، أو في مواجهة الإمبريالية، يقيناً منا أن أي إمكانية لصعود حركة تحررية ثورية، في بلداننا، قادرة على الاضطلاع بمشروع تحرر الشعب الفلسطيني، بوجه أخص، كطرح مباشر وعملي، تستدعي القطع الجدي مع الأنظمة القائمة، واحزابها، والقوى المتحالفة معها؛ إذ لا مجال لقيام فلسطين حرة، إلا في سياق تحرر مجمل شعوب المنطقة، أو معظمها، على الأقل.

وبقدر ما يمكن المباشرة بصورة جدية في السير في هذا السبيل، يمكن ويجب ان تعود فلسطين قضية شعوب المنطقة المحورية، في صراع حقيقي ضد إسرائيل والإمبريالية العالمية والرجعيات العربية، في آن معاً. وبذلك أيضاً تنوضع الأسس الجدية المتينة لاندفاع السيرورة الثورية المتعثرة، مجدداً، في الطريق إلى ما رأينا فيه ،على امتداد السنوات الاخيرة، مدخلاً أساسياً لتغيير العالم!

المنظمات الموقعة: تيار المناضل-ة (المغرب) - تيار اليسار الثوري (سوريا) - رابطة اليسار العمالي (تونس) - المنتدى الاشتراكي (لبنان)