كأس العالم أفيون الشعوب

نشر في‫:‬الثلثاء, تموز 1, 2014 - 12:20
الصورة من هذه المدونة wccctoronto.wordpress.com
الكاتب/ة: نايف الهنداس.

"كأس العالم هو نكسة وعودة للوراء بالنسبة لأي تغيير جذري في العالم. كأس العالم أصبح اليوم أفيون الشعوب" (تيري إيجلتون).

في حزيران/يونيو عام 2010، كتب الناقد الماركسي المعروف، تيري إيجلتون، مقالا بعنوان "كرة القدم: الصديق العزيز للرأسمالية". كانت ردة الفعل على المقال بأن إيجلتون بالغ في تحميله لكرة القدم ما لا تحتمل، من حيث اعتبارها مجالا للانصهار الإنساني على كل المستويات، فبالنسبة لإيجلتون، كرة القدم هي نوع من أنواع تزييف الوعي، حيث يعتبر في مقاله "لو طُلب من كل مركز دراسات يميني بأن يأتي بمشروع من أجل إلهاء الناس عن الظلم السياسي الذي يتعرضون له، ويقدم لهم بديلا يعوضهم عن ضنك العيش والعمل الشاق لكانت الإجابة واحدة: كرة القدم".

هذه الحالة نراها في كأس العالم الذي يقام حاليا في البرازيل، والذي تمتد مبارياته من 12 حزيران/يونيو إلى 13 تموز/يوليو. وما تعطيه هذه المناسبة الرياضية من "هيجان جمعي" بوصف إيجلتون، يجعل الأغلبية تغض النظر عن الانتهاكات والمخالفات الصريحة لحقوق الإنسان في البرازيل بسبب إقامة هذه البطولة. إننا نرى سياسات رأسمالية بشعة وقمعية التي تمارسها الدولة، حيث تتضمن هذه الانتهاكات قمعا عنيفا للمظاهرات المناهضة لسياسات الحكومة الإقتصادية تجاه البطولة والتي خرج فيها ما يقارب المليون متظاهر. أضف إلى ذلك إخراج قسري للسكان من منازلهم لإقامة مرافق خاصة بالبطولة، كما سجلت وفيات بين العمال الذين بنوا هذه المرافق، والاتجار بالبشر، فضلا عن إقصاء صغار الباعة الجوالين لمصلحة شركات كبرى راعية وغير راعية للبطولة.

فبحسب جريدة الغارديان، لقي ثمانية عمال حتفهم في عمليات البناء، وعمل أكثر من مئة عامل في ظروف سيئة أشبه ما تكون للعبودية. وقد حصلت إضرابات عمالية عديدة، أشهرها إضراب عمال مترو ساو باولو الذي استمر لخمسة أيام أثناء بداية المونديال. وبدلا من الإصغاء للمطالب العمالية هذه، قامت البلدية بفصل أكثر من 40 عامل وتهديد المئات من العاملين بالفصل إذا لم ينهوا إضرابهم.

قمع المظاهرات
"على الرغم من تشديد الرئيسة البرازيلية ديلما روسيف ومسؤولين كبار على أهمية احترام حقوق المتظاهرين، إلا أن هذه الرسالة الصحيحة يجب دعمها بتحقيقات شاملة في الحوادث التي حدثت منذ العام المنصرم حيث لم تحترم الشرطة حقوق الإنسان". هكذا علقت مندوبة منظمة حقوق الإنسان في البرازيل، على أحداث العنف التي حصلت في مواجهات الشرطة مع المتظاهرين. وأضافت المنظمة أن العنف المفرط من قبل الشرطة هي مشكلة ليست بالحديثة، بل هي مشكلة قديمة فشلت التحقيقات في القضاء عليها. وبحسب منظمة العفو الدولية إن الشرطة البرازيلية غير مدربة لمواجهة هذا العدد الكبير من المتظاهرين وهذا ما ينتج عنه الممارسة العنفية الذي وقع نتيجتها ضحايا من غير المتظاهرين وكما سجلت إصابات بين الصحافيين. بالإضافة إلى ذلك، شنت حملة واسعة من الاعتقالات، حيث حرم المعتقلون من حقهم بالتواصل مع محاميهم وأهاليهم لفترة بعد اعتقالهم. هذا وتشير المصادر الحقوقية واللجان الثورية إلى وقوع عشرات الإصابات في كل تظاهرة من التحركات الشعبية التي بدأت العام الماضي.

طرد السكان من منازلهم
يقدر عدد الذين أخرجوا من منازلهم بـ 250 ألف مواطن برازيلي في المدن الـ12 المستضيفة للأحداث، بسبب أعمال البناء. وهو رقم لا يصل للكارثة الصينية عندما أُخرج 1.2 مليون مواطن صيني من منازلهم عام 2008 من أجل إقامة الألعاب الأولمبية عامذاك. ولكن هذا لا يعني عدم كارثيته في البرازيل. حيث عاش هؤلاء في مناطق عشوائية على أراضٍ تملكها الدولة لا القطاع الخاص. وهذه المناطق العشوائية ليست مناطق حديثة بل هي مناطق قديمة كان الحري بالحكومة البرازيلية استيعاب هذه المناطق واعتبارها من أحياء المدن الرسمية بدلا من أن إرسال الجرافات لتدمير هذه الأحياء السكنية بدون إخطار مسبق. وإن حكي عن تعويضات دفعتها بلديات هذه المدن البرازيلية للمتضررين من الهدم فهي غير كافية، حيث تقدر قيمة الممتلكات العقارية بـ 100 ألف ريال برازيلي مقابل تعويضات تقارب الـ 10 آلاف ريال برازيلي فقط.

