المسرح الملتزم: طقس من الثورة

نشر في‫:‬الأثنين, ايلول 9, 2013 - 13:14
المسرح السياسي| Drew Alderfer
الكاتب/ة: تمارا سعاده.
ترجمه‫/‬ته الى العربية‫:‬ وليد ضو      
المصدر‫:‬      

بحسب المسرحي البرازيلي أوغوستو بوال، إن المسرح بطبيعته أنشودة، احتفال يشارك فيه شعب حر يغني في الهواء الطلق.

أوجدَتْ لاحقاً الأرستقراطية الانقسام الثنائي بين المَشاهِد | الجمهور فجرى حينها تثبيت الكراسي الفخمة، في مدرج هندسي إمبريالي، تسطع فيه الأضواء المبهرة كما تحيط به الجدران النظيفة التي طُلِيت جيداً حيث يختلف كل صوت وقُرِرَت أين تُقال كل كلمة أو يمكن البدء بها.

هذا الكلام، هل يصف برودواي، أو كازينو لبنان، أو الكونغرس الأميركي؟ إنه مكان الـ(la mise en abîme théâtrale)، حيث يفرّغ المسرح من معناه، وحيث يتمظهر فيه السيناريو بصيغته النهائية.

الجماهير، التي جرى فصلها عنوةً من خلال الجدار الرابع الذي يشكل شاشة التلفزيون، تحولت إلى جمهور ينتظر. في الكونغرس كما في المسرح، الكلام هو الفعل: فعل مميت أكثر مما هو غير منعكس.

العجز السعيد للجمهور أمام كل ما هو جميل، الذي تفرضه مقولة "الفن للفن"، يتشابه مع شعور الاستلاب الناجم عن السياسات التي يفرضها الكونغرس الأميركي على العالم.

لهذا النوع من الجمهور، والذي للمفارقة "هو هناك" لكنه غير موجود، وجوده غير الملموس مرتبط بعدم تفاعله من جهة، ومن جهة أخرى بفرض الفنان نفسه، كالمسيح المقدس الذي لا يُمَسّ.

هذا الشرط من التلقي الصارم تجاه الفن ينعكس على السلوك العام للجماهير في المجال السياسي. ظاهرة "المسرح الانتهازي" الذي لا يخلو فقط من بنيته، ولكنه أيضا يفتقر إلى المعنى.

فتأثير الوهم المسرحي، حيث تُمنَع الجماهير العاجزة من المشاركة، وتخضع بالتالي لسلسلة من التبريرات التي تهدف إلى إعطاء شرعية لمصالح أولئك الذين يتلاعبون بهم. بعض النظريات، في العلوم الإنسانية، غامرت عندما أشارت إلى أن انتشار هذه السيرورة هو ظاهرة أساسية في تطور الحضارات.

في الواقع، بين الطقوس الشريفة المقدسة وتقديم الأضاحي، ارتبط تاريخ المسرح، بداية بتطور السيرورة الدينية. ثم جرى تحويل "المقدّس" إلى نص وتمثيل لا يُمكن المساس بهما.

"الحق أقول لكم، إلى أن تزول السماء والأرض، لا يزول حرف واحد أو نقطة واحدة من الناموس حتى يكون للكل". (إنجيل متى- الإصحاح الخامس، ١٨)

هذا الطابع الدوغمائي يتمظهر أيضا في النص المسرحي حيث يتماهى مع الخطاب الديني: فتنكشف العلاقات الفوقية المُحَوِّرة للجمهور التي يتبناها الكاتب المسرحي.

تتحول "يده" إلى يد الخالق العالمي التي تأخذ على عاتقها المرسل إليهم من جمهوره المتلقي. القناع، اعتُمِد سابقاً كوسيط بين المقدس والمدنس، المشابه لجمود النص، وكذلك إلى الشخصيات التي تُقَدِم الإنسان على حقيقته الاجتماعية كموضوع معروف ومحدد مسبقاً. لم يتاح أي مجال للتغيير. الشخصية تخضع للصفات التي يفرضها القناع. ونُزِعَت إنسانيتها ومُلِئت بوظيفة مفيدة تلبي الأحداث الجارية في المسرحية.

هذه الشخصية الكاريكاتورية، المحددة ضمن وظيفتها الاجتماعية، كالبروليتاري المستَغَل والمستَلَب حيث طبقته هي الضحية. تطور هذه السيرورة لا تشل المرونة، ولكن تُظهر أيضا، في المسرح والمجتمع، تفاهة هذا القناع. وتتبلور من خلال آدائها لوظيفتها وتُعزز البنى التي من المرجح أن تخلق واقعا اجتماعيا مناسبا. ومن خلال حصرها بنهايتها المحددة سلفا، المشاهد ذو السلوك السلبي، يصبح صورة عن ثقافة -مرغوبة- جماهيرية التي تفضل اللهو بدلا عن اتخاذ موقف نقدي ومفكَّر به للواقع.

من هذه المسألة يمكن تحديد وظيفة المسرح الملتزم الذي يقترح دمج المسرح بالواقع الاجتماعي- السياسي وقدرته على صياغة الواقع.

في الواقع، المسرح الملتزم يلعب دور المحرك. لأنه، في المجال الأول، يشكل مساحة المواجهة بين الفرد بمواجهة المجتمع نفسه حتى مع أولئك الذين اختاروا تجاهل العوامل الاجتماعية- السياسية الخارجية التي تؤثر مباشرة على تحديد بيئته. المساحة المغلقة لصالة العرض تضع المشاهد بمواجهة واقع سياسي، واقع حقيقي يترك مجالاً لتبادلٍ بين المشاهد والعرض. كذلك، العلاقات الجامدة يتم استبدالها من خلال حضور متفاعل للمشاهد الذي لا يكتفي بحضوره الانفعالي إنما يتحول وجوده إلى حضور فكري. هذا النوع من الوجود يشكّل تدخلاً (داخلي و| أو خارجي) المعزِز للقدرة على اتخاذ موقف اجتماعي- سياسي من خلال تحويل الفرد السلبي إلى فرد متفاعل ومشارك.

لنأخذ على سبيل حالة مسرحية فرانشيسكو فيريه، التي جرى ارتجالها في وعرضها في بيروت عام ١٩٠٩. مسرحية أثارت جدلا واسعا، لأنها انقلبت على العادات التقليدية للمسرح والدراما البرجوازية، المسرحية قدمت نقداً لاذعاً للكنيسة الكاثوليكية من خلال تقديمها لخطاب حول القيم الاشتراكية الحقيقية. الضجة التي أثارتها هذه المسرحية خلال وبعد عرضها، تُظهر أهمية المسرح الملتزم كمحرك، وكمترجم للأفكار المتعلقة بشبكة راديكالية كانت بدأت بالتشكل في المنطقة. وكان من ضمن همّها معالجة الوقائع، من خلال استعادة تاريخ الاستغلال والقمع في لبنان والمنطقة.

وغالباً ما اتخذ المسرح الملتزم في لبنان خلال حقبة ما بعد الحرب الأهلية الطابع التالي:
- جسّدَ مكاناً من الذاكرة بطرحه الأسئلة حول اتساق التاريخ وتجزئة الذاكرة الجماعية.
- واتخذ لنفسه هاجس رفع المسرح إلى مستوى تاريخ الشعوب.
- وتميز بإرادة الذهاب أبعد من السياسة المباشرة إلى تشكيل الوعي التاريخي.

"هذا المسرح لم يمُتْ: من يقتلوه هم الذين يدعون إلى جنازته كل يوم" تقول فرقة "زقاق" للمسرح اللبناني التي تأسست عام ٢٠٠٦. الفرقة الناشطة جداً ترى في المسرح حالياً وسيلة لتشكيل مسرح شعبي، تفاعلي، ووفق منطق جدليّ بين الممثل والمشاهد، وباللغة العامية. في عرضهم الأخير، (Lucena, Obedience Training)، تأويل لمسرحية إبسن، زقاق لا تأخذ فقط مسافة بين الكتابة المسرحية بمواجهة اللغة الحديثة ولكنها تقلب أيضاً كل علاقة سلطوية، سواء تعلق الأمر بين الأوضاع التي تتعلق بالأحداث الواقعية أو تلك الخيالية التي تكوّن بنية المسرحية نفسها: العلاقة السلطوية التي تشكل النص بمواجهة تقديمه، وبين المخرج والممثل، وبين الممثل والمشاهد، وبين الممثل والأداء الذي يقدمه. هذا الأمر هو تجسيد لأزمة المسرح المعاصر الذي يتطلب خلق لغة جديدة، وإنتاج علاقات جديدة ضمن إطار إعادة النظر بكل من: اللغة المطلقة للكتابة المسرحية، والتسلسل الزمني المسطَّح، والتمهين المتغطرس للكاتب المسرحي، والتقديس المطلق للنص، وتثبيت قناع الممثل وتقديم المسرحية كمحاضرة.

يصبح المخرج حرا بجعل النص مرِنا، عبر استخدام أساليب الارتجال كمادة خام تُقَدّم للمشاهد. وكأداة للتحرر الثقافي، هذا المسرح هو لخدمة الشعب: لا يعترف بجمهور يفرض نفسه إنطلاقا من موقعه الطبقي، لأن الخطاب المستعمَل يندرج ضمن الأحداث الحالية والوقائع الاجتماعية الواسعة الانتشار، مثيرةً لدى المشاهد الرغبة بالتحرك إزاء الوضع الراهن.

تدمير النص المسرحي، هو تدمير لـ"الإله". من خلال تحرير الذات من المقدس، نتحرر من قيود الحتمية عبر تقديم إمكانية التغيير المباشر عبر المسرح المشكِّل لأرضية مشتركة بديلة للمؤسسات والبنى السياسية القمعية. من هنا، يتحرر المسرح من خلال التخلص من الطقوس المتعبِّدة لنصوص غير قابلة للتغيير، واستبدالها بطقوس الثورة المترافقة مع تجذير الأفكار السياسية.