الفن والثورة: أو كيف ينفلت الإبداع من قيود الاستبداد

نشر في‫:‬الخميس, ايلول 5, 2013 - 08:20
"أجمل التاريخ كان غدا" | حيطان سراقب- سوريا
الكاتب/ة: محمد علي نايل.
ترجمه‫/‬ته الى العربية‫:‬ باسم شيت      
المصدر‫:‬      

في أوقات الثورة، تصعد إلى السطح حاجة ملحة لدى الجماهير للتعبير، ويصبح الفن حينها إحدى الوسائل الأهم لذلك التعبير الثوري. فمنذ انطلاقة الثورة التونسية، أي منذ أكثر من ثلاث سنوات، وكرة الثلج التي أنتجتها لا تزال تتدحرج في كل أنحاء المنطقة العربية، ويترافق معها انفجار للتعبير الفني الذي يستمر بالتدفق والاحتشاد.

لم تكسر الثورة حاجز الخوف فقط، بل ساهمت أيضاً في إطلاق سيرورة الإبداع لدى المجموعات والأفراد، حيث أن الانتاج الفني لم يعد مقيداً بالخوف من أجهزة السلطة والرقابة. بالإضافة إلى ذلك، قُوِّضَتْ القيود الاقتصادية الرأسمالية للانتاج الإبداعي بفعل حركة الجماهير، فلم يعد التعبير الفني او الإبداعي حِكراً على من هو نافذ اقتصادياً أو من هو قريب من السلطة، بل أصبح فِعلاً شعبياً وجماهيرياً، أصبح فعلاً ديمقراطياً مباشراً.

ففي ظل النظام الرأسمالي العالمي، يتحوّل الفنّ كإبداعٍ انسانيّ إلى سلعة، مجرّد أداة يستخدمها الأغنياء للتعبير عن حبهم لأنفسهم في حفلات الكوكتيل. وبالمحصلة، يصبح الفن خالياً من التعبير الانساني.

لا ينقص الفنانون/ات القدرة على التعبير، إلا أن الرأسمالية تفرض، وبفعل دينامياتها، قيودا على الإبداع الفني، من خلال تعليبه ضمن علاقات الانتاج السِلعية، فيتحوّل الإبداع من مكانته التعبيرية إلى وسيلة لتحقيق الارباح. لذلك، يجد الفنانون/ات أنفسهم/ن ينتجون/ن الفن حسب الطلب من أجل تحصيل معيشتهم/ن، وذلك ليستطيعوا/ن أن يستمروا، لدفع الايجار أو من أجل الغذاء مثلاً. فالفنان يصبح، بفعل هذا الواقع، موظفاً آخر ينتج الفن من أجل اشباع حركة السوق الرأسمالية وتحصيل الأرباح للرأسماليين.

يمتلك كل إنسان، عندما تتاح له الفرص والظروف المناسبة، إمكانات إبداعية. فلنأخذ بعين الاعتبار، مثلاً، البشر الأوائل الذين ابتكروا آلات موسيقية. في ذلك الوقت، لم يكن الهدف هو الشهرة أو تحقيق المردود المادي، بل كان إبداعاً وتعبيراً عن حاجة، عن ضرورة إنسانية للتعبير.

وقد أعطت الثورة، في لحظة انطلاقتها، دفعاً تحررياً للكثير من الفنانين/ات بهدف كسر القيود (من ظلم واستغلال سياسي أو اقتصادي أو اجتماعي) التي تكبل عملهم/ن الفني. فأصبح الفن حينها، ومن خلال اندماجهم/ن في حركة الجماهير، تعبيراً عن الثورة نفسها وتعبيراً عن مشاعر الناس الذين يفترشون الشوارع والساحات.

لم يعد إبداع الفنان/ة رهينة الشهرة أو الربح، بل أصبح تعبيراً عن ذلك الغضب الشعبي تجاه الأنظمة القائمة، وتعبيراً عن أحلام الملايين بمستقبل أفضل. ففعل الثورة هو سيرورة لامتناهية من الإلهام، التي تُظهِر الفنان والمبدع في كلّ واحدٍ منّا. وكثير منّا مِمَنْ لم يعتبر نفسه فناناً قبل الثورة، وجد حاجة ملحة لديه/ا في خضمّ الرياح الثورية، للتعبير، فتلك العفوية والحرية التي أشعلتها الثورة في نفوسنا، تُرجِمَتْ من خلال مروحة واسعة من التعابير الفنية.

لقد هيمنت ظاهرتان أساسيتان على الساحة الفنية منذ حادثة البوعزيزي هما: الغرافيتي، والإلقاء النثري والشعري. وظهر العديد من الفنانين/ات في هذين المجالين فكسروا المحرمات القائمة على التعبير الفني. في الواقع، إن كل من فن الإلقاء والغرافيتي يتخذان مساحة في الفضاء العام، وهو أمر شديد الأهمية، خصوصاً وأن المساحات العامة قبل الثورات، كانت دائماً مساحات تهيمن وتسيطر عليها الأنظمة الديكتاتورية والمستبِدّة، على نسق الأخ الأكبر (big borther) وما يحمله ذلك من ترهيب وتخويف للمواطنين/ات المظلومين/ات.

عصر الأنظمة القمعية سينتهي مع صعود بدايات رؤية جديدة لجيل جديد، لطالما حُرِم من حقّه بالتعبير عن نفسه. فالشوارع التي تستعيدها الشعوب لم تَعُدْ حِكراً على الأنظمة الاستبدادية والرأسمالية وماكينتها الدعائية، بل أصبحت مساحة صراع ما بين تلك الأنظمة والشعوب الثائرة والحالِمة.

وقد خرج الفنانون/ات إلى الشوارع في خضم انفجارات التضامن الشعبي، وأصبحت الجدران حلبة للجداريات والغرافيتي التي تتكلم عن نضال الشعوب ومطالب الثورة. وخرج الشعراء من مضاجعهم المُظلِمة كالنسّاك إلى العلن وإلى الشوارع، فالثورة أمّنت لهم ضوء النهار والفضاء العام لينطقوا بالكلمات، ولم يعدْ لديهم الحاجة لأن يفكروا بالكلمات التي يريدون قولها مرتين. فالشوارع اصبحت مسرحاً مفتوحاً، والجماهير الثائرة، مستمِعة ومشاهِدة ومندفِعة.

والثورة فعل جماعي وجماهيري، ومن خلالها يكتسب الأفراد والجماعات الثقة بأن يكونوا، وأن يكونوا يعني أن يعبِّروا عن أنفسهم/ن في المكان والزمان الذي هم/ن موجودين/ات فيه. في السنوات الثلاثة الماضية، كان الفن دائم الوجود في خلفية الثورة بينما صمود ونضال الجماهير يهيمن على الصفوف الأمامية للثورة.

والفن مركزي في أية ثورة: فمن خلاله يعبِّر الانسان عن الرسالة والحلم، عن المخاوف والمطالب، وبه تُجرَف بعيداً حقبة الديكتاتوريات والأنظمة المستبدة. الفن الثوري لوّن المساحة العامة على امتداد المنطقة، وظهوره يؤكد، بدون أي تردد، أن السلطة هي للشعب.