الاتجار بالبشر
في 12 حزيران/يونيو بدأت مباريات كأس العالم. وقد وصل مئات الآلاف إلى البرازيل، يقدرون بـ 600 ألف شخص من أجل حضور البطولة. مع هذا التوافد الكبير للبرازيل تظهر للسطح مخاطر الاتجار بالبشر واستغلال الأطفال في العمل الجنسي. وارتباط الاستغلال الجنسي بالأحداث الرياضية بهذا الحجم هو قديم ولكن الخطر في الحالة البرازيلية في الذات هو عدد الأطفال المُستغلين جنسيا في البرازيل بـ 500 ألف طفل. وبالرغم من ترخيص العمل الجنسي لمن هم فوق الـ 18 سنة في البرازيل إلا أن نسبة الأطفال العاملين في الصناعة الجنسية كبير، حيث يتلقون مبالغ زهيدة تقدر بدولارين فقط. أضف إلى ذلك، بيع بعض الأهالي لبناتهن من أجل العمل في الدعارة مقابل خمسة آلاف إلى عشرة آلاف دولار بحسب بعض المصادر.

سياسات رأسمالية وخرافة البنية التحتية
بالرغم من دفاع الرئيسة البرازيلية - التي بالمناسبة تنتمي إلى حزب العمال الذي يدعي انتماءؤه للطبقات الكادحة- عن المصاريف الطائلة على البطولة والتي تقدر بـ11  مليار دولار التي صُرفت على البطولة بأنه ستقام بنية تحتية لشباب الأجيال المقبلة حتى يستفيدوا منها، وأن الحكومة أنفقت أكثر من ذلك على قطاعي التعليم والصحة. فإن هذا الإدعاء يغفل حقيقتين؛ أولا، الخسائر التي تكبدها أبناء الطبقة المتوسطة والعاملة جراء إقامة هذه المرافق من تهجير وإبعاد و عنف. ثانيا، مساواة هذا النوع من البنى بالتعليم والصحة يبدو مضحكا قليلا فمرافق كأس العالم ليست ضرورية وليست بأولوية تعليم أطفال الأحياء العشوائية ولا علاجهم. نقطة أخرى تجدر الإشارة إليها هي أن الاتحاد الدولي لكرة القدم الفيفا يتظاهر بأن ما يحدث في كأس العالم هو مسؤولية الدولة المنظمة فقط، برغم أن الفيفا ترغم البرازيل على بعض السياسات المتعلقة بالمصالح التجارية أحدها ذكرتها صحيفة الغارديان، أن الفيفا مثلا فرضت على الحكومة التراجع عن قرارها بخصوص منع بيع البيرة في الملاعب لأن الشركة المنتجة للبيرة "بودوايزر"  هي إحدى الرعاة للبطولة، وغيرها من شركات في مجالات الخدمات الرياضية والمنتجات الغذائية حتى التي لا تترك فرصة للباعة المتجولين. فالأخيرون مثلا يشتكون من أن الفيفا بالشراكة مع الشرطة المحلية والشركات الامنية الخاصة أنشأت منطقة عازلة ذات طابع عسكري بمحيط 2 كيلومتر حول المرفقات الرياضية تمنع الباعة المتجولون من الاقتراب منها، حيث لا يستطيع دخول هذه المنطقة إلا الشركات المستفيدة.

كأس العالم هو كرنفال رأسمالي، بمعنى أن السياسات الرأسمالية تنتعش فيه أيما إنتعاش، وهذا لا ينطبق فقط على البرازيل، و إنما على كل المحافل الرياضية الكبرى التي أقيمت مؤخرا والتي ستقام مثل أولمبياد 2016 التي ستنظمه البرازيل أيضا. ربما الإشكالية ليست في كرة القدم كما يزعم تيري إيجلتون، ولكن في الانفلات الحاصل لسلطات ونفوذ الشركات التجارية والراعية للاتحادات الكروية والمؤسسات المحلية والدولية المتعلقة بالرياضة.
 
المصادر
http://www.hrw.org/news/2014/06/25/brazil-investigate-police-response-wo...
http://www.theguardian.com/commentisfree/2010/jun/15/football-socialism-...
http://www.theguardian.com/sustainable-business/brazil-world-cup-fifa-bu...
http://www.huffingtonpost.com/2014/06/12/world-cup-child-prostitution_n_...
http://www.aljazeera.com/indepth/opinion/2014/06/world-cup-sex-trafficki...
http://www.socialistworker.co.uk/art/38361/World+Cup+of+repression%2C+pr...
https://www.amnesty.org.uk/actions/brazil-protests-world-cup-rio-2014