رسالة في نصف الكأس

نشر في‫:‬الاربعاء, ايلول 4, 2013 - 11:00
لن ننسى باسل | وسام الجزائري
الكاتب/ة: مايا أبيض.

أنا: "ما جدوى الرسالة المثالية إن لم يقرأها أحد؟ هل تخاطر بحياتك من أجل رسالة تامة حتى تضعها في قارورة وترميها في المحيط؟ أفضل أن أقدم رسالة ترضيني بنسبة 80% وتصل إلى جمهور واسع بدلاً من رسالة مرضية بنسبة 100% ولا تصل إلى أحد".

هذا ما كنا نتجادل به داخل السيارة في طريق عودتنا من آخر رحلة لنا معاً إلى الشام.

باسل: "لا. لا يهمني، على عملي أن يكون مرضياً لي بنسبة 100% حتى لو لم يصل إلى أحد. لماذا تفترضين أنه علي اختيار أحد الاحتمالين على كل حال؟ العمل الصادق سيصل إلى جمهوره. لماذا تقلقين كثيراً بشأن هذا الامر؟ سيبحثون عنه، وسيجدونه. لم نعد بحاجة إلى شركات إنتاج وتوزيع في العالم بعد الآن. إذا كان العمل جيداً بما يكفي فسيصل". أجابني بحزم. فاستعملتُ هذا التشبيه:

"فكر بالأمر كالفرق بين رسم الغرافيتي على الجدران واللوحات الفنية. مع أنك ترسم من كل قلبك لوحة الغرافيتي على الجدار، فعاجلاً أم آجلاً وبعد أن يراها المشاة والعابرون من الجوار أو المدينة فقط على الأكثر، وقد يصوروها، ستتم إزالتها كقلعة من الرمال. أما اللوحة فيمكن أن تعيش أكثر من صاحبها. ويمكن ان تطوف حول العالم في المعارض وتعيش إلى الأبد في المتاحف".

لكنه كعادته قاطعني بانفعال: "أنا لا أعمل لصالح المتاحف! لا تهمني المعارض ولست باحثاً عن المديح النقدي. أريد لعملي أن يكون مليئاً بالحياة وصادقاً من القلب، وأن يصل مباشرة إلى القلوب الصادقة الأخرى، لا إلى نقاد الإنتاج والتوزيع. لا أريد لكل الناس أن يروا أعمالي. كل ما أسعى إليه أن يبحث عن أعمالي أناس يريدون هذه الأعمال. ألم تسمعي عن بانكسي*؟ إنه رسام غرافيتي، لكن أعماله لم تمح، بل تقدر ويحتفى بها."
هنا تدخلت منطقياً: "بانكسي هو شوماخر الغرافيتي، فهل ستكون شوماخر السينما الوثائقية؟"

أجاب بعناد: "لم لا؟ أحدهم سيكون هذا الشخص!" أدرتُ عيني بنفاذ صبر وتوقفت عن الجدال. لم يكن هذا ليتغير أبداً، فقد كان هو يرى النصف المليء وأنا أرى النصف الفارغ، على الأقل فيما يتعلق بالمخاطرة والرهانات الثورية:
مثلا، لم يخيل لي أبداً انه كان جادا عندما اخبرني بفكرة رحلته على الدراجة النارية إلى الهند. في البداية، كان مضحكا قيامه برحلته إلى حلب ذهاباً وإياباً على الدراجة، لكن الأمر أصبح مذهلاً عندما اشترى لينين، دراجته النارية. ثم أصبح الموقف سوريالياً عندما عانقته مودعة إياه قبل رحيله. شعرت بالقلق عندما حدثني من الحدود التركية يسأل عن رأيي فيما إذا كان من الأفضل أن يلغي الرحلة بسبب بداية الأحداث في سوريا. خوفاً عليه من أن يتم اعتقاله مرة ثانية من قبل النظام، قلت له إن لديه الوقت الكافي ولن تفوته الأحداث إذا قام برحلته التي تستغرق شهرين - حينها لم أكن واثقة أن تخميني سيكون صائبا لهذه الدرجة. عندما اتصل ثانية من الهند ليقول إنه خائف من ركوب الطائرة إلى دبي عاد الموضوع ليصبح مضحكاً!

لكنه لم يكن مضحكاً أن نرى المصريين في ساحة التحرير. لم نكن نقهقه عندما نظمنا وقفة شموع أمام السفارة المصرية، ولا عندما حاول رجال الأمن عزله بعيداً عن المشاركين في الوقفة الذين قاربوا الثلاثمئة، وهموا باعتقاله، وعندما أصرينا على أن يطلقوه، صادروا هويته واستدعوه للاستجواب.

لم يكن جاهلاً للطريقة التي يجب عليه أن يجيبهم بها. هؤلاء كانوا يفصلون الفن عن السياسة. لذلك ساعده إصراره وتركيزه على عاطفته الانسانية وقيمه الأخلاقية على جعلهم يسترخون. "أنا رجل فن لا نظرية سياسية وأيديولوجيا بالنسبة إليهم"، هكذا عبر عن الموقف. لكن حصانته المهنية كموظف لدى الأمم المتحدة حينها هي في الواقع ما جنبته ضغوطهم عليه للتعاون معهم كعميل مزدوج لاختراق الجيل الجديد من المعارضة الذي يلوح في الافق. أما الثمن فدفعه لاحقاً: أوقف مشروع فيلم "أرض الشعراء". بعد العمل على مسودة 10 دقائق من الفيلم، قرر ألا ينهيه. "ما الذي كنا نفكر به؟ لا أستطيع نشره الآن!"

بدأ "أرض الشعراء" كمشروع فيلم عن شاعر مات حباً. هكذا قدمه باسل. وككثير من القصص العاطفية في المنطقة، وجدت السياسة طريقها إليها. فانتهى الأمر إلى أن يصبح فيلماً عن المعتقلين السياسيين من الشعراء، وماذا كانت تعني لهم القصيدة أثناء فترة حبسهم خلال ثمانينيات سوريا السوداء. في أحد المشاهد الأخاذة من الفيلم، يدخل النور بسخاء من الشرفة المفتوحة خلفها، وتجلس غ. مسترخية على طرف السرير. غ، إحدى الشخصيات، تقرأ القصيدة الوحيدة التي تمكنت من التسلل إلى مهجعها. كانت تقرأها في السجن كل يوم، وتستمع لإلقائها بقية السجينات. المشهد يخبرنا أنها لم تعد قصيدة، بل تحولت إلى صلاة بالنسبة لها. لم يعد الموضوع سياسياً. أصبح فناً.

منع نقص الوعي والشعور المخابرات من فهم هذه الحقيقة في صوته، فحماه سوء فهمهم له. ثم أدى بهم نقص الشعور والقدرة على الاستيعاب إلى القتل ثم القتل، حتى وصلوا لقتل من ظنوه فنانا متهورا لا أكثر.
من ناحية أخرى فإن حاجة باسل إلى الفهم والشعور قادته إلى مكان أبعد من قمم جبال التيبت التي صعد إليها آملاً بلقاء الدالاي لاما. أخذه لما وراء القوالب الطائفية الجاهزة للنظام، وما وراء الادعاءات البطولية المبالغة لبعض الثوار، وحتى ما وراء منطقته الآمنة التي رسم فيها الصورة المثالية لـ"طرفنا" من الثورة. لقد قادته إلى الخطوط الأمامية للمعركة في مدينة حمص.

في اليوم الذي صور فيه شهادات عن مجزرة الساعة، سمع العديد من الروايات المختلفة التي وجد بعضها مقلقاً. ولأول مرة حينها بدأ يشكك في الصورة الملائكية الصافية التي كانت في داخله عن جميع المتظاهرين في الشارع. "بعض الشباب قالوا لي إنهم كانوا مسلحين حتى قبل الثورة!" أخبرني بدهشة. "حسناً، إنها ثورة شعب كامل، يا باسل، لا يمكن للجميع أن يكونوا ملائكة. بعض الناس يشاركون فيها من أجل الانتقام الشخصي. لكن هذا لا يجعل مطالب الثورة تفقد أحقيتها، ولا يجعل جرائم النظام ضد المدنيين أقل وحشية". كالعادة لم تكن تحليلاتي المنطقية نافعة معه. أراد أن يذهب أبعد من ذلك. أراد أن يختبر ويشعر ويعي كيف كانت الأمور تبدو بالنسبة لمن اختاروا حمل السلاح ضد وحشية النظام.

"هؤلاء الشباب ليسوا بهذه البساطة. بعضهم مثيرون للاهتمام للغاية، وبعضهم لطفاء بصورة مدهشة". فكر بصوت عال ونحن نقود السيارة في طريق العودة الريفي. "قد يكون من المفيد إذا قمت بتصويرهم لمدة طويلة. أن أعيش معهم لبضعة أسابيع، وأفهم ما هي حياتهم، دون النقاشات الثورية العشوائية. أن أتمكن فعلاً من فهمهم وفهم الخيار الذي اتخذوه".

تحولت الأسابيع القليلة إلى شهور. عرف فيها حقائق مدمرة عن نواقص كثيرة. لم يشارك منها معي إلا القليل. تعلم أكثر عن حياتهم قبل وخلال وبعد الثورة السلمية والمسلحة. كانت الحياة هناك مختلفة بالنسبة لهم. كانت قاسية، وكانت هذه التجربة قد بدأت تنال منه في الفترة الأخيرة. مرة أخرى، شعرت بالقلق. ومن سخرية القدر أن قلقي لم يكن على حياته، بل على قلبه. فبعد كل ما مر به ونجا منه كنت قد وصلت إلى قناعة أن ملائكته الحارسة كانت مقاومة للرصاص. لكنني لم أعتقد أن ملائكته كانت تفكر بقلبه حينها.

من الناحية التقنية ومن منطلق سينمائي، كنت أرى أن خياراته كانت تصعب الأمور عليه. كان يستعمل كاميرا أتوماتيكية من أجل الأحداث اليومية الروتينية والعشوائية، ويستعمل الكاميرا اليدوية صعبة التركيز خلال المعارك. لكن الصعوبة لم تكن يوماً معياراً في اتخاذ القرارات بالنسبة لباسل. "الأمور الحياتية اليومية يكفيها الأسلوب الاتوماتيكي الشببيه بالتصوير المنزلي"، هكذا كان يرى، "أما المعارك فكانت تستحق صورة بوزنها". إذا كان على أحد ما أن يموت، فيجب أن يتم تصوير ذلك بالطريقة الصحيحة. هناك إنسان يخاطر بحياته، كان باسل يعمل على بذل كل ما في وسعه ليخلد ذلك بأفضل صورة، حتى ولو كان ذلك يعني أن يقترب أكثر، ربما أكثر مما كان ينبغي لإتمام ذلك الفيلم.

إلا ان كتابتي اليوم عن باسل وعمله لم تكن أبدا بسبب استشهاده وظروف آخِر شهرين او ثلاثة من حياته. ما جعل باسل الشخص الرائع الذي هو عليه كانت حياته وليس موته. للأسف، يسقط الآن في كل الأرض السورية عدد لا يعلمه حقيقة سوى الله من الشهداء يوميا. الموت يساوي بينهم جميعا. ما ميز باسل كان حياته، نصفه الملآن من الكأس، شعوره واندفاعه وصدق عاطفته، صفاؤه ونقاء سريرته، لباقته وعنايته وغفرانه لهفوات من حوله، موهبته وابداعه، رفضه المساومة والحلول الوسطى النائمة، في عمله وبلده وحياته حتى آخر يوم منها. كانت آخر صورة التقطت له من أحد متدربيه صورة باسمة باسترخاء، تكاد أن تكون اعتباطية، كآلاف الصور التي يلتقطها المصورون لبعضهم. رغم أنهم كانوا عائدين من تصوير إحدى أبشع مجازر النظام السوري في الحولة، كان التعب من العمل المضني والاسترخاء مع رفاق دربه حينها وراء تلك الابتسامة المهملة ببراءة. هي ابتسامة رجل أدى ما عليه ولم يكن قلقا حول حكم المشاهد عليه.

لكنني أعلم أن باسل كان ليفضل أن اترككم والابتسامة على وجوهكم أنتم، وليس الحرقة لابتسامته هو: "بلا مقت ولو!"، لذلك أختم بمثال عن نصفه المليء من الكأس:

برحمة روحك، باسل !

* حسبما أذكر الاسم