حكاية اسمها محمد دكروب

نشر في‫:‬الأحد, اذار 30, 2014 - 19:05
نقلا عن صحيفة العرب | alarab.co.uk
الكاتب/ة: هيفاء أحمد الجندي.

رحل محمد دكروب إلى ذاكرتنا، بقامته القصيرة ومشيته الواثقة ونظارته السميكة وابتسامته الوادعة وضحكته المجلجلة.

رحل وترك لنا طريقه لنا؛ طريقه المستقيمة وروحاً لا تعرف اليأس وقلباً يفيض حباً وطيبة وإرادة تتحدى المستحيل وتحوله إلى ممكن.

هذا الكادح العصامي الذي خرج من قاع المجتمع وعاش الفقر والمعاناة وصار بكده والتزامه وأخلاقه النبيلة أستاذاً ومعلماً.

ستون عاماً، كان فيها محمد دكروب شغيلاً وكادحاً ثقافياً، اعتاده الحبر والورق والمعاناة والانتظار، لأنه سُكِنَ بهاجس نشر الثقافة التقدمية والفكر العقلاني التنويري منذ عمله في مجلة الثقافة الوطنية والأخبار والنداء ومجلة الطريق التي بقيت من أهم الروافد الثقافية والمنابر الفكرية في العالم العربي، حيث ترك بصمة لا تمحى لأجيال تابعت المجلة منذ عقود.

كان محمد دكروب شيوعياً على طريقته، بعيداً عن المؤسسة الحزبية وخلافاتها، تراه خلف مكتبه محاطاً بالكتب والمجلات، تحاصره الأسئلة وقلق التفكير. لم يكن انتماءه عائقاً أمام انفتاحه على الثقافة العقلانية والتنويرية. هو الذي كتب عن امين الريحاني وطه حسين، غير الشيوعيين، وكتب عن مثقفين ومفكرين لامعين بالرغم من اختلافهم مع القيادات، هذا الأمر يدل على أن التزام الأديب والمفكر ليس التزاماً ضيقاً، إنما يلتزم بالقيم الكبرى، والتقدم، والعدالة، ومقاومة الظلم، والتسلط، والتخلف والماضوية.

هو انتماء لا يقيد العقل ولا يسد النوافذ ولا يقطع حبال التواصل مع الآخر المختلف، ولذلك تجد محمد دكروب محاطاً بطيف واسع من الأصدقاء والمحبين من مختلف المشارب الأيديولوجية والتيارات الثقافية والفكرية، ينظرون إليه بصفته رجل ثقافة ثاقب النظر. يحفظ المودة بنزاهته وصوته الصادق وتواضعه. يلاحق الأقلام الشابة، يحتضنها، يدعمها ولا يبخل بملاحظاته على أحد من دون فوقية وأستذة.

يتابع محدثه ويطارده باهتمامه من دون نرجسية. يؤمن بالاختلاف والنقد لأنهما تحرضان على التفكير وتؤسسان لحالة حراك ثقافي هام.

لم يدخل دكروب ميدان الثقافة إلا بوصفه صوتا للكادحين. ولا يزال ذاك السمكري المتوغل في عالم الثقافة والأدب. يكتب عما يعرفه ويصور ما يعيشه بنفسه مازجاً الواقع الفني بالخيال المبدع. لذلك لا يجد القارئ فذلكات لفظية ونخبوية وإنما أسلوب يتسم بالوضوح، والبساطة والغنى بالتفاصيل، لأن هاجسه الأول والأخير الوصول الى القارىء وذلك لا يتم إلا بتواضع فكري وثقافي.

إضاءة على أهم مؤلفاته

كان دكروب محكوماً ومنذ كتابه "الأدب الجديد والثورة" برؤية تجديدية ميزته عن غيره من النقاد، لابتعاده عن الجمود والنظرة الأحادية الجانب، لأن الأدب بالنسبة إليه إنساني النزعة، وجمالي الرؤية واجتماعي الهدف. بعد ذلك تابع وفاءه للمشروع النقدي الثقافي، حيث تصدى لبعض النظريات النقدية الحديثة، التي أقرت بموت المؤلف وانغلاق النص على نفسه ضمن شبكة علاقاته فقط، فما كان من دكروب، إلا أن شهر سيف النقد على هذه التبعية الفكرية والفنية التي رأى أنها لا تتفاعل مع الواقع مؤكداً على أهمية المضمون، والدلالة وانفتاح النص على ما هو خارجه، أي الواقع بتحولاته الاجتماعية والتاريخية، فكان وفياً لواقعية متحولة متجددة و قطع مع الجمود والسكونية.

"وجوه لا تموت"، كتاب عصي على التصنيف، رسم فيه دكروب بورتريهات لوجوه وشخصيات رائدة في مجال النقد، والأدب والفكر، كتبها بنبض القلب وخفقان الروح. أطل على عوالمهم، وأحلامهم وهواجسهم ضمن السياق التاريخي الذي لازم إبداعهم. أعاد الحياة إلى زمانهم من خلال استحضاره للتفاصيل، والأمكنة. 

كسر دكروب في هذا الكتاب الحدود بين الأجناس الأدبية وخلق شكلاً للكتابة النقدية خاصة به، جاعلاً من الرؤية النقدية شكلاً لكتابة الحكاية. هو ليس نقداً أدبياً بقدر ما هو كتاب يركز على الملامح الإنسانية للمبدعين، حيث تمتزج السيرة الذاتية للكاتب مع نتاجه الإبداعي. إنه الروائي المقنع، يلتقط التفاصيل بحساسية، الروائي المبدع. يدخل إلى النقد من باب الحكاية ومن الحكاية إلى النقد. وأحياناً تلتبس الأمور على القارىء ويشعر وكأن دكروب شخصية روائية، يستنطقها النص ولا يحجب ذاته، إنما يستخدمها كإطار لجمع العناصر الأكثر حياة في تجارب المبدعين، ويزج بتلك العناصر في معركة الحياة من جديد.

أما كتابه "رؤى مستقبلية في فكر النهضة التقدم والعدالة الاجتماعية"، فيعيد دكروب طرح تساؤلات النهضويين، ويسلط الضوء على مفاهيم وقضايا لا يزال الجواب عنها قيد البحث. بيد أن ما ميز طرحه، هو ربطه لفكر المشروع التنويري بقضية الديمقراطية والعدالة الاجتماعية.

محطتنا الأخيرة ستكون مع السنديانة الحمراء؛ حكاية الحزب الشيوعي اللبناني، الحكاية التي تكشف عن المسكوت عنه في تاريخ الحزب خلال فترته التأسيسية التي تم شطبها عندما اجتاح الحزب فيروس الانتهازية، وما أملته فيما بعد من جمود وتقديس وعبادة فرد. كتب دكروب هذه الحكاية التاريخية من موقع المحب، والموضوعي والمخلص. لم يكن مدفوعاً بحنين رومانسي عند كتابته لها بقدر ما كانت مساهمة منه في إعادة انتاج وجوه جديدة تكمل مشروع ما بدأه الرواد من فؤاد الشمالي، يوسف ابراهيم يزبك وأرتين مادويان وتصلح لأن تكون وثيقة عمل للأحزاب الشيوعية المعنية بالتغيير والتجديد.

محمد دكروب، مثقف عصي على التصنيف، هو كينونة مفتوحة مستمدة من أخضر السنديان الذي تفوق على الأحمر، فجعله صيرورة تجدد وعطاء دائمين؛ إن على مستوى الكتابة النقدية أو على مستوى اكتشاف مواهب إبداعية جديدة.

هو الحكواتي أبو الحكايا، وذاكرة للمستقبل. برحيله نحو ذاكرتنا لن تنام الحكاية فنهايتها مفتوحة على زمن يشبه زمنه. "إنه ذاكرة المفرد وحارس الذاكرة الجمعية"، كما وصفه صديق عمره، فيصل دراج